الجديد

الشاهد لا ينضم لـــ "تحيا تونس"، أفضل  !  

المهدي عبد الجواد
“إن بقاء يوسف الشاهد خارج تحيا تونس، و انضمامه للخطوة التجميعية و التوحيدية و دفعها، سيكون مفتاح نجاح هذه المبادرة الجماعية. فلا أحد من الأحزاب التي ذكرنا قادر بمفرده على تحمّل أعباء الانتخابات القادمة ماديا و بشريا و سياسيا”.
بقدر تعمّق منسوب الثقة في الأحزاب و الشخصيات السياسية، و تضاؤل ثقة عامة “الناخبين” فيها، تتسارع في تونس المبادرات الداعية لــ “التوحيد”، و هي مبادرات تمتد من الأحزاب الى المجتمع المدني إلى المنظمات الوطنية إلى الشخصية الاعتبارية. يحمل كل يوم خبرا جديدا، و الكثير من الإشاعات. فنحن في بلد “الحرية اللامحدودة” صار فيه كل شيئ في الموازي بما في ذلك الإعلام، و الأحزاب و السياسة.
تنشأ جزر صغيرة، و تتشكّل المبادرات و الأحزاب، يوميا لكنها تظل جميعها صغيرة، أصغر من حجم اللحظة، و أدنى من شروط الإمساك التام بها. فهذه المبادرات على ما فيها من نوازع ذاتية، تظل في مجملها محكومة بهواجس “الهيمنة” على الآخرين، فكل مبادرة تروم أن تكون قاطرة لما أُصطُلح على تسميته بــ “العائلة الديمقراطية الوسطية”. في قلب الرحى تُريد جميعها ان تكون. و هو ما يُعطّل فعليا عمليات التوحيد. الاتحاد من اجل تونس، و جبهة الإنقاذ في نسختيها القديمة سنة 2013، و الأجد سنة 2016، و الائتلاف المدني، إضافة الى تجارب أخرى، فشلت بسبب نزعات الهيمنة و القيادة. الجميع يدعو للتوحد و لا احد يعمل فعليا من اجل ذلك، و كل الآمال معلّقة في ما يُمكن أن يدفع إليه قُرب موعد الانتخابات الأصدقاء المتنافسون من تسويات و اتفاقات قد توحّد بينهم و تُجمّع جهودهم.
مبادرات كُبرى تشقّ الساحة السياسية و العامة هذه الأيام، تتشكّل كلّها، في “دار الوسط”، و بينها روابط التقاء كثيرة، أكثر من نقاط الاختلاف في كل الحالات. سنعود إلى المبادرات المدنية، كمبادرة قادرون بزعامة نجيب الشابي ومصطفى كمال النابلي و مبادرة الجبهة الوطنية للانقاذ بقيادة مبروك كورشيد و سميرة مرعي و مبادرة مواطنون لماهر حنين و كلثوم كنو و مبادرة المنظمات الوطنية و غيرهم في مقالات أخرى، إذ سنهتم في هذه الورقة بالمبادرات السياسية و الحزبية فقط.
أحدث الأحزاب الوافدة على الساحة الحزبية هو حزب “تحيا تونس” الذي تشكّلت نواته الأولى من كتلة الائتلاف الوطني المتركبة رئيسيا من نواب سابقين لحركة نداء تونس، إضافة لبعض نواب آفاق تونس، و الذين تحوّلوا في مرحلة أولى لكتلة مساندة لرئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد، لتلتحق بهم في مرحلة لاحقة  شخصيات سياسية بعضها في الحكومة و بعضها من خارجها، اشتركوا جميعا في مساندة الحكومة، ليتم الاعلان على بعث حركة تحيا تونس في أواخر شهر جانفي الفارط. بخطاب ذي نبرة عالية، و تفاؤل لا محدود نهضت الخطة الاتصالية للحزب الجديد، على فكرة “الحزب الذي وُلد كبيرا” الذي سيُعيد – بمفرده – التوازن السياسي الذي اختل، و الذي سيفوز بالأغلبية المطلقة في الانتخابات التشريعية بل و الرئاسية القادمة.
خطاب، فيه الكثير من الاعتداد بالنفس – غير المحسوب – في علاقة بالخصوم السياسيين، و كثير من الغرور في علاقة بالحزب الجديد نفسه، و بإمكانياته الفعلية في الواقع. بل إن هذا الخطاب الذي ورد رئيسيا على لسان بعض النواب، يعكسُ عجزا – منهم – على قراءة الواقع السياسي و الحزبي و خاصة على تمثّل عقلاني لتوجهات و رغبات و انتظارات الجسم الانتخابي. و نعتقد ان خطاب هؤلاء النواب موجّه في الحقيقة للقيادة السياسية للحزب، أكثر منه لعامة المواطنين، و هو أقرب إلى “المناشدة” للتموقع و افتكاك مواقع في القائمات الانتخابية منه للقراءة السياسية العقلانية للساحة السياسية و للمزاج الانتخابي.
فالجسم الانتخابي تُحرّكه اليوم عوامل عديدة، لعل أهمها موقفه السلبي جدا من أداء مجلس نواب الشعب، و من نوابه، فاغلب النواب، و خاصة نواب نداء تونس، في نظر ناخبيهم، تخلّوا عنهم، و لم يف منهم أحد بالوعود التي قطعها في انتخابات سنة 2014، إضافة إلى ما لحق صورتهم من تشوهات بفعل الخصومات السياسية و الحزبية و الصراعات المختلفة التي خاضوها، ضد بعضهم البعض، و ضد غيرهم طيلة السنوات الفارطة، علاوة على “تجوّل” بعضهم الآخر على أكثر من حزب.
إضافة الى الموقف المتوجّس من النواب، ثمة انقسام حاد، حول الحكومة و حصيلة أدائها، و هو ما سيكون وقود حملة انتخابية شرسة من الخصوم السياسيين و خاصة من الأحزاب الشعبوية يمينا و يسارا، حصيلة لا يخفى حتى على أنصار الحكومة و مؤيديها ضعفها، و لا نعتقد ان نواب تحيا تونس، و قياداتهم السياسية قادرون بمفردهم على مجابهة هجمات الخصوم خاصة إذا كان اغلبها من “المتشابهين” معهم. و نحن نعرف مبدئيا ان نداء تونس و الجبهة الشعبية و عبير موسي و الحزب الجمهوري و  الائتلافات المدنية “قادرون و مواطنون رئيسيا” سيكون وقود حملتها الانتخابية مهاجمة الحكومة و خاصة رئيسها من جهة الحصيلة الاقتصادية و الاجتماعية الضعيفة. و ليس أدل على ذلك، من ضعف إختراق تحيا تونس للساحة الشعبية، و للنُّخب على حد السواء، و هو ما تعكسه نوايا التصويت للحزب الوليد، ويُصبح من شبه الحتمي على تحيا تونس من ثمة، العمل الجدّي و السريع من اجل توسيع دائرة الأصدقاء ما أمكن، أملا في تضييق جبهة الأعداء.
ينضاف الى هذين العاملين، تعاظم نسب نوايا مقاطعة الانتخابات من جهة، و صعود الخطابات الشعبوية من جهة ثانية، كل هذه العوامل تجعل هوامش المناورة أمام الأحزاب “الوسطية” و خاصة تحيا تونس و رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد محدودة.
ان توسيع دائرة الأصدقاء للتقليل من الخسائر يمر حتما عبر مجموعة من الإجراءات، لعل اههما، داخليا، تقديم القيادات السياسية، على نواب الحزب، إعلاميا حتى تتحمل دورها الرئيسي في الدفاع على اختيارات الحزب و مواقفه، و حتى تخلق في بنية الرأي العام ذلك التمايز الضروري بين “تحيا تونس” كحزب جديد، و النواب باعتبارهم وجوها استهلكها الإعلام و استنزفت الصراعات الحزبية مصداقيتها من جهة، و خلق التمايز الضروري أيضا مع “صورة النداء” باعتباره حزبا تخلى على مبادئه و قيمه ووعوده الانتخابية. لا يعني ذلك الاستغناء على النواب و لا الحط من قيمتهم و لا تبخيس الدور المهم الذي قاموا به في الدفاع على الحركة و في تأسيسها، و لكن لضرورات السياسة أحكامها.
هذه الخطوة المهمة، لن تكون كافية لحزب تحيا تونس لاكتساح الساحة و للفوز بالانتخابات، و هو ما يتطلب خطوة اخرى خارجية هذه المرة، بالانفتاح السريع على الاحزاب و المبادرات المشتغلة بــ “دار الوسط” بالمشروع الوطني العصري، فحزب مشروع تونس و البديل و المبادرة مجموعة لم الشمل للمكتب التنفيذي للنداء و حتى أفاق تونس و الوطني الحرّ إذا تم إعادة احيائه، كلها احزاب جنيسة لتحيا تونس. و اجتماعها كلها في “تجمّع” مهما كانت صيغته تحالفا او ائتلافا أو جبهة، من شأنه ان يخلق فارقا سياسيا و انتخابيا سريعا و مهما. بل لا نُخفي الأمل في امكانية انجاز مؤتمر توحيدي يضم على الاقل ثلاث مكونات هي تحيا تونس و مشروع تونس و جماعة لم الشمل، مؤتمر ديمقراطي توحيدي قد ينجح في تقديم بديل عقلاني قوي على نداء تونس الذي مازال يتخبط في مشاكله التي لا تنتهي، و الذي ان استطاع انجاز مؤتمره التأسيسي بشكل ديمقراطي، قد ينضاف اليهم في هذه البادرة التاريخية المهمة.
الخطوة الثالثة الضرورية الانفتاح على المبادرات المدنية و السياسية الأخرى، إذ انها جميعا تتحرك داخل نفس الفضاء، و سيجد القائمون عليها صيغا للالتقاء قبل الانتخابات او بعدها، و سيضمنون على الأقل، و قف “الحرب” بينها. كما ان من شأن ذلك “تمويل” بكفاءات أخرى من مثقفين و صناع رأي و فنانين و جامعيين و نُخب الإدارة و الخبرات الوطنية في قطاعات مختلفة، ما زال بعضها متردّدا من الانخراط المباشر في الحزب، ويشكو بعضها الآخر من “حرص” أوائل المنضمين للحزب على غلق الأبواب دونهم و الالتحاق به، حرصا على مواقعهم “القيادية”.
أهم الخطوات على الإطلاق و التي ستُشكّل فارقا حزبيا و سياسيا و انتخابيا هي بقاء السيد يوسف الشاهد بعيدا على “تحيا تونس”. أي ان لا ينخرط فيه بشكل مباشر، و أن يبقى في الوضعية التي هو عليها اليوم، قد لا يُعجبُ ذلك مناضلي و قيادات و خاصة نواب الحزب، و لكنه في اعتقادنا خطوة ضرورية لنجاح مبادرة التجميع التي ذكرناها سابقا، إذ سيكون السيد يوسف الشاهد فوق الأحزاب و المبادرات و لكنه في قيادتها. إذ ان “دار الوسط” و بانحسار نفوذ الباجي قائد السبسي، و تآكل رمزية غيره من القيادات الحزبية التاريخية، و انخراط قادة الأحزاب الوسطية الموجودة في “الصراعات” السياسية و الحزبية منذ 2014، فقدت زعيما مُوحّدا قد يتم الإجماع على دوره المرحلي. و لأسباب يطول شرحها، يحتل السيد يوسف الشاهد موقع الصدارة في هذه اللحظة.
إن بقاء يوسف الشاهد خارج تحيا تونس، و انضمامه للخطوة التجميعية و التوحيدية و دفعها، سيكون مفتاح نجاح هذه المبادرة الجماعية. فلا أحد من الأحزاب التي ذكرنا قادر بمفرده على تحمّل أعباء الانتخابات القادمة ماديا و بشريا و سياسيا.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP