الجديد

إعادة بناء الوسط

خالد شوكات

ضعف الديمقراطية من ضعف الوسط، فالذي يضمن استقرار النظام الديمقراطي وتدفّقه وقدرته على تحقيق أهدافه السياسية والتنموية وجود وسط سياسي عريض وفاعل ومتماسك، أمّا عندما ينهار الوسط فعادة ما يكون ذلك مدخلا لتأزّم الديمقراطية وتعثّر مؤسساتها وخيبة أمل المواطنين فيها وتربّص أعدائها بها، وسرعان ما تطلّ الغربان برؤوسها وأفاعي الشعبوية والتطرّف والارهاب والخراب لتنفث في المجال العام سمومها.

الديمقراطية إذًا حالة وسطية أو لا تكون، فأهمّ مؤشرات الحكم الديمقراطي هو التداول على السلطة مع اشتراط استمرارية المرفق العام، وهو أمر لا يمكن ضمانه الا اذا كان التداول بين نوعين من الوسط، بين الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين الديمقراطيين مثلا، أو بين يمين الوسط ويسار الوسط، أو بين الجمهوريين والديمقراطيين، أو بين العمال والمحافظين، ولا يمكن ان يكون التداول بين طرفي نقيض، اي بين يسار راديكالي ويمين راديكالي، ولهذا قامت معادلة الديمقراطية الحديثة والمعاصرة على وجود دائرة سياسية وسطى عريضة قادرة على دفع الراديكاليين والشعبويين وعموم اصحاب الحقائق المطلقة والسرديات الأيديولوجية الدوغمائية الى الأطراف، ينعمون كغيرهم بفضائل الديمقراطية لكنهم يعجزون عن تدميرها وإفساد مؤسساتها.

من تجربتنا في الانتقال الديمقراطي، بمقدورنا الاستناد الى مثالين يثبتان صحة النظرية الوسطية ونقيضها، المثال الاول عندما خاض الباجي قائد السبسي مغامرة تجميع شتات الوسط في 2012 وتمكن بصنيعه هذا من إنقاذ المشروع الديمقراطي عبر الانخراط في الحوار الوطني والمصادقة على الدستور وتنظيم انتخابات 2014 ووضع قطار الجمهورية الثانية على السكة،

أما المثال الثاني فهو رحيل الباجي قائد السبسي وانهيار البناء الوسطي الذي أقامه وانحراف المزاج الانتخابي في 2019 نحو التطرف والشعبوية واضعاف القوى الوسطية المعتدلة، فالمقال ونقيضه يثبتان ان ضعف الوسط يفضي عمليا الى اضعاف المسار الديمقراطي ودفع الديمقراطية الناشئة الى تخوم الفوضى والمجهول. لهذه الاسباب وغيرها، تبدو عملية اعادة بناء الوسط مسألة اكثر من ضرورية وحاسمة لفتح آفاق جديدة أمام الديمقراطية الوليدة وانتشالها من الضياع الذي يهددها جرّاء هيمنة السرديات الإطلاقية على المشهد السياسي العام: سردية الثورة وسردية الثورة المضادة والسردية الطهورية سواء تعلقت بمكافحة الفساد او التمكين لارادة الشعب او تحرير فلسطين.

وتعني النظرية الوسطية فيما تعنيه، المرور من زمن الصراع الايديولوجي العدمي الى التنافس بين الاحزاب والتيارات حول برامج التنمية، ومكافحة الاوهام والاحكام الإطلاقية ونزعات التخوين والتفكير بالافكار القابلة للتطبيق والبرامج العملية ممكنة التنفيذ والتي تفيد في تغيير واقع الناس المعيشي وتحسين فرص الحياة أمامهم وبث الامل في نفوسهم بدل اليأس والقنوط او الغضب والفوضى، فالديمقراطية المقنعة هي بالضرورة ديمقراطية دولة الرفاة (Welfare state).

إن فكرة الديمقراطية في نسختها النيابية التعددية مردّها الاستعاضة عن صراع الكليات بتنافس الجزئيات، وإبدال مساعي نفي كل طرف للاخر بالاعتراف المتبادل والتداول على الحكم واقتسام المصالح والقبول بقواعد العملية الانتخابية الشفافة والنزيهة، ولهذه الاعتبارات فهي لا تتفق مع الاطروحات الدغمائية والاطلاقية والفاشية والإقصائية أيّاً كانت مرجعيتها، سواء علمانية او دينية، فالتطرف وارد لدى جميع العائلات السياسية، حيث ظهر متطرفون باسم الدين وباسم الوطن وباسم الطبقة وحتى باسم الحرّية.

إن كان من سبيل لاستكمال مسار الانتقال الديمقراطي على الوجه الأكمل والأمثل والأفضل، فلن يكون الا بإعادة تعبئة القوى الوسطية ومنح الصوت الوسطي المعتدل مجالا لنقض الخطابات الشعبوية وتسفيه أحلام الشعبويين ودفع الفضاء العام الى أولويات ذات فائدة ومعارك صحيحة توحِد التونسيين ولا تمعن في تقسيمهم وتدفع غالبيتهم للانخراط في معارك البناء والتعمير لا معارك داحس والغبراء وبكر وتغلب، فتونس محتاجة لتنافس اليمين واليسار والمحافظين والليبراليين في الافكار، ومحتاجة لرجال الاعمال والعمال، وللحوار والتوافق والعمل المشترك. وفي الختام، علينا الانتباه جيّدًا الى ان الوسط – خلافاً لاعتقاد بعضهم- ليس الفاضل/الباقي من اليمين واليسار، انه مستقل بذاته وهو خيار واختيار.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP