الجديد

اتحاد الشغل: الفصل 20 .. تحصين للمنظمة !

المهدي عبد الجواد

على وقع التنازع حول “الفصل العشرين” ترتفع درجات التوتر في ساحة محمد علي. فمنذ بداية الحديث على مجلس وطني ومؤتمر استثنائي غير انتخابي، يتم فيهما تحوير الفصل الشهير، انقسم النقابيون الى فريقين يدعو أحدهما الى حتمية تحوير الفصل المذكور “تحصينا” للاتحاد من الاختراق وضمانا لسلامة “الشقف”، ويدعو الثاني الى ضرورة التمسك بالقانون الداخلي واحترام طبيعة الحياة الديمقراطية والتداول على المسؤولية في الاتحاد، باعتباره مدرسة عريقة قائمة على شعار “القواعد هي الكلّ”.

عاش اتحاد الشغل، معارك أهم بكثير مما يحصل اليوم، ويبدو ان الوضع العام في البلاد وما تعيشه من ازمة اقتصادية واجتماعية ينضاف  اليها بوادر ازمة سياسية حادة، غطت على ما يعتمل في “قلعة حشاد” من تجاذبات. ولكن ذلك لا يحجب دقة المرحلة التي يمر بها اتحاد الشغل، ولا يُخفّف من حجم التحديات التي تواجهها المنظمة الشغيلة.

الفصل العشرون .. تاريخ ديمقراطي

لقد تم فرض الفصل العاشر والذي تحول بالتحوير الأخير الى الفصل عشرين، في مؤتمر جربة. فرضته القوى النقابية المناضلة داخل الاتحاد، الطامحة إلى تجديد القيادة النقابية من جهة والى إحراج الرئيس الاسبق زين العابدين بن علي الذي كان يستعد حينها للقيام بتحوير دستوري يسمح له بالترشح مرة اخرى. فالفصل القاضي بتحديد الترشح/عضوية المكتب التنفيذي بدورتين كان ابن سياقه الداخلي “تجديد القيادات وتشبيبها” وسياقه الوطني “إحراج بن علي” وسياقاته الدولية الدافعة نحو الديمقراطية.

ولقد تكفل الفصل العاشر فعلا بالدفع بقيادات جديدة، و سمح لاتحاد الشغل بتطوير أدائه وتجذير المُمارسة الداخلية والأبعاد النضالية داخله، واضطر القيادة في تشكيلات المكاتب التنفيذية المتعددة منذ مؤتمر جربة بداية الألفية إلى مزيد الإنصات للأصوات النقابية والهياكل الوسطى والدنيا التي صارت لها سلطة كبيرة تُمارسُها في كل مؤتمر. على ان الفصل “العاشر/العشرون” ظل فصلا يتيما لم يتبعه تطوير حقيقي للممارسة الديمقراطية.

إذ ان التسقيف بدورتين لم يمسّ بقية الهياكل والجامعات والاتحادات الجهوية والنقابات الأساسية الأمر الذي منع هذه الهياكل من تجديد أعضائها، ولم يسمح للاتحاد بالانفتاح على كفاءات نقابية شابة وجديدة بل ظلت اغلب النقابات الأساسية خاضعة للمحاصصات الحزبية وهيمنة تيارات سياسية مختلفة، واضحي الاتحاد في قلب عملية تجاذب سياسي وإيديولوجي يتهدده الاختراق الحزبي يمينا ويسارا.

الاتحاد .. في السياق الديمقراطي

كان اتحاد الشغل دوما منظمة وطنية جامعة. يجمع بين البعد الاجتماعي والوطني. لذلك كان دوره حاسما في الاطاحة ببن علي وخاصة في حماية المسار الديمقراطي. ينسى الكثيرون ان اتحاد الشغل ومقراته وقياداته الوسطى والدنيا كانت في قلب الحراك الاجتماعي قبل 14 جانفي. وان قياداته الوطنية هي التي رعت الحوارات الوطنية التي تمخض عنها مجلس حماية الثورة الذي تحول فيما بعد الى هيئة حماية الانتقال الديمقراطي. وتكفل اتحاد الشغل بتشكيل النيابات الخصوصية التي ظلت تعمل رغم ما عرفته من مشاكل حتى انتخابات 2018، كما رعى اتحاد الشغل اعتصامي القصبة والحوار الوطني سنة 2013. هذا الدور الوطني الذي رافق فيه اتحاد الشغل التحولات العميقة التي عرفتها تونس، ومشاكل الانتقال الديمقراطي تجعلُهُ اليوم اكثر حذرا في اعادة انتاج نفس “العاهات الانتقالية”.

الديمقراطية .. بعض من الفوضى

لقد دخل التونسيون مرحلة الانتقال الديمقراطي سنة 2011، دون ضوابط. إذ تم رفض تحديد مهام المجلس التأسيسي ولا مدته الزمنية. وتم حل البرلمان السابق وتعطيل الدستور وكل الهيئات المُنبثقة عنه، ليتم تعويض ذلك بالمراسيم. ومازالت تونس الى اليوم تشكو تحولا ديمقراطيا مشوها لانه كان تحولا فوضويا بلا ضوابط.

ان الدفع باتحاد الشغل اليوم الى تحولات كبيرة، بداعي الديمقراطية والحرص على “النقاء” من شأنه ضرب آخر المؤسسات الوطنية المستقرة في البلاد. ان اتحاد الشغل والمؤسسة العسكرية والأمنية والإدارة التونسية هي التي حمت الدولة وحمت الديمقراطية الناشئة من كل رغبات الهيمنة. ويُدرك النقابيون اليوم ان اتحاد الشغل في قلب العاصفة. ولا تُخفي تيارات عديدة عداءها له، بل انها دعت أنصارها” المعادون للعمل النقابي” الى الانضمام الى الاحتجاجات التي سيقوم بها اليوم بعض النقابيين.

يُدرك كثيرون – وانا منهم- ان العمل النقابي وآلياته وخطابه في سياق ديمقراطي مختلف كليا عنه في سياق استبدادي. وعلى اتحاد الشغل إدراك ذلك، وتغيير ما يجب تغييره للانفتاح على لحظة تاريخية لها رهاناتُها ولها شخوصها. كما يُدرك اتحاد الشغل وقيادته الحالية ان التعددية النقابية ستصبحُ امرا طبيعيا، تعلق الأمر بالعمال او بمنظمات الأعراف، وان الهجوم على العمل النقابي واستهداف الوظائف الاجتماعية للدولة سيكونان اكثر شراسة، وسيكون اختراق المنظمة أمرا متوقعا. لذلك فان التعلل بالديمقراطية لمنع تحوير الفصل العشرين يظل داخلا في باب “النوايا الطيبة” التي لا تقود الا الى الجحيم.

فالمطلوب اليوم تحصين المنظمة، والاستفادة مما راكمته القيادة الحالية طيلة هذه المرحلة الانتقالية. إذ ان اغلب أعضاء المكتب التنفيذي التحقوا به سنة 2012، اي انهم مدركون بشدة لواقع الأمر السياسي والاجتماعي والاقتصادي الوطني، ودورهم مهم جدا في مساعدة حكومة الرئيس/حكومة الكفاءات غير المتحزبة على مواجهة هذه اللحظة الكارثية غير المسبوقة.

الاتحاد .. الاختبار الكبير

ان تقديم المصلحة الوطنية على “ديمقراطية شكلانية” هو جوهر “الافتداء النقابي”، ونحن نعتقد ان الكثير ممن يرفض تحوير الفصل العشرين انما يقوم بذلك حتى يضمن لنفسه اكثر فرصا ليكون عضوا في المكتب التنفيذي القادم، منه تمسكا بمفهوم الديمقراطية.

اتحاد الشغل اليوم في جوهر العملية السياسية الوطنية، وتونس تواجه أكثر لحظات تاريخها صعوبة، وأعداء اتحاد الشغل داخليا وخارجيا كُثُرٌ، لذلك يُصبح من أوكد الواجبات تحصين “الشقف” والاتفاق على خارطة طريق، لمزيد تكريس الديمقراطية داخل هياكل الاتحاد من أدناها الى أعلاها، على ان يكون ذلك بمراعاة كل المحاذير، وتغيير عشرة اعضاء دفعة واحدة ستكون له عواقب ليس اقلها إمكانية صعود بعض المغامرين السياسيين الى المنظمة او هيمنة بعض التيارات السياسية نهائيا على المنظمة.

لذلك فان تحصين المنظمة يستدعي الابقاء على الهيكل القيادي مستقرا ومتجانسا، ويُصبح تحوير الفصل العشرين او إلغاءه أمرا منطقيا.

فالانتقال الفجئي/ والقوي الى الديمقراطية، دون ضوابط له عواقبه الوخيمة، نعيش الكثير منها اليوم في صعوبات الانتقال السياسي الذي كان مدفوعا بنوايا حقيقية وشغف بالديمقراطية.

ونحن على وعي بان اتحاد الشغل سيتجاوز هذه الفترة المتوترة، وسيكون دائما في مواعيده الوطنية.

إن الديمقراطية هي مسألة قيمية وليست إجرائية شكلانية. والانتخابات والتداول على المسؤولية أو السلطة هي بعض من ٱليات الديمقراطية وليست جوهرها، و نحسب أن أحزابا سياسية وتيارات وفصائل تتزايد اليوم بضرورة التغيير الديمقراطي مطالبة بالحرص على الديمقراطية داخلها.

فكلها مجرد تنظيمات لها نفس القيادات منذ سبعينات القرن الماضي، ويفوتها الاتحاد ديمقراطية داخلية بما فيه من حرية للنقاش الداخلي ومحافظة على دورية المؤتمرات واجتماعات الهياكل واستقلالية قرار القطاعات والحال أن أغلب الأحزاب تفتقد كل ذلك.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP