الجديد

اعلامنا: الحرية لوحدها لا تصنع الربيع !

منذر بالضيافي

فشل الاعلام التونسي خلال العشرية الأخيرة، في ادارة حوار وطني حقيقي، يكون داعما ومؤطرا للانتقال السياسي و الديمقراطي الذي عرفته البلاد، والذي دخل منذ فترة في حالة موت سريري، ومقابل غياب “النقاش”، حضر “الجدل البيزنطي”، والبحث وراء “البوز”، الذي ساهم في مزيد ترذيل السياسة والسياسيين.

وحتى بعد إعلان توقف المسار الديمقراطي واعلان “التدابير الاستثنائية” يوم 25 جويلية، من قبل الرئيس قيس سعيد، والتي حولها بالأمر الرئاسي 117 الصادر في 22 سبتمبر الفارط،  الى حكم فردي ممسك بكل السلطات، دون وضع خارطة طريق واضحة، لإنهاء المرحلة الاستثنائية، برغم تصاعد الدعوات لذلك في الداخل والخارج.

وبرغم أن ما حصل يرتقي لزلزال كبير، فان اعلامنا لم يرتق للحظة الجديدة، التي دخلتها البلاد، واستمر في ترديد ما يمكن أن نطلق عليه: “طاحونة الشيء المعتاد”، بنفس الوجوه وبنفس المضامين الفاقدة للمعنى، ولما حصل ولارتداداته على مستقبل البلاد.

بالعودة لأداء اعلامنا خلال العشرية الأخيرة، يتبين لنا أن مطلب الحرية لوحده لا يصنع “الربيع”، فالقطاع يعيش أزمة هيكلية/بنيوية، فمن أبرز نقاط ضعف اعلامنا:

1/ غياب مؤسسات صحفية في القطاعين العام والخاص، فأغلب الموجود هو مجرد “دكاكين” تفتقد للتسيير الديمقراطي، كما تفتقد لوجود رؤية وتصور للعمل الاعلامي، ولا تديرها مجالس تحرير منتخبة.

2/ نقص فادح في تكوين الاعلاميين، مرده تراجع المؤسسات التعليمية، ونقص بل غياب التأطير في “المؤسسات الاعلامية”  العمومية والخاصة على حد السواء.

3/ تصدر المشهد خاصة التلفزيوني والاذاعي (الاعلام الجماهيري) من قبل “اعلاميين” يفتقد غالبيتهم  للوعي بطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، نظرا لافتقاد غالبيتهم للحد الأدنى من الثقافة السياسية، على اعتبار أن جلهم كان قبل الثورة ينشط برامج ترفيهية ومنوعاتية ويمر برامج “اغنية لكل مستمع”.

5/ في غياب “الوعي” و نقص “الثقافة السياسية”، حول التعاطي مع الشأن السياسي في “البلاتوهات”  التلفزية  والاذاعية،  الى “بوز” و “سخافة” .. وضع نجم عنه “شيطنة” السياسة وفي السياسيين،  وهو ما ساهم في  نشر حالة من الاحباط المجتمعي، تفسر صعود التيارات الشعبوية، التي تنشر وتروج للوهم، التي يتوقع أن تزيد في تعميق أزمة البلاد المعقدة والشاملة.

ان المدخل لإصلاح السياسة، ولحسن ادارة الشأن العام، يمر عبر اصلاح الاعلام الموجود، وفرض اعلام تقوده كفاءات، قادرة على فتح حوار وطني من أجل تونس، ففاقد الشيء – وهو حال السواد الأعظم من اعلامنا –  لا يعطيه.

كما حان الوقت لتكون بداية الاصلاح،  انطلاقا من الاعلام العمومي، الذي هو من مال دافعي الضرائب، والذي بإصلاحه يمكن ان يتحول الى قاطرة لإصلاح الاعلام برمته.

فضلا على كونه، يصبح اعلاما عموميا، لا اعلاما حكوميا مثلما هو الحال اليوم، فكل الحكومات التي تعاقبت على ادارة البلاد منذ 14 جانفي 2011 والى يوم الناس هذا ، عملت على اخضاع “الاعلام الحكومي”، وبرغم بعض مظاهر الرفض و الاحتجاج،  فإنها نجحت في تطويعه وجعله في خدمتها.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP