الجديد

الباجي قايد السبسي .. ” شيخ الثورة ” الذي خذله الشباب !

هشام الحاجي

يمكن القول أن الباجي قائد السبسي، كان أحد أهم اكتشافات ” ثورة الحرية و الكرامة “، كان الشيخ الثمانيني يتابع وقائع الانتفاضة، التي أدت في 14 جانفي 2011 ، إلى رحيل زين العابدين بن علي من منزله.

لم يكن وجدانيا بعيدا عن هذا الحراك الشعبي، وهو الذي كان أول شخصية من كبار ” الدساترة”  تبتعد من محيط ” العهد الجديد ” ، و لكنه لم يكن أيضا من الشخصيات التي نشطت بقوة من اجل التخلص من زين العابدين بن علي .

و لم يكن غريبا بالتالي أن يعبر الباجي قائد السبسي مباشرة بعد 14 جانفي 2011 عن انحيازه للتغيير الذي حصل و تفهمه للاسباب التي دفعت الشباب خاصة للتحرك من أجل القطع مع منظومة أصبحت عاجزة عن تلبية طموحاته. و لكن دور الباجي قائد السبسي لم يقف عند هذا الحد إذ سرعان ما وضعته ” الأعطاب الهيكلية ” ل”ثورة الحرية و الكرامة ” في صدارة المشهد السياسي.

كانت ” الثورة ” تشكو من غياب الشخصية السياسية التي تستطيع تحقيق الانتقال الضروري و الصعب من ” الثورة ” إلى ” الدولة ” خاصة و أن القيادات التي كانت وراء الإطاحة بزين العابدين بن علي سرعان ما انخرطت في صراعات أيديولوجية و شخصية افقدتها الكثير من رأسمالها الرمزي و جعلت ” الطلب ” الشعبي و الرسمي يتجه تدريجيا نحو الباجي قائد السبسي الذي قبل ترأس الحكومة في مناخ من الغليان الإجتماعي و الإقتصادي و السياسي الذي لم تعشه تونس منذ استقلالها على الأقل.

يصعب أن تنتفي الحسابات و الاعتبارات الذاتية من العمل السياسي و لكن ما هو متأكد أن الباجي قائد السبسي قد قبل أن ” يقايض” تقاعده السياسي المريح بعودة إلى واجهة الأحداث في مناخ شديد التعقد و الاضطراب من منطلق وطني و هو الذي خاض منذ انخراطه في العمل السياسي عدة معارك.

إستطاع الباجي قائد السبسي بفضل التجربة التي راكمها و ما يتحلى به من صفات قيادية أن يتحول تدريجيا إلى ” أب الثورة ” الذي أنقذ مؤسسات الدولة من الانهيار دون أن يتنكر للحدث الثوري أو ينقلب عليه و هو ما جعله يتحول خاصة في المستوى النفسي و الإجتماعي إلى عامل اطمئنان لقطاعات واسعة من التونسيين و التونسيات و خاصة النساء و الشباب حول مصيرهم و أساسا نوعية العلاقات الإجتماعية التي يريدونها بعد أن اتضح أن ” جلباب الثورة ” يمكن أن يخفي تحته تشريعا للإرهاب و للتطرف و لما يمكن اعتباره ” افغنة ” المجتمع.

من هذه الزاوية فإن ما قام به الباجي قائد السبسي في الثلاث سنوات الأولى من ” الثورة ” يعتبر أمرا هاما و لا يمكن للقراءات الأحادية و ” التامرية ” أن تفسره و لا أن تقلص من جدارة الباجي قائد السبسي الذي تحول إلى ” أب الثورة ” بكل ما تحيل إليه العبارة من تحمل للمسؤولية و خاصة من شحنة عاطفية و هو ما عكسته عبارة ” البجبوج ” التي أصبح أغلب التونسيين و التونسيات ينادونه بها دلالة على القرب و البعد العاطفي في العلاقة.

أصبح الباجي قائد السبسي قريبا من الجميع و خاصة الشباب الذي أهداه الرجل في حركة رمزية سنة 2008 كتابه الذي ألفه عن ” الحبيب بورقيبة…الأهم و المهم ” و الذي تضمن بين السطور نقدا لبن علي و تنبؤا برحيله. و لكن من مفارقات التاريخ و مكره أن الباجي قائد السبسي الذي عمل جاهدا على إنقاذ ” ثورة الشباب ” قد خذله الشباب.

ذلك أن الشباب المتشبع بالايديولوجيات الثورية مهما كان توجهها اعتبر منذ البداية أن الباجي قائد السبسي يجسد ” الثورة المضادة ” و أنه يمثل الامتداد الطبيعي للنظام القديم و لا يمكن بالتالي الاطمئنان إليه أو التعامل معه بل يتعين العمل على مواجهته سياسيا.

و لكن ” الخذلان الأكبر ” نال الباجي قائد السبسي من ” الشباب ” الذي أحاط به و ساهم معه في بناء حركة ” نداء تونس “.لا شك أن العمل السياسي يقوم في جوهره على ” أخلاق المسؤولية ” و هو ما يجعل الباجي قائد السبسي مسؤولا بالدرجة الأولى عن ” أخطاء الكاستينغ ” التي ارتكبها و قد يكون الأمر مرتبطا في هذا الإطار بأن الباجي كان على امتداد مسيرته رجل دولة أكثر مما كان رجل جهاز حزبي إذ لم يتحمل في الحزب الإشتراكي الدستوري مسؤوليات تجعله يدرك الأهداف و الغايات الحقيقية التي تحرك الكثيرين من الناشطين السياسيين علاوة على أن ” الخزان ” الأساسي الذي ” انتدب ” منه إطارات حركة نداء تونس و هو ما بقي من التجمع الدستوري الديمقراطي قد أصيب في السنوات التي سبقت 14 جانفي 2011 بأمراض أضعفت إلى حد كبير الجانب النضالي في الإلتزام الحزبي الذي تحول إلى أداة لخدمة الأهداف الشخصية بالدرجة الأولى.

و يضاف إلى ذلك أن ” وهن الشيخوخة ” و ما تفرضه من ارتباط بالمقربين و من حاجة متزايدة إليهم ” فرض ” على الباجي قائد السبسي أن لا يقطع مع ” تقليد ” أضر بالحياة السياسية التونسية و هو التداخل الكبير بين الحياة العائلية و الحياة الحزبية و لم تكن حركة نداء تونس الاستثناء في هذا الإطار و لكنها دفعت الثمن أكثر من غيرها لأنها وصلت للحكم و تحولت في حيز زمني وجيز إلى الرقم الأول في المعادلة السياسية التونسية. لم تكن حسابات الباجي قائد السبسي متطابقة مع حسابات ” الشباب ” الذي أحاط به.

كان ” البجبوج ” يتطلع إلى إعادة بناء ” المشروع البورقيبي ” و إلى عمل يبقى بعده في حين اتضح أن هم أغلب الذين احاطوا به هو خدمة ” مسيرتهم السياسية ” بالدرجة الأولى. و هذا الإختلاف هو الذي كان الدافع الرئيس لما شهدته حركة نداء تونس من صراعات و خلافات و انقسامات أدت إلى تلاشيها تقريبا و وصولها مرحلة ” فقدان الوزن السياسي “.

و لا شك أن الحديث عن ” الخذلان ” الذي أصاب الباجي قائد السبسي لا يمكن أن يستقيم دون الإشارة إلى شخصين كان كل واحد منهما مجسدا لهذا ” الخذلان ” بطريقته و هما يوسف الشاهد و حافظ قائد السبسي. لم يكن لهما قبل 14 جانفي 2011 أي دور سياسي و استفادا إلى حد كبير للغاية من صلة القرابة بالباجي قائد السبسي خاصة يوسف الشاهد الذي جعله ” كرم ” الباجي قائد السبسي يتحول إلى رئيس حكومة و لكنه لم يرد على الهدية بأحسن منها بل بالكثير من الجحود و نكران الجميل و أما حافظ قائد السبسي فقد كان – بصرف النظر عن نواياه – عبئا ثقيلا على والده و أبعد عنه الكثير من الكفاءات و الإطارات.

لا شك أن الباجي قائد السبسي يتحمل مسؤولية اختياراته كاملة و لكن الأكيد أيضا أن ما لقيه من ” خذلان ” الشباب خاصة ” ذوي القربى ” يعكس إلى حد كبير الاختلافات الكبرى التي طرأت على الثقافة السياسية بين جيل الباجي قائد السبسي و الأجيال الجديدة و هي تحولات يندرج جلها ضمن تراجع عدد الذين يعيشون من أجل السياسة و تزايد عدد الذين ” يتعيشون ” من السياسة…تراجع أفقد الفعل السياسي الكثير من أبعاد الارتباط بالمجتمع و ” القيم ” و ” المشاريع ” الكبرى و جعله نشاطا يهدف بالأساس لإثبات الذات و الحصول على مكانة اجتماعية و اعتبارية متميزة.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP