الجديد

التونسيون والسخرية السوداء .. عندما يتحول الحلم الى كابوس

شعبان العبيدي

ما يجلب الانتباه في أيّام المحن والشدائد انتشار السخرية بألوانها والتهكّم والتندّر ردّا على الواقع المأزوم ومحاولة مواجهته مواجهة رمزية، وهذا ما يظهر على صفحات التواصل الاجتماعي بطريقة ملفتة للنظر تخرج القارئ من دائرة النكد والهم والضيق إلى دائرة أرحب حين تحوّل أمامه المشهد المركب للأزمة السياسية والحكومية والنقابية والاجتماعية في الفضاء العمومي إلى وسيلة للفكاهة والترويح وتهوين الواقع، بل تصبح أحيانا استهزاء بالأنفس والجماهير التي أفاقت على حلم تحوّل إلى كوابيس مخيفة.

ففي حين يعتبر البعض أنّه كلما تحسّنت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية ازداد الميل إلى الفكاهة في البلاد الغربية، نرى عندنا نحن العرب وبنظرة تاريخية قريبة أنّه كلّما ازداد سقوطنا تعمقت سخريتنا من رموزها ونتاجاتها لأنّ الضحك والتندّر مع السقوط أروع من الفكاهة والإضحاك مع العافية.

وكما تقول “فابيان باسو” في مقال لها (ولكن عندما تكون في صعوبة كبيرة، وجودية أو نفسية، لأنك تشعر بأن قيمتك قد تضاءلت، فإن السخرية تعتبر بمثابة تعبير عن ضرر كبير. وإخبار شخص ما بأنه ليس عليك ذلك. فالفكاهة” تعزز هذا الجرح).

من تدوينات وصور وتعليقات السخرية والتهكم ما عبّر عن مواقف المتابعين من الأحزاب وعراكها وخطاباتها وأخطائها الأمر الذي قدّمها في مشاهد مثيرة للاستخفاف والتندّر وكشف بذلك أصحابها عن مدى الضيق الذي أوصلتهم له المعارك السياسية الجانبية.

ولكن المتابع اليوم لوسائل التواصل والتعليقات والنكات يجد أنّ الرأي العام التونسي مشدود مدهوش أمام حدثين: أولهما حدث سياسي يخصّ الحكومة الجديدة والتقليب في أرشيف أعضائها إضافة إلى صورة حاكم القصر بقرطاج ودائرته وما ينقل عن فريقه وعن الرئيس ومواقفه ابتداء بزيارة فرنسا وصولا إلى الخطابات الرمزية وأخيرا كلمته في الاحتفال بعيد المرأة وفتواه في مسألة الميراث فتوى قطعية.

ومازال المشهد السياسي يسيل الحبر والتعاليق والسخرية الداكنة التي تكشف عمق الأزمة وخيبة أمل النّاخبين.

أمّا المشهد الثاني الذي أسال كثيرا من الحبر والتعاليق والنكات فهو مدعّم بالصورة الحيّة ويخصّ انعقاد المجلس الوطني لاتحاد الشغل بالحمامات واختتام أشغاله بتأييد نسبة 96 بالمائة من أعضائه على تنقيح الفصل العشرين رغم معارضة غالبية النقابيين، وهي نسبة تذكّر التونسيين بما كان يحصل عليه الزعيم الراحل في الانتخابات الرئاسية وكذلك الرئيس الراحل زين العابدين بن علي مع ديمقراطية القطيع.

هذا المشهد كان صادما لمنظمة عريقة مترسخة القدم في عقلية الاختلاف والجدل والخيار الديمقراطي وهو ما دفع أصحاب الصفحات إلى إرسال فيض من التدوينات المرّة المضحكة حول تحوّل “عمار 404″ إلى الطبوبي 505 أو حول شعارات كانت ترفع للمناشدة ” سير سير وأحنا وراك بالبندير”.

هكذا تحت ستار الدعابة والتندر نسمح لأنفسنا بالاعتداء أو القصاص والاعتراض. فنحن اليوم نضحك من كلّ شيء لأنّ هذا المحيط السياسي والنقابي والاجتماعي يعذّبنا ويحوّل حلم توليد العسل من الثورة إلى مرارة الحنظل.

هكذا يتمّ استخدام السخرية لمحاربة الانقلابات وزيغ المؤسسات السياسية ونكوص السياسيين على شعاراتهم ووعودهم. فالعيش معا هو فعلا فصل من الضحك والسخرية المرّة.

وبين هذا وذاك تقطع هذه اللّحظات من الحيرة أمام مشاهد الخيانة والانقلاب والتلاعب بعقول الجماهير بالخوف المرعب من عودة الوباء وانتشاره الهائل بعد قرارات الحكومة الراحلة الجريئة لفتح الحدود والطمع في تغذية خزينة الدولة ورصيدها بالعملة الصعبة مع حلم انتعاش السياسة، فلا كان هذا ولا ذاك و كانت الحصيلة مزيدا من الإصابات ومزيدا من الخوف والحيرة بالنظر إلى قرب العودة المدرسية والجامعية وما سيكون مآل الأمر، وما هي الإجراءات المتخذة للتوقّي والحماية مستقبلا في المدارس والجامعات ووسائل النقل؟

لم تقدّم الحكومة الراحلة إلاّ عقابا للتونسيين المواطنين القانعين الذين أرهقتهم الطبقة السياسية إلاّ قرارا بعقوبات مالية صارمة وغيرها في صورة عدم ارتداء الكمامات.

حريّ بالسياسيين والنقابيين وأصحاب القرار وأعداء الديمقراطية والحريّة الذين يسوّغون للهيمنة والعنف والإقصاء وتملك الكرسي أن يقفوا عند هذه التدوينات الساخرة التي تعبّر لهم فعلا عن مدى الرفض والاحتجاج  على كلّ أساليب ضرب الحريّة والديمقراطية، لأنّها السلاح الفعّال الراقي لقول “لا” لكلّ ما يجري اليوم بطرق فضيعة ستبقى وصمة عار في وجه تونس وطنا وشعبا حين ترى كيف تجري عمليات الانتخاب على تعديل فصل قانوني أو ترى مريضا بالكوفيد ينقل على فراشه ليقوم بواجب التصويت أمام بطل “الزيني بركات”.

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP