الجديد

التونسيون يودعون الساحر .. سنفتقدك أيها ” العقربي ” النبيل

هشام الحاجي

حالة من الحزن تلفني منذ أن بلغني خبر رحيل حمادي العقربي عن الدنيا منذ ساعات. ذلك أن الراحل لم يكن بالنسبة لي لاعب كرة قدم في جمعية منافسة بل نموذج بكل ما في الكلمة من ثقل و دلالات.

لم تتسرب الكراهية إلى كرة القدم لما بدأت علاقتي بها في طفولتي مطلع سبعينيات القرن الماضي و كانت بعض احداث العنف التي تطرأ هنا و هناك مجرد قوس سرعان ما نغلقه لنواصل التعلق بجمعياتنا دون أن يمنعنا ذلك من إبداء الإعجاب بلاعبين من جمعيات أخرى.

قد يكون انتماء حمادي العقربي لجمعية النادي الرياضي الصفاقسي عاملا من العوامل التي ساعدت على تمكينه من ” مقبولية” لافتة لدى أحباء الجمعيات الأخرى لأن جمعيته متخففة من ” إرث ” مواجهات رياضية ذات خلفية سياسية لم يخل منها سجل العلاقات بين ” أقطاب ” كرة القدم التونسية.

و لأن النادي الرياضي الصفاقسي قد أخذ يخط لنفسه مع ظهور جيل حمادي العقربي مكانا بين الكبار اعتمادا على تغليب الجمالية في اللعب و البحث عن المتعة قبل التفكير في النتيجة.

و لكن حمادي العقربي كان أكثر من ذلك بكثير، كان موهبة غير عادية و تكفي الإشارة هنا إلى أن المدرب الذي قاد النادي الرياضي الصفاقسي من فريق عادي إلى فريق متميز قد اكتفى حين اختبر حمادي العقربي في أول يوم يلتحق فيه بالجمعية التي اعتبرها عائلته بالقول ” و ما الذي يمكنني أن أعلمه أكثر مما تختزن قدماه ” .

حمادي العقربي طوع الكرة و اخضعها لمشيئته و ما صنعه بها يجعله من طينة الكبار في العالم. و لم يكن حمادي العقربي مجرد لاعب مبدع في كرة القدم بل كان إنسانا يمتلك من الأنفة و الكبرياء و عزة النفس ما جعله محل إحترام منافسيه قبل أبناء جمعيته.

يصعب الإتيان في أسطر على ما فعله حمادي العقربي فوق الميادين بالكرة و بمنافسيه مما جعله يتحول أحيانا و خاصة في السنوات الست التي سبقت اعتزاله سنة 1986 إلى ” جمعية ” بمفرده.

إذ كان عدد كبير من أحباء كرة القدم يتحولون للملعب لمشاهدة حمادي العقربي و كان أحباء الجمعيات التي ينافسها يتفاعلون مع ابداعاته بكل مظاهر التشجيع.

و من الأحداث التي لا تنسى ان أحباء النادي الرياضي البنزرتي احتجوا بشدة على حكم رفع الورقة الحمراء في وجه حمادي العقربي.

حمادي العقربي كان نجما مرتفعا عن قشور النجومية الفارغة من تطاوس و تعال إذ تسبق ابتسامته الخجولة كلماته التي تعجز عن إخفاء خجل فطري.

حمادي العقربي منح كرة القدم أحرف نبلها و ارتقى بها في ادائه و سلوكه إلى مصاف الفن لأن ما قدمه على أرضية الملاعب لا يقل شاعرية و إبداعا عن أعذب الألحان و أجمل اللوحات و لو كانت كرة القدم رياضة فردية لقاطعها آلاف المشجعين منذ أن اعتزل حمادي العقربي…

سنفتقدك كثيرا أيها العقربي النبيل لكنك ستبقى في قلوب الذين لم ينسوك رغم انقطاعك عن اللعب منذ سنوات و الذين احبوك بما سمعوا عنك من تميز في الأداء و سمو و رفعة في الأخلاق.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP