الجديد

الجيش التونسي .. “الثورة الهادئة”

“الجيش التونسي صامت لكنه حاضر بقوة في المشهد الأمني والسياسي التونسي، بعد الثورة”

 

منذر بالضيافي

كشف وزير الدفاع ابراهيم البرتاجي  الخميس 19 نوفمبر 2020 عن تورط عسكريين في التخابر مع ارهابيين ومهربين بالجنوب. وقال الوزير خلال جلسة استماع امام لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح :”ثبت ان هناك تخابرا من طرف بعض العسكريين بالجنوب مع جهات اخرى إما في علاقة بالارهاب وهي حالات قليلة او في علاقة بالتهريب وهي حالات أكثر بقليل “.

تصريحات أثارت ردود أفعال متفاوتة بين “الرفض” و “التفهم”، على أن الرأي الغالب والمهيمن، أشار الى أن الوزير ارتكب “خطأ اتصالي”، كشف من خلاله عن نقص في التجربة السياسية، وفي ادارة ملفات حساسة في علاقة عضوية بالأمن القومي للبلاد، في ظرف تمر فيه البلاد بمرحلة “مؤلمة”، هي ناجمة عن ضعف مؤسسات الدولة، في تزامن مع وجود نوايا – لم تعد خافية – تسعى الى “تفكيك” الدولة المركزية، لصالح ما يسمى ب “الهامش”.

وذلك تحت عنوان فك الارتباط مع المنوال التنموي القديم، وهي براي “كلمة حق يراد بها باطل” كما يقول المثل الشعبي، فالشيطان يكمن في التفاصيل دوما، من هنا ما كان على الوزير – واقدر أنه على حسن نية – الاقدام على مثل هذا التصريح، لأنه يمس من معنويات لا المنتسبين للمؤسسة العسكرية، بل أنه من شأنه أن يهز من ثقة التونسيين، في المؤسسة التي تحظى بثقة وتقدير الجميع، بل أنها لدي عموم الشعب التونسي، هي عنوان المسؤولية والانضباط، والضامن لوحدة البلاد واستقرارها.

تأكدت ريادية ومكانة الجيش التونسي خاصة بعد ثورة 14 يناير 2011، خاصة الدور المركزي الذي لعبه، في حماية مسار الانتقال السياسي، دون التدخل المباشر فيه، وبالتالي البقاء بعيدا عن التجاذبات السياسية والايديولجية.

الصورة التي بنيت في الداخل والخارج حول الجيش التونسي، كانت محل اشادة وتنويه من قبل العديد من المؤسسات البحثية الدولية، فتحت عنوان “ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد بن علي”، تناول الباحث الأمريكي شاران غربوال (موقع مركز “كارنيغي للشرق الأوسط”، الأربعاء 24 فبراير 2016) من جامعة برينستون، عودة الجيش في تونس ليكون له موقع في الانتقال الديمقراطي الجاري، بعد أكثر من خمسة عشريات من التهميش، طيلة فترة الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة، وخلفه الرئيس زين بن علي الذي قامت عليه ثورة منذ نحو 5 سنوات.

اشار الباحث الى أن بداية التحول في العلاقات المدنية-العسكرية بدأت في تونس مع الثورة، وتابع غربوال قائلا: “بدأ الجيش، الذي ظل مهمشا على مدى عقود في عهد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة وخصوصا في ظل الدولة البوليسية للرئيس السابق زين العابدين بن علي”.

واشار شاران غربوال، الى أن عملية الانتقال السياسي الجارية في تونس أحدثت تغييرات في العلاقات المدنية-العسكرية. ورصد شاران هذه العلاقة الجديدة في خمسة عناصر:

فقد انتقلت إدارة الجيش من الحكم الشخصي للمستبدين السابقين الى قنوات أكثر لامركزية، كان تغيير القيادة السياسية في تونس إيذانا بنهاية تمييز الضباط الآتين من المناطق الساحلية الثرية التي ينحدر منها بورقيبة وبن علي، أرغمت التهديدات الأمنية الخطيرة التي تواجهها تونس حكومات ما بعد الثورة على تعزيز ميزانية الجيش وأسلحته وروابطه الدولية وقدراته المؤسسية ونفوذه السياسي، تمتع ضباط الجيش السابقون بقدر من العدالة الانتقالية أكثر من باقي التونسيين، وفي الأخير أصبح الضباط المتقاعدون اعضاء فاعلين في المجتمع المدني النشط في تونس، ووفروا للجيش جماعة ضغط جديدة تسعى الى تعزيز مصالحه.

كما اشار الباحث، الى ان سنة 2016 بدأت تعرف زيادة في قوة الجيش، واعتبر ذلك بمثابة “ظاهرة صحية للديمقراطية الفتية في تونس”، وذلك “بالنظر للتحديات الأمنية وانعدام الخبرة العسكرية لدي القادة المدنيين في البلاد”.

ويخلص شاران الى القول بأنه وبعد عشريات من تهميش المؤسسة العسكرية في تونس، يبدوا أن تطورات ما بعد ثورة 14 يناير 2011 “تهدف الى تصحيح ذلك الخلل التاريخي”. وهنا يناشد الباحث الدول الغربية والدولية على ضرورة “أن تحرص على تشجيع نمو الجيش التونسي تمشيا مع المبادئ الديمقراطية”.

ان من بين العوامل –التي قد يغفل عنها الكثيرون – التي تفسر تواصل وتقدم مسار الانتقال الديمقراطي التونسي، هو “حياد” و”عقيدة” المؤسسة العسكرية. التي قامت بحماية أمن البلاد منذ انطلاق الحركة الاحتجاجية في ديسمبر 2010.

كما استمرت في تأمين أسباب الاستقرار والأمن وحماية الدولة من الانهيار إلى اليوم، وحتى بعد قيام مؤسسات شرعية منتخبة. وهي تمثل حالة اجماع لدي كافة التونسيين نخبا وشعبا، وفي اشارة للدور المركزي للمؤسسة العسكرية، كتبت الصحفية  “ازابال موندرود” (مقال  نشر في جريدة “لوموند الفرنسة”(عدد 14 جانفي 2012) ) أكدت فيه على أن “الجيش صامت لكنه حاضر بقوة في المشهد الأمني والسياسي التونسي، بعد الثورة”.

ولعل تمديد “حالة الطوارئ”، بعد كل عملية إرهابية ، جعل المؤسسة العسكرية هي المعنية بمتابعة ادارة شؤون البلاد الأمنية، على الأقل الى حد الان، وهو ما يكشف ايضا عن امكانية لعبها أدوار مهمة في تامين المسار الانتقالي، مع المحافظة على عقيدتها التي تأسست عليها، وتبين كل الاحداث أنها قناعة راسخة لا تتزحزح.

بعد الثورة، وبرغم سنوات “التهميش” الطويلة التى تعرضت لها المؤسسة العسكرية، فانها كانت في الموعد، وتحركت لحماية الأمن والحفاظ على استمرارية المرافق الحياتية. فحرس مؤسسات الدولة، وأشرف على حسن سير الامتحانات الوطنية (الباكالوريا)، وصابة القمح والشعير والزراعات الكبرى، وكذلك الاستحقاقات الانتخابية في  أكتوبر 2011 وفي  و 20192014.

وبرغم محورية ومركزية الدور الذي لعبته، فقد حافظت المؤسسة العسكرية على حياديتها، لكن في هذه المرة كان “حيادها ايجابيا”. وأكدت أنها لا ترغب في السلطة بل أنها “زاهدة في السلطة”، وان تحركها أملته “عقيدتها الوطنية” في المقام الأول وأن “السياسة للسياسيين”، الذين نأمل أن لا يدفعون المؤسسة العسكرية للتخلي عن عقيدتها.

في الاخير، تجدر الاشارة الى أن من بين الاسباب الأكثر شيوعا التي فسرت استمرار العملية السياسية عشرة سنوات بعد ثورة جانفي 2011 في تونس، هي طبيعة جيشها.

فالقوات المسلحة التونسية هي الاصغر حجما في العالم العربي، حيث يبلغ تعدادها حوالي 40 ألف في الخدمة الفعلية من أصل عدد سكان يقرب 11 مليون نسمة.

مع العلم، وأن جنود تونس لم تخض اي حروب كبري، حيث ظلوا الى حد كبير “سجناء” الثكنات (مثلما أشار الباحث الأمريكي شاران غريوال). وبسبب نقص التمويل والتجهيز، وتحييده عن السلطة الساسية والاقتصادية في عهد الرئيسيين السابقين بورقيبة وبن علي، لم يطور الجيش كمؤسسة أبدا مصالح تجارية عميقة من شأنها أن تربطه بمصير الحكام.

وقد مكنه عدم وجود مصالح خاصة من تجاوز زين العابدين بن علي بسرعة بعد الاطاحة به، ومن ثم الابتعاد عن التطورات السياسية الداخلية على نحو لم تقم به الجيوش الأخرى في المنطقة العربية.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP