الجديد

الحنايا الرومانية .. بين "منوحة اليسار" و "ارتباك الاسلاميين" و "التوظيف السياسي للآثار"

كتب: هشام الحاجي
يمكن ان تتعدد زوايا مقاربة لحادثة الاعتداء على الحنايا الرومانية، التي كانت مدينة المحمدية مسرحا لها، بعد الفيضانات التي شهدتها المدينة خلال الأيام الأخيرة. تطورت تفاعلات هذه الحادثة وتحولت الى مادة اعلامية ساهمت في  مزيد تغذية “التجاذبات” السياسية، خاصة بعد تداول بيان منسوب للمكتب المحلي لهذه الحركة (تبرأت منه القيادة المركزية للحرك)، فيه “مطالبة” صريحة بهدم جانب من هذا المعلم الاثري و الحضاري الهام.
 
لكن الزاوية السياسية، لا يمكن ان تكون قادرة على التطرق للحادثة من كل جوانبها، رغم ان الاعتداء على الاثار قد شكل نقطة التقاء بين كل الانظمة السياسية التي تعاقبت على تونس منذ عقود و خاصة منذ الاستقلال الى المرحلة الحالية. و هنا يمكن ان نتساءل عن اسباب ” الاستخفاف ” بالآثار في المجتمع التونسي و دلالاته على “الشخصية القاعدية التونسية”.
 
يبدو المجتمع التونسي حاليا بوصفه مجتمعا فاقدا للمعالم مقارنة بثراء الحضارات التي تعاقبت على ارض تونس و هو ما يغذي للأسف نزعتين اساسيتين و هما رفض التراكم و “الترحال الذهني و النفسي” . ذلك ان كل التاريخ التونسي يعاش بوصفه تاريخ “قطيعة و نفي ” بين العهود و الحقب و هو ما “يبرر” الى حد كبير انتهاك كل مرحلة للتي سبقتها في جميع المستويات بما في ذلك استهداف “معالمها” و ” صروحها” و “رموزها” .
 
يخلق هذا الوضع حالة من “اضطراب الوعي ” بالزمن مع ما يخلقه من تبني بعض اشكال “تبخيس الذات ” او تضخيمها بطريقة غير علمية و يتم استهداف مراحل برمتها من الماضي. و من بين مظاهر اضطراب “الوعي الجماعي” التونسي تمحوره بطريقة مبالغ فيها حول “دخول الاسلام كحدث “تأسيسي” يتم تهميش كل المراحل التي سبقته بوصفها “مراحل ما قبل الحضارة” و هذه النزعة اللاواعية هي التي تغذي المواقف المعلنة للإسلام السياسي التي لم تتخلص من النظر لكل ما سبق الاسلام بوصفه “جاهلية ” يتعين “التطهر ” منها .
 
ضمن هذا العقل الذي يقيس الحاضر بالغائب لا يوجد اختلاف ذي بال بين “اوثان الجاهلية” و الاثار التي تركتها الحضارات الاخرى . و الخيط الدقيق في مستوى التمثل و السلوك موجود بين ما تعرضت له المعالم في في افغانستان و سوريا و العراق وتونس . و هناك عامل اخر في هذا المستوى و يتمثل في ان “العولمة في شكلها الحالي كمسار لفرض “الامركة” هي محاولة لفرض “اللقاطة ” على “العراقة” و من بين اليات هذه المحاولة استهداف الاثار التي تمثل مصدر شعور بالعراقة و عاملا من عوامل توازن الشخصية الجماعية .
 
يكشف “استهداف ” الاثار ايضا ازمة في “تمثل الفضاء” اذ تغيب الرؤية العمرانية بمعناها العميق منذ عقود و هو ما ادى الى “فوضى عمرانية ” تعمقت في السنوات الاخيرة بحالة “الاشباع الطفولي” لرغبات “الجماهير” و لغض النظر عن تجاوزتها التي “نالت احرف نبلها” بان تحولت الى مكون من مكونات الخطاب السياسي المنتشي بانه يجعل الشعب يحقق ما يريد .
 
مما يغذي نزعة استهداف التراث و الاثار حالة “البداوة الذهنية المزدوجة ” التي تعاني منها “الشخصية القاعدية التونسية”  فالعلاقة بين الريف و المدينة كانت اشكالية  متأزمة منذ قرون و هو ما يجعل من استهداف “الاثار” شكلا من اشكال انتقام البداوة من التمدن. و نضيف الى ذلك “النزوح ” بوصفه امتدادا للبداوة و غياب اطر انتماء تستوعب الذين اختاروا الهجرة الداخلية و تنامي نزعة “المجهولية ” التي تنفي مسؤولية الفرد امام المجموعة .
 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP