الجديد

الحوار الوطني  .. بين “مماطلة الرئيس” و “حسابات النهضة” .. الى متى ؟

منذر بالضيافي

بعد استقبال الرئيس قيس سعيد هذا الأسبوع للأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، عاد الحديث من جديد عن “الحوار الوطني” ، كألية  للخروج من الأزمة الشاملة والمعقدة، التي تعيشها تونس، والتي أصبحت تنذر بالذهاب نحو سيناريوهات مخيفة، في ظل انهيار اقتصادي في تزامن مع فشل كبير في ادارة “معركة الكوفيد”، برز من خلال ارتفاع صادم لعدد الوفيات، وتأخر التلاقيح التي تعد الحل الوحيد لعودة النشاط، وبالتالي التسريع بتجاوز مزيد التراجع الاقتصادي.

وهنا لابد من الاشارة، الى أن أصل الأزمة في تونس سياسي بامتياز، حتى وان حاول الفاعلين السياسيين التخفي وراء اشكالات قانونية ودستورية، من مثل التنازع أو الصراع حول الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية ( رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة)، في “تقية سياسية” أصبحت مكشوفة بل أنها كشفت نوايا أصحابها، خاصة  رئيس الجمهورية، الذي لم يعد خاف أنه يرفض “التعايش”، مع الدستور الحالي ومع المنظومة السياسية المنبثقة عنه.

ولعل هذا ما يفسر مماطلة القصر في التعاطي مع كل الدعوات للحوار، وخاصة مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يبدو أنه أصبح في وضعية محرجة جدا، من جراء عدم جدية الرئيس سعيد في التفاعل مع مقترحه للحوار، و مبادرته التي تعود الى أكثر من خمسة أشهر.

ما جعل الأمين العام للمنظمة الشغيلة يلوح بالذهاب الى “خطة ب”، التي فهم منها فتح الحوار بعيدا عن قصر قرطاج وساكنه، وهو ما دعا له ايضا عدد من قيادات حركة “النهضة”، كحل لتجاوز “تعطيل الحوار”، خصوصا وأنهم ( النهضة والائتلاف الحاكم) يرون أن الرئيس تحول الى “قوة تعطيل”، وأن الحل لابد أن يأتي من بقية القوى الوطنية، من أحزاب ومنظمات وطنية ونخب وطنية.

في بيان القصر الأخير، بعد اللقاء مع الأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، تم التطرق كما ذكرنا للحوار لتجاوز الأزمة، لكن مع التأكيد على “شروط” قديمة وغامضة ولا تعجل بالذهاب للحوار في بلد لم تعد أوضاعه تسمح بالمزيد من تضييع الوقت في تحديد ماهية الحوار ومن يشارك فيه.

هذا ما جعل الكثيرين يرون أن ما ورد في بيان القصر الأخير  لا يخرج عن منهج “المماطلة” التي سلكها القصر تجاه كل الدعوات للحوار، ليعمق بذلك أزمة الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويفتح الباب واسعا لتمدد الأزمة، التي ستساهم في مزيد ارباك وتعطيل مؤسسات الدولة، ودفع الأوضاع نحو المزيد من الفشل، في ما يشبه توجه من الرئاسة للاستثمار في هذا “التعفين” للأوضاع، على وهم أنه سيكون مستفيدا منه في صراعه مع خصومه حول السلطة، وهو في تقديري “مقامرة” غير محمودة العواقب.

لكن، وبعيدا عن الاتهامات التي توجه للرئيس، فانه لابد من توفير كل شروط وممهدات النجاح لأي حوار، وأن لا تكون غايته مجرد اعادة التموقع في السلطة، على غرار الحوارات السابقة، خاصة التي حصلت خلال عهدة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي ( قرطاج 1 و 2)، والمعني مباشرة بهذا “الاتهام”  اساسا حركة “النهضة”، التي ترى في الحوار “مناورة” لإعادة توزيع السلطة، مع الابقاء عليها هي كطرف اساسي وحجر زاوية في الحكم.

ولعل الممارسة السياسية للنهضويين داخل البرلمان وفي علاقة بحكومة المشيشي تؤكد مثل هذا القول، اذ أن مصلحة “الجماعة” تأتي دائما مقدمة على مصلحة البلاد، وذلك عبر التمسك بحماية مواقعها في الحكم وأجهزة الدولة، التي أصبحت ملاذ للاحتماء بها بعد تراجع شعبيتها وتحميلها مسؤولية الفشل، الذي آلت اليه البلاد بعد 10 سنوات كانت و ما تزال “النهضة” حاضرة بقوة فيها ، في الحكم وفي ادارة الدولة.

كما ان على حركة النهضة أن تدرك جيدا أن الدعوة للحوار والتشديد عليها، كسبيل وحيد للخروج من المأزق السياسي الحالي، لا يجب أن تتحول الى مجرد شعار للاستهلاك الاعلامي والسياسي، بل لابد من توفير المناخات المناسبة لذلك ، ولعل أولها “الهدنة الاعلامية والفايسبوكية” و ايقاف “حرب التسريبات” الصادرة عن جهات قريبة من النهضة، ما ساهم في مزيد ترذيل الحياة السياسية، وفي “المس” برموز الدولة وتحديدا رئيس الجمهورية.

وفي ظل هذا “العبث” في ادارة الشأن العام، و أمام حالة الانهيار والتفكك التي أصبحت عليها البلاد، فان القوى الوطنية مطالبة بالتحرك لتوفير الشروط الدنيا لحوار وطني، يخرج البلاد من أزماتها قبل أن يسقط السقف على الجميع.

لابد من التذكير على أن كل حوار منتظر يجب أن يراعي مصلحة الدولة والتونسيين في المقام الأول، وأن لا يكون استجابة لمزاج شخص او حزب، فالمطلوب اليوم الابقاء على الاستقرار الحكومي سواء من خلال الابقاء على الحكومة الحالية مع ادخال تعديلات عليها أو بالتسريع بتشكيل حكومة انقاذ وطني تتكون من كفاءات سياسية، حكومة يحدد لها سقف زمني وخارطة طريق واضحة، تكون عناوينها الرئيسية، محاربة الكوفيد، بداية الشروع في انقاذ الوضع الاقتصادي والقيام بالإصلاحات الضرورية لذلك، وتجنيب المجتمع والدولة مخاطر الانحلال والتفكك، والتركيز أيضا على اعداد البلاد لانتخابات مبكرة، بوصفها الخيار الأمثل للقطع مع الأزمة السياسية.

كما أن حماية المكتسبات التي تحققت خلال العشر سنوات الاخيرة ، تعد أيضا من الأولويات التي لا يجب الاستهانة بها، ما يحتم  الاستمرار في حماية مسار الانتقال الديموقراطي، على علاته ، من خلال اعادة الثقة في المسار وتخليصه مما علق به وجعل الناس “تكفر بالديمقراطية”، بسبب شيوع الفساد وتوجيه الديمقراطية  لصالح فئة او جماعة لا لصالح بناء دولة القانون والتوزيع العادل للثروة.

ولا يجب أيضا التغافل عن التحرك وبسرعة لترميم صورة تونس في الخارج، عبر تفعيل دبلوماسية ناجعة وبراغماتية، تكون فيها مصلحة بلادنا اولا، ديبلوماسية نشطة و متجاوبة و متفاعلة  مع التحولات الجارية في المنطقة  وفي العالم، وقادرة على استشراف مصلحة ومكانة بلادنا في عالم جديد في طور التشكل، عالم ما بعد الكورونا ، حينها فقط نكون قادرين على تحويل الازمة الى فرصة، وهذا ممكن شريطة تفعيل المصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي والانصراف للمستقبل.

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP