الجديد

الحياة على حافّة الموت (معنى أن نحيا في زمن كورونا)  

د. علي العمري*         

عاش النّاس في أصقاع المعمورة وباء ”كوفيد 19 “ المعروف باسم ”كورونا“ الجديد أو المستجدّ، باعتباره شرّا محضا يحدق بحياتهم وحياة المحيطين بهم. توقّفت الحياة في أيّام معدودة، وأصبح العالم جُزرا معزولة، وتقطّعت السّبل بكثيرين، ولم يَسْلَمْ، من لم يعش في المحجر، من العزل الطّوعيّ أو الاضطراريّ. وفي ظرف وجيز للغاية تهاوت الموازنات المقرّرة، وألغيت مشاريع وخُطط، وباتت الاقتصادات الوطنيّة والعالميّة اقتصادات حرب بالمعنى الحرفيّ للعبارة، وخُصّص جزء هامّ منها للقضاء على الفيروس الّذي بات يقضّ مضجع الجميع، والحدّ من تأثيراته السلبيّة. وبين ليلة وضحاها بات كورونا هاجس الجميع أفرادا وجماعات ودولا ومنظّمات دوليّة، ولم يكن بالإمكان تلافي حالة الذّعر الّتي انتشرت في أرجاء المعمورة.

واللاّفت هو أنّ الكثيرين عاشوا الوباء دون أن يكونوا قادرين على ”التّفكير“ فيه أو التّعامل معه بوصفه تجربة يمكن ”عقلَنَتُها“ وتدبّر الأسئلة الّتي تثيرها. لقد فاجأ الفيروس القاتل أكثر من كانوا متهيّئين لوجستيا وعلميّا وتقنيّا وماليّا للتصدّي له بنجاعة وبالسّرعة المطلوبة، كأوروبّا والولايات المتّحدة والصّين، ومازال بعضهم يتمرّغون في وحله إلى يومنا هذا دون أن يتمكّنوا من الانتصار عليه على الرّغم من الموازنات الضّخمة، ومراكز البحث العلميّ، والمخابر، والجامعات، ناهيك عن البلدان النّامية والأقلّ نموّا. وتدريجيّا تحوّل فيروس ”كوفيد 19“ إلى كابوس كونيّ أسهمت وسائل الإعلام في إذكاء ناره فبات  يلقي بوطأته على الجميع حتّى أولئك الّذين لم يطرق بيوتهم بعد.

وفي الوقت الّذي كان فيه الأطبّاء والممرّضون والعلماء والباحثون في مجال الأوبئة والجرثوميّات يقفون في مواجهة الخطر الدّاهم، لم يكن من الممكن نتيجة ضغط معطيات الواقع، التّفكير الهادئ في الوباء، فقد كان من التّرف، وخصوصا في اللّحظات الأولى من انتشاره، محاولة إقناع الجمهور الواسع بضرورة ”تفكّر“ الفيروس أو ”التّفلسف“ حوله. ولا شكّ أنّ انتشار الهلع بين النّاس وازدياد خوفهم من الجائحة حال دون محاولة ”تعقّل“ الوباء وفهمه لتنسيب خطره.

صحيح أنّ كورونا ارتقى إلى مستوى الكابوس الصحيّ، ولكنّه مثّل، على الرّغم من ذلك، تجربة إنسانيّة عميقة. لقد كانت درسا فكريّا وفلسفيّا، أعاد، ولو جزئيّا، ترتيب علاقتنا بذواتنا وبالآخر وبالوجود من حولنا، وحفزنا على التّفكير في ”وضعنا“ في الكون، وذلك من خلال الأسئلة غير المتوقّعة الّتي أثارها. ولم تكن تلك الأسئلة أقل ّ قسوة من الأثر الّذي خلّفه في حياة النّاس، فكما طحن أرواحا كثيرة وخرّب اقتصادات وكان وراء غلق آلاف المدارس والمصانع، وتعليق أنشطة رياضيّة وثقافيّة ودينيّة، وضعنا في مواجهة أسئلة منسيّة ألقى بها الفكر التّقنيّ المعولم إلى النّسيان وبقيت حبيسة الفكر الفلسفيّ والجماليّ.

ولعلّ أهمّ تلك الأسئلة هو سؤال معنى الحياة، فقد عَصَفَ وَعْيُنَا ”المباغتُ“ بأنّنا كائناتٌ هَالِكَةٌ (mortels)، بعلاقتنا التّقليديّة بالحياة والموت. فكورونا إذ حوّل الموتَ من حدث ”استثنائيّ“ يُعايَش على نطاق ضيّق (فرديّ/ عائليّ) أو واسع جزئيّا (في الحروب والزّلازل مثلا)، ولا يَكْسِرُ سيلان الحياة، إلى حدث ”شموليّ“ يتهدّدنا جميعا بلا استثناء: أغنياء وفقراء، أصحّاء ومعتلّين، نساء ورجالا، كَشَفَ هشاشتنا الأصليّة في مواجهة الموت وانكسارنا أمام سلطة الزّمن، فغيّر علاقتنا بالموت. فالموت لم يعد ”هناك“ بعيدا عنّا، بل إنّه هنا أمام أنوفنا يتربّص بحياتنا. لقد حوّل كورونا الموت من مفهوم مجرّد إلى ”واقعة ماديّة“ رسّخت معالمها الإحصائيّات اليوميّة والتّحيين الدّوريّ لعدد الإصابات والوفايات. وبات الموتُ، مع تزايد أعداد الضّحايا ”واحدا منّا“ يسكن عالمنا ويتجوّل في شوارعنا وأزقّتنا ويطرق علينا أبواب بيوتنا. وتحوّل الخوف حينئذ إلى بحث عن صيغ للتّعايش مع الزّائر الثّقيل الّذي حمل معه روائح سوداء قاتلة.

جعلنا الموت نكتشف جوهريّة الحياة فجأة، فبضدّها تعرف الأشياء كما يقال. وأدّى ذلك إلى التّحرّر النّسبيّ من ثنائيّة حياة/ موت، فالموتُ، كما يشير إلى ذلك الفيلسوف الفرنسيّ ”أندري كونت سبونفيل“ (André Comte-Sponville)، جزءٌ من الحياة، وَوَعْيُنا المتزايد لكوننا فَانِين/ هالكين، سيجعلنا ندرك جوهريّة الحياة ونمعن في عشقها، لأنّنا نراها من خلال مرآة هشاشتنا، ولعلّ ذلك التّحرّر هو الّذي جعل من صوت الحياة يتعالى وسط النّحيب والدّموع.

فبمجرّد الإفاقة من صدمة الهجوم المباغت للموت في الصّين، ثمّ بعد ذلك في بلدان أخرى، قَبِلَ النّاس، على الأرجح، فكرةَ كَوْنِ الموت جزءا من الحياة، فتعالوا على جراحهم، وواجهوا العبث بالاحتفال بالحياة. وفي الوقت الّذي كان فيه رجال الدّين يتخبّطون في وحل الوباء عاجزين عن القيام بأيّ دور في خدمة النّاس وتقديم العون لهم في محنتهم، وغير قادرين على تقديم أيّ بلسم للخائفين: بما فيه البلسم الرّوحي، وهم الّذين طالما أوهموا جمهور المؤمنين بأنّ الخلاص والشّفاء بيدهم، مكتفين بإطلاق الأدعية على نحو جعل الكثيرين يتساءلون عن جدوى الدّين إذا لم يُدَاوِ جراحَ الحَيَارَى في زمنٍ كزمن الوباء، وأمام حاجة العلماء إلى وقت طويل نسبيّا لتطوير لقاحات أو أدوية تمكّن من القضاء على الوباء أو الحدّ من خطورته، كانت الشّعوب تدرك تدريجيّا أن لا مناص من ”التّعايش“ مع الحقائق الجديدة الّتي فرضها كورونا وفي مقدّمتها حقيقة أننّا فَانُون، وأنّ أفضل طريقة لمواجهة الموت هي الاحتفال بالحياة. فعوّضت الشّرفات المسارح ودور العرض والأوبرا، ورأينا النّاس يتبادلون الأنخاب ويغنّون ويرقصون فيما قلوبهم دامية، ويطلقون التّحيّات للفرق الطبيّة، وكانت تلك طريقتهم في مقاومة الوباء. ولا بدّ من الانتباه هنا إلى جوهريّة الفنّ في فلسفة مقاومة ”كوفيد 19“، بل يمكن القول إنّ الفنّ كان ظهير الأطبّاء والكادر الصحّي في معركتهم ضدّ الوباء. لقد كان الفنّ حقّا بلسما يشفي الجراح وعزاءً للأرواح الّتي حطّمها فراق الأحبّة والأصدقاء والأقارب. وفي مرحلة تالية رأينا الجمهور يكسر حاجز الخوف ويتحدّي الحجر الصحّي، ولم يكن ذلك لامبالاة بخطر الوباء بقدر ما كان بحثا عن لقمة العيش تغذّيها غريزة الحياة وحبّ البقاء (كما رأينا في بلاد كثيرة)، أو طلبا للذّة الحياة والتّرويح عن النّفس كما رأينا في كاليفورنيا وفلوريدا (أين هبّ النّاس إلى الشّواطئ للاستجمام). لقد كان ذلك لونا من ألوان مقارعة سلطة الموت بالإقبال على الحياة.

وفي غمار الوعي الجديد، تساقطت الجدران من حول النّاس وتراجعت الأحقاد، وعلى الرّغم من استغلال القوى الكبرى الفيروس لتحقيق مكاسب سياسيّة واقتصاديّة بشكل زاد صراعات المحاور قوّة وأفقدها كلّ أخلاقيّة، فإنّ وحش الموت وحّد البشر، والمأساة قرّبت بعضهم إلى بعض، ولن يكون من السّهل نسيان موجات التّعاطف العالميّ المتزايدة مع إيطاليا عندما كان مئات الإيطاليّين يسقطون كلّ يوم، حتّى باتت أغنية ”بيلا شاو“ (Bella ciao) تتردّد في أركان المعمورة وعلى صفحات التواصل الاجتماعيّ، تضامنا مع الشّعب الإيطاليّ في مواجهة العدوّ الّذي لم يكن الفاشيّة وحليفتها النّازيّة هذه المرّة.

لقد ولّدَ وعيُنا لهشاشتنا الوجوديّة ككائنات تندفع نحو الموت وهي تعيش الحياة، نوعا من الالتباس/ التشوّش في أذهاننا: مزيجا غريبا من الخوف واللاّمبالاة، الحرص والعبث، الخشية من الموت والإقبال على الحياة، اليأس والأمل. على أنّ أكثر الأفكار رسوخا في الأذهان كانت فكرة الوعي بأنّ هذه الهشاشة لا تعدو أن تكون جزءا من حكمة الطّبيعة، فهي لا تخرج عن هشاشة الكائنات الأخرى الّتي تشاركنا الإقامة في الكون: حبّات الرّمل في العواصف، والشّجيرات في الطّوفان، والعصافير الصّغيرة الّتي يقتلها العطش في أغسطس. إنّ الوباء جزء من حكمة الطّبيعة المحكومة بمنطق التّلاشي والتبخّر والتّبدّد. فوجود البدايات يقتضي النّهايات. والموت مآل الحياة ولعلّه جزء منها. نتبخّر أو نتلاشى أو نغيب في الطّبيعة مثلما خلقنا منها لنندرج في دورتها الّتي لا تنتهي شأنُنا شأن الأشجار والأنهار والحشرات الصّغيرة الّتي قد لا تهبها الطّبيعة أكثر من ساعات أو أيّام لتقوم بدورها ثمّ تفنى. إنّها هشاشة الطّبيعة الحكيمة العادلة.

*كاتب و باحث تونسي

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP