الجديد

الدولة الرهينة .. استبداد الفضيلة

المهدي عبد الجواد

ظلت مسألة السلطة والصراعات حولها، ونزعات الهيمنة عليها محور النشاط البشري منذ القدم. وهي مدار كل انواع التنازع الفكري والمادي. ووراء هذا الصراع تتخفى شبكة المصالح المادية، فتظهر حينا وتثوى أحيانا كثيرة. إذ يعمد المتنافسون على “المصالح” عادة الى “تغليفها” بأسيجة رومانسية تحجبها، فترتفع شعارات العدالة والحرية ومبادئ الحق والفضيلة والنزاهة … فتكون ك”الشرك/الشبك” تلتقط عموم الجماهير المنجذبة الى تلك “الطهورية”. لكن، سرعان ما تنكشف كل “نزعات الهيمنة” بمجرد ممارسة السلطة.

قيس سعيد… الفاضل “المستبد”

لم يخرج قيس سعيد من صورة الاستاذ الكلاسيكية، حامي “الحقيقة” و المدافع على “الفضائل”، يرى في كل ما يخالف تصوراته، مروقا على “الحق” وانحرافا وزيغا. وهو ينخرط بذلك ضمن “صورة المدرسة” بما هي اكثر المؤسسات محافظة وخوفا من التغيير ورفضا للإصلاح والمغامرة.

وبعض “شعبية” قيس سعيد تعود إلى ذلك، إذ يجد فيه التونسيون ملجأ، يذكرهم بالمعلم الذي يحترمونه ويحفظون له تقديرا وتقديسا، وهو ايضا علامة على تلك “القيم” التي تدهورت في لحظة متدهورة. .

لكن الرئيس منذ صار رئيسا، ولئن حافظ على “شكلانيته” كاستاذ يقدم دروسا “عامة/سطحية” في كل شيء، فإنه اظهر قصورا مزدوجا. قصور معرفي وثقافي حقيقي، فالسعيد الرئيس لا يتجاوز اطلاعه على التراث الحضاري والفقهي والكلامي العربي الاسلامي بعض “نوادر التاريخ” وفواكه القصص والسرديات المدرسية، وبدا ذلك خاصة في كل ما تعلق بعمليات التأويل التي تتناول مسائل فقهية في علاقة بحقوق الانسان والحقوق الفردية والمساواة في الميراث وحتى من جهة “شواهد” الكلم وطرائق التراسل والورق والخطوط.

 الرئيس .. رغبات الهيمنة

وبدا قصور الرئيس ايضا في تمثل طبيعة الدولة الديمقراطية القائمة على “توازن المؤسسات”، فالدولة ليست دولة الحق بل دولة القانون، والقانون يخضع للتأويل الذي قال عنه الرئيس من الشعانبي “بعض تأويلات الدستور أخطر على الدولة من الإرهاب”،  رئيس الدولة يناقض نفسه أذ أكد “على حماية الدولة التونسية من كل الانقسامات،” ولكنه يعمل في ذات اللحظة على الهيمنة عليها، كأني به يروم توحيدها تحت سلطته الفردية دون سواها لذلك يقول “وعلى القوات المسلحة عسكرية كانت أو أمنية أن تبقى كلها تحت قيادة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة”.

ويواصل الاستاذ/الرئيس درسه النموذجي الرومانسي الذي يخفي تلك الرغبة في توجيه صراع الهيمنة، ليصبح صراع فهم وقراءات، فيشىر الى ” أن الأخطار التي تهدد الدول ليست العمليات الإرهابية التي تقوم بها مجموعات أو من يتخفى وراءها بل إن الخطر الحقيقي هو تقسيم الدولة ومحاولة ضربها من الداخل تحت تأويلات لنصّ دستوري أو نصّ قانوني ظاهره تأويل وباطنه لا يقلّ إرهابا عمن يتحصنون بالجبال ومن يحرّكهم بين الحين والآخر”.

ويدس قيس سعيد السم في الدسم، فليس من باب العبث تكرار ” من يتخفى وراءها ( الجماعات الإرهابية) و “من يحركهم بين الحين والآخر)” جمل “كليشيهات شكسبيرية” تفضح نوايا رفض الحوار والتواصل مع الآخرين.

ولكل ذلك يلجأ رئيس الدولة لاخفاء هذه النزعة التي يرفض فيها الايمان بالمؤسسات ولا بنتائج الانتخابات ولا بالاحزاب خلف القانون مذكرا بأن ” لا أحد فوق القانون، وسيلقى كل من يتجاوزه جزاء القانون وجزاء الشعب وجزاء التاريخ”.

وشدّد رئيس الدولة على “أنه اختار يوم عيد الشغل العالمي الذي وافق يوم التاسع عشر من رمضان لزيارة جبل الشعانبي للتأكيد على أن النهج الذي اختاره هو نهج الشعب التونسي لصنع تاريخ جديد بعيدا عن الحسابات التي يتم ترتيبها كل يوم، فتونس وشعبها ليسا لقمة سائغة في وقت الإفطار أو في سائر شهور السنة”. هذا “الادب الصغير” لم يرق لمنزلة “الادب الكبير” يجعل من الرئيس مشروعا غامضا لمستبد يبني مشروعه على “الفضيلة” وهو أمر سبقه اليه كل المستبدين في التاريخ البشري.

الرئيس .. و بداية العزلة

اليوم يبدو ان الرئيس بدأ يفقد الكثير من “هوامش” الحركة. فنجاح البرلمان في تمرير قراءة معززة لمشروع المحكمة الدستورية، يجعله ليس في صراع مع رئيس البرلمان او حركة النهضة وحلفائها فقط، بل مع مؤسسة شرعية لا تقل عنه مشروعية.

كما ان عزلته التي كشفتها صورته وهو يصلي وحيدا في الخلاء والعراء ليس معه غير عمود من حجارة جرداء تنهض مقابل نجاح رئيس الحكومة في حشد تحالف دولي لاسناد الدولة التونسية في اكثر لحظاتها تأزما.

كما  تحول مكتب رئيس البرلمان الى “محجة للسفراء” يعلنون فيها تمسكهم بدعم التجربة الديمقراطية ومسارها الانتقالي الذي أعلن سعيد نهايته.

ومثلما يدعي الرئيس الدفاع على الفضيلة والدولة، فإن رئيس الحكومة ورئيس البرلمان وغيرهما من الفاعلين يدافعون بدورهم على فضائل ( هم) وعلى تصور (اتهم ) للدولة.

وفي هذا الصراع التأويلي  نحتاج اليوم الى “احكام” تسيير هذه الصراعات التي لا يمكن إدارتها بغير الوسائل الديمقراطية السلمية.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP