الجديد

الطبقة الوسطى صمّام أمان مهدد في تونس

أسامة رمضاني

في مقال لجريدة “النهار” اللبنانية كشف الاعلامي اسامة رمضاني عن مخاطر انهيار الطبقة الوسطى في تونس مشيرا الى أن “الطبقة الوسطى صمّام أمان مهدد في تونس”.

في ما يلي نص المقال

تكتشف تونس  هذه الأيام مجدداً أنها خسرت جانباً كبيراً من طبقتها الوسطى منذ عام 2010 وأن جائحة كورونا سوف تزيد هذه الطبقة انحساراً.
ليس هناك عموماً تعريف دقيق للطبقة الوسطى، ولكنّ هناك إجماعاً على أنها الشريحة المجتمعية التي تقع من حيث مداخيلها بين الطبقة الميسورة (وهي التي تقدر على الإنفاق على الحاجيات كما على الكماليات) والطبقة الفقيرة التي تخصص كل مواردها – عندما تكون لها موارد – لتلبية حاجياتها الحياتية الأساسية.
ويختصر المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية (تابع لرئاسة الجمهورية) تعريف الطبقة الوسطى بالقول إنها “مجموع السكان المنتمين إلى الجزء الأوسط من السلم الاجتماعي”.
لكن الطبقة الوسطى تتميز إلى جانب مستوى دخلها بنمط استهلاكها والنشاط المهني لرب الأسرة فيها والمستوى التعليمي لأفرادها. وهي تضم عادة الموظفين في الرتب العليا والمتوسطة ممن أتموا على الأقل الثانوية العامة.
آخر تقديرات المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية تتحدث عن انكماش الطبقة الوسطى من 70 في المئة عام 2010 إلى 55 في المئة عام 2015. ويرى خبراء آخرون أن التراجع كان وسيكون أكبر بفعل تفاقم البطالة وتوسع هامش الفقر خصوصاً بعد جائحة كورونا.
ولم تصدر أرقام رسمية جديدة عن نسبة الفقر منذ خمسة أعوام، ولكنّ دراسة أجرتها هذا العام منظمة دولية بمشاركة دوائر حكومية (ونشرت نتائجها في شهر حزيران/يونيو الماضي) توقعت ارتفاع نسبة الفقر من 15.2 في المئة إلى 19 في المئة  هذا العام، مما يعني نزول قرابة نصف مليون شخص جديد إلى ما تحت عتبة الفقر في تونس.
الدراسة ذاتها توقعت تفاقم مشكلة البطالة هذا العام من حوالى 15 في المئة إلى 21 في المئة في نهاية العام، وقدّرتها حالياً بـ 18 في المئة.
وقد زاد في انكماش الطبقة الوسطى اهتراء القدرة الشرائية للمواطن نتيجة ارتفاع الأسعار، مما خفّض من مستوى الادخار وجعل الكثيرين يقترضون من أجل أغراض استهلاكية محضة.
وساهم عامل آخر خفيّ في تدهور مستوى معيشة الطبقة الوسطى، هو تخفيض الدولة من موازنات التعليم والخدمات الاجتماعية والصحية في إطار إجراءات فرضها الغياب التدريجي للموارد اللازمة. ودفع ذلك أفراد الأسر المنتمية الى لطبقة الوسطى للبحث عن هذه الخدمات في القطاع الخاص رغم كلفتها المرتفعة مما تسبب لها في نفقات أرهقت كاهل البعض وعجز عنها الكثيرون.
تآكل الطبقة الوسطى إضافة الى كونه مؤشراً لتدهور الأوضاع الاقتصادية، هو أيضاً في حد ذاته جرس إنذار بخصوص احتمال ازدياد التحديات المحتملة في مجتمع ترى بعدُ أغلبية الرأي العام فيه أن البلاد تسير على سكة خاطئة.
ويخشى أن يؤدي ضمور الطبقة الوسطى إلى زعزعة الاستقرار في بلاد تعاني من عدم استقرار الحكومات وتواجه باستمرار خطر الإرهاب واحتمال حدوث تداعيات من جوار ليبي ملتهب.
ومع تقلص حجمها وتفتت نقاط قوتها، تصبح الطبقة الوسطى غير قادرة أن تلعب دورها كإحدى ركائز الاستقرار والتماسك الاجتماعي. فبوصفها أكبر شريحة متجانسة في المجتمع بإمكانها نظرياً أن تجنب المجتمع الاستقطاب الحاد بين الفقراء والأثرياء، كما هي أحد محركات النمو الاقتصادي بفضل مساهمتها في خلق المشاريع وتحفيز الاستهلاك والادخار الداخلي. وهي شروط غير متوافرة الْيَوْمَ أمام الركود الاقتصادي المزمن.
ويضاف إلى ذلك، الهنات الكبيرة التي تميز أداء قطاع التربية والتعليم الذي يشكل شرطاً أساسياً لاستقرار الطبقة الوسطى بوصفه المصعد الاجتماعي الذي يحقق طموحات أبناء الأسر المنتمية لهذه الطبقة. هذا المصعد هو سبيل فتح أبواب المستقبل أمام الأجيال الجديدة من الكفاءات المتعلمة ولكنه في حالة فشله يصبح مصدراً لآلاف العاطلين من العمل والمحبطين.
وَلم تعد الطبقة الوسطى منذ سنوات تجد ضالتها في المدارس والجامعات العمومية والخاصة نظراً الى ارتفاع كلفتها أو تردي خدماتها. وَمِمَّا يعقّد الأمر أمام الأسر أن تونس تشهد منذ 2010، انقطاع 100 ألف تلميذ سنوياً عن المدارس والمعاهد.
وإزاء تزايد عدد هؤلاء المنقطعين عن التعليم وضيق أفق التشغيل والمشاريع الاقتصادية التقليدية أمامهم تزداد أنشطة التهريب والاقتصاد الموازي التي تحرم الدولة من مداخيل جبائية كبيرة وتساهم في نشوء شريحة انتهازية من الأثرياء الجدد الذين يقوّضون أسس المنافسة الشريفة ويحجبون الخيط الفاصل بين ما هو قانوني وغير قانوني. وهذه الأنشطة تخلق أيضاً ثقافة من التوحش الاجتماعي لا تسمح بالتأسيس لازدهار اقتصادي مستدام تنتفع منه الطبقة الوسطى وسائر مكونات المجتمع.
وبارتفاع البطالة تزداد أيضاً أنشطة الهجرة غير الشرعية للخارج والجريمة المنظمة. وكلها أنشطة تهتز نتيجة لها نوعية الحياة بالنسبة الى الطبقة الوسطى ويرتفع بسببها منسوب التوتر الاجتماعي. والمشكلة الأخطر هي أنه عندما تتآكل الطبقة الوسطى، تتآكل معها قيمها.  وهذا ما يشغل الكثيرين.
فقيم الطبقة الوسطى هي إلى حد كبير عامل هام ليس فقط نحو استقرار البلاد اجتماعياً وإنما أيضاً في نحت هويتها. وتتضمن القيم التي تشكل هذه الهوية والتي يفتخر بها معظم أفراد الشعب التونسي قيم الاعتدال والتسامح والانفتاح على الآخر ثقافياً وحضارياً. وغياب مثل هذه القيم من شأنه أن يشجع على استشراء الانغلاق والتّزمّت والتطرف بمختلف أشكاله.
وتقلّصُ حجم الطبقة الوسطى يعني أيضاً تبخر حلم أعداد كبيرة من الكوادر والمهنيين والموظفين في امتلاك مساكنهم وضمان تعليم جيد لأبنائهم وعيش لائق لأسرهم، مما يجعل هجرة الأدمغة والكفاءات تياراً جارفاً لا مرد له.
فشل السلطة القائمة خلال سنوات طويلة في تأمين مطالب الطبقة الوسطى أدى إلى تشظي العقد الاجتماعي الذي كان يربط هذه الطبقة بالدولة وهو عقد كان مبنياً على مقايضات سرعان ما تجاوزها الزمن. ولم يستطع السياسيون في السنوات العشر الأخيرة صياغة بديل لهذا العقد يضمن للطبقة الوسطى طموحها للرفاه والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في مناخ من الحرية والديموقراطية.
ومن باب المستحيل التنبؤ الْيَوْمَ بما قد ينتج من زيادة اهتزاز التوازنات المجتمعية وتآكل صِمّام الأمان الذي كانت تمثله الطبقة الوسطى.
ولكن تشكيل ملامح العقد الاجتماعي البديل لن يكون بالتأكيد ضمن أولويات الفاعلين السياسيين في المستقبل المنظور. وسيبقى الأمر كذلك ما دامت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة تفرض نفسها على الجميع كأولوية الأولويات وتحجب على أصحاب القرار آفاق التفكير في أي شيء آخر على المدى المتوسط والبعيد حتى وإن كان مصير الطبقة الوسطى.
لكن هذه الطبقة سوف تدافع بكل تأكيد عن مصالحها وليس من الوارد أن تصمت عن وضعها. ومن المحتمل أن تكون قضية الطبقة الوسطى أساساً قضية اتحاد العمال الذي سيجد في مئات الآلاف من الموظفين المتعلمين والمتسيّسين حشوداً كبيرة يستطيع تعبئتها في معاركه الاجتماعية و السياسية القادمة بعد أن اختار موقعه في مواجهة الإسلام السياسي وأنصار النيولبرالية الاقتصادية.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP