الجديد

العملية الإرهابية بمدينة رامبوويي الفرنسية: عياض بن عاشور يتهم حركة النهضة بتصدير الارهاب

           

شعبان العبيدي                                                                                                        

في حوار له صدر بمجلة “لوبوان” الفرنسية تحدّث أستاذ القانون العام والباحث في شؤون الحركات الدينية وعلاقتها بالانتقال الديمقراطي عياض بن عاشور عن العملية الإرهابية الأخيرة الّتي أودت بحياة شرطية فرنسية طعنا على يد إرهابيّ تونسيّ الجنسية مرّة أخرى، لتصبح الأطراف الإرهابية ذات الأصول التونسيّة وعملياتها المتكرّرة بفرنسا تطرح أكثر من سؤال.

هذا الإرهابي المسمّى جمال جورشين أصيل مدينة مساكن من ولاية سوسة، الذي يبلغ من العمر 36 عاما، والذي وصل إلى فرنسا بطريقة غير قانونية ضمن موجات الهجرة غير الشّرعية المتواصلة، وكان قد حصل على تصريح إقامته في ديسمبر 2020 ليعمل كسائق توصيل. وهو غير معروف لدى أجهزة المخابرات. ذهب إلى مركز شرطة رامبيوييه بمنطقة باريس على السّاعة 2,20 دقيقة ظهر يوم الجمعة ليطعن “ستيفاني م” ضابط إداري يبلغ من العمر 49 عاما في الحلق بسكينه طعنتين. لتتوفّى على الفور. وكان المجرم حسب شهادة شهود العيان يصرخ خلال عمليته الغادرة “اللّه أكبر” ليقتل بنيران الشرطة.                                                              وخلال عملية التحقيق والتحرّي عثر المحقّقون على أناشيد وهتافات إسلامية في هاتفه الخلوي.                       .

وتعتبر هذه المرّة الثانية في أقلّ من خمسة أشهر، الّتي يرتكب فيها تونسيّ هجوما إرهابيا على الأراضي الفرنسية، بعد عملية إبراهيم عويساوي في 29 أكتوبر 2020 والّذي دخل لتوّه الأراضي الفرنسية، ويعمد إلى ذبح ثلاثة أشخاص في “بازيليك” نيس. كما جاء الإرهابي محمد لحويج بوهليل من مدينة مساكن الرّجل الّذي قام بعملية دهش شنيعة لحشد من المواطنين بمدينة نيس في 14 يوليو 2016 أسفرت عن مقتل 86 شخصا.

وفي جوابه عن إمكانية وجود قناة جهادية تونسية تبرّر هذا التوجّه الإرهابي في تونس عبّر عياض بن عاشور عن أسفه لما حدث بصفته تونسيا، وكشف عن قلقه من هذه الموجة من التعصّب الّتي باتت تلاحق قطاعا من التّونسيين. مبيّنا أنّ هذا الهجوم لم يرتكبه شخص حديث الوصول بالبلاد الفرنسية بل شخص يقيم بها منذ 2009 ويبدو أنّه لم يواجه مشاكل هناك بدليل حصوله على أوراق الإقامة. ومعنى ذلك أنّ تجنيده تمّ في فرنسا.

وحول تفسيره لتطرّف هذا الأخير، أرجع ذلك إلى أثر وسائل التّواصل الاجتماعي أو ما سمّاها وسائل الإعلام المعادية للتّواصل الاجتماعي، وهي شبكات تنشر خطاب الكراهية والعنف. نجحت في غسل أدمغة هؤلاء الأفراد.

ولكّنه لم يحمّل المسؤولية لهذه الشبكات الإعلامية بل أشار في موقف خطير وجدير بالاهتمام إلى أنّ هناك بالإضافة إلى هذه الشبكات مشكل تونسيّ. وذكّر في هذا السياق بأنّه بعد اغتيال “سامويل باتي” أعلن بعض الإسلاميين التونسيين على مواقع التّواصل الاجتماعي، وحتّى داخل المجلس، أنّه لا ينبغي لأحد أن يهين الإسلام    وينشر الصّور المشيئة للرّسول. واعتبر هذه المواقف حسب قراءته تبريرا للعمل الإرهابي.

هذا إضافة إلى إهمال السلط التّونسية قضية مواجهة قضايا التطرّف والإرهاب. وعبّر في هذا السياق عن شجبه لسياسات الحكومة التّونسية المتساهلة في هذا المجال، وحمّل الترويكا والحكومة الائتلافية من 2011 إلى 2014 وعلى رأسها النّهضة المسؤولية الكبيرة. لأنّها رغم دقّ نواقيس الخطر من طرف الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني إلى وجود تدريبات في الجبال ردّ حينها وزير الدّاخلية على لعريض أنّها لم تكن إلاّ معسكرات رياضية. مثلما منعت السلطات الإسلامية حينها اعتقال الجهادي البارز أبو إياد زعيم جماعة أنصار الشريعة في مسجد الفتح بالعاصمة. ثمّ سرد سلسة التّواطؤ المتعدّد للسلطات التونسيّة في مواجهة الإرهاب كما ورد في كتاب مصطفى الحداد (تجنيد الشباب في الجهاد: المفارقة التونسية.)

وعن سبب تسميته حزب النّهضة بالاسم وتحميله المسؤولية، تمسّك عياض بن عاشور باتّهامه لهم، حتّى و إن لم يكونوا مرتبطين بتطوّر العنف والإرهاب في تونس بشكل مباشر وفي تصديره لبلادن الشرق، فإنّهم أبرموا اتّفاق مع مؤيّدي الرؤية الإسلامية المتطرفة من خلال الرموز الأصولية التي استدعوها إلى تونس لإلقاء الخطب و المحاضرات. ولكّنه لم ينف كذلك الدّور الذي لعبته السعودية في تصدير الإرهاب للدّول الغربية من خلال تساؤله: لكن أليس هذه هو الحال مع العديد من الدّول العربية، الحلفاء القدامى للمملكة العربية السعودية التي طالما صدّرت هذه الرّؤية الوهابيّة للإسلام؟ منتقدا سياسة الرّئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في دعمه لهذه الدّول، والّتي كان من خلالها يغدّي المصدر أو الخزّان الجهادي

أمّا عن سؤال أنّ تونس بقيت الاستثناء الوحيد في المحافظة على ربيعها. أجاب السيد عياض بن عاشور أنّه رغم الدّيمقراطية الوليدة التي تعرفها تونس، ورغم بعض إيجابياتها في مجال الفنّ والرياضة وغزو الفضاء، فإنّه لا يجب أن ننكر بعض الحقائق وهي أنّنا نحن التونسيين ضحايا سياسة التّواطؤ في مواجهة الإرهاب الّتي تسلكها السلطات التونسية. وحمّلهم مسؤولية هجرة العديد من الشباب المجنّدين في سوريا والعراق. وهو ما يعني أنّ هناك مشكلة سياسية تونسية.

وفي جوابه عن نأي حزب حركة النّهضة بنفسه رسميا عن الإسلام السياسي منذ 2016 أشار إلى أنّ جماعة النّهضة هم أبطال الخطاب المزدوج، ولهم مصلحة كبرى في إبعاد أنفسهم علنا عن الإرهاب الإسلامي. ولكن تواطؤهم كنت ندّدت به منذ عام 2011 بعد استيلائهم على السلطة حتّى الآن. وما زلنا لم نوضّح إلى اليوم نصيبهم من المسؤولية في اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في 2013 وقد تمّ حسب علمنا القيام بالمستحيل لتغطية مسار الحقيقة.

وإذا كان حزب حركة النهضة قد فاز في الانتخابات التشريعية عام 2019 بطريقة ديمقراطية وهو الحزب الأكثر شعبية حسب المحاور. فقد اعتبر عياض بن عاشور هذا الملام صحيحا في 2011 وأقلّ شفافية سنة 2014 وحتّى في انتخابات 2019 لأنّ الإسلاميين معادين للمجتمع التّونسيّ. وتصوّر أنّه لو أجريت انتخابات اليوم فإنّهم لن يحصلوا على الأغلبية. ونحن نشعر أنّ ناخبيهم بدؤوا يذوبون. هذا إضافة إلى أنّهم يواجهون اليوم صراعا حقيقيا مع رئيس الجمهورية، على الرّغم من عدم دستورية التّمشي الذي اتّبعه هذا الأخير في رفضه قبول أداء الوزراء لليمين بعد حصولهم على موافقة البرلمان، ورفض إصدار القوانين التي تمّ تمريرها. وهو يحظى بدعم قسم كبير من التّونسيين لغرض إقصاء الإسلاميين من السلطة.

وأمّا جوابه عن سؤال إن كان يؤمن بالإسلاموية المعتدلة، أكّد أنّه يؤمن بالمسلم المعتدل وليس بالإسلام السياسي المعتدل. مبرّرا ذلك بالوقوف على التناقض بين من يريد أن يجعل قضية الدّين تعلو على مسألة الدّولة والحقوق الإلهية على حقوق الإنسان. وهذا ما يمكن أن يؤديّ إلى العنف.

وفي ردّه عن سؤال مدى تفهّمه للجدل المثار في فرنسا حول الإسلاموية. اعتبر عياض بن عاشور أنّ فرنسا تجد نفسها محاصرة بمبدأ حرية التعبير. ودعا إلى ضرورة مراقبة متزايدة للمواقع الاجتماعية ذات التعليقات الفاضحة. هذا إضافة أنّه على المسلمين أن يدركوا أنّ هذه العمليات الإرهابية المتكرّرة ستنتهي بإثارة نوع من العنف المضادّ في فرنسا، وهي البلد الذي شهد ولادة منظمة الدّول الأمريكية خلال الحرب الجزائرية. ولكنّ هؤلاء المتعصّبون جهلة متبعين باليقينيات الخاصّة بهم، عاجزين عن التفكير العقلاني، وهو أنّه يمكن أن يكون هناك ردّ فعل شعبي فرنسيّ ضدّ المساجد والمسلمين المقيمين هناك. ولست أستبعد هذا الخطر.

وأمّا فيما يخصّ مدى اعتباره لقانون مكافحة الانفصالية إن كان هو الحلّ الأمثل؟ فقد بيّن بن عاشور أنّ من حقّ الديمقراطية الدّفاع عن نفسها. وإذا تساءلنا إن كان هذا القانون سيكون فعّالا أم لا؟ فإنّه إذا أصبح مبرّرا للاعتداء على حريّات المسلمين، وشعورهم بأنّهم باتوا مستهدفين، فإنّني بصفتي عضوا في لجنة حقوق الإنسان التّابعة للأمم المتّحدّة فأنا شديد الحساسية تجاه هذا القانون. ولذلك أعتقد من ناحيتي أنّ الطريقة الأكثر فعالية لمحاربة كلّ هذه الحركات الرّاديكالية هي العمل الثقافي والعلني والأخلاقي والدّيموغرافي من أجل ترسيخ قيم العلمانية وفصل السياسة عن الدّين في المجتمعات الإسلامية، والقطع مع ثقافة الدّين المدني. ويمكن هنا اتّباع سياسة أكثر دقّة وفاعلية من قانون الانفصالية.

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP