الجديد

المشهد التونسيّ .. أزمة تلدُ أخرى     

 

شعبان العبيدي

عندما نستجمع خيوط المشهد السياسي والثقافي والإعلامي في تونس خلال هذه المرحلة من تاريخ البلاد ومسار ما بعد الثورة نُصاب بخيبة أمل ويتملكنا نحن التونسيون الذين يراقبون ما يجري على الواقع وما يعيشونه أمام الفوضى الإدارية والسياسية والاقتصادية والانفلات التجاري من الرقابة ضرب من اليأس وسوداوية المستقبل القريب والبعيد.

فها نحن أمام حالة تفكّك شامل وطغيان حالة من الاعتباطية والتصرّف العشوائي في التعامل مع مظاهر الأزمة. هذا مع غلبة نزعة البحث عن تمثيل الأحزاب نفسها في الحكومات المتعاقبة بتقديم شخصيات لا تمتلك أحيانا أفكارا ولا تصوّرات أو تكون غريبة وبعيدة عن القطاع الذي تباشره فتصبح عبئا عليه وهذا مفاد قول “إدقار موران” الذي يصحّ على واقعنا الحكومي المسترسل ولو في جزء منه (إنّ الذين يمتلكون الأفكار لا يمتلكون السلطة والذين يمتلكون السلطة أحيانا ليست لديهم أفكار).

وأمّا الجانب الآخر المثير فيبرز أساسا في تعرّض كلّ صوت إعلامي صادق أو تدوينات ومقالات تحليلية ونقدية وأصحابها لأنواع شتّى من الهجوم والتشهير سعيا لإسكات هذه الأصوات واعتراضا على كشفها لحقائق المسؤولين من الأحزاب والمنظمات والأشخاص المساهمين في تعميق هذه الأزمة وإدامتها حتّى كأنهم يجرّون البلاد عن قصد إلى حافة الهاوية. ويمكن أن نلخّص مظاهر هذا التفكك الشامل في العناصر التالية:

-أزمة سياسية تعيشها الأحزاب نتيجة إصرارها على السير في مسار العمى الأيديولوجي وتصفية الحسابات العقائدية القديمة في سياق واقع جديد مجهد، وعجزها عن خلق ضرب من التواصل بين مختلف مكوّناتها والالتزام بمبدأ الديمقراطية التشاركية أو التشاورية لوضع برنامج إنقاذ وطني كان يمكن لو تمّ أن يجنّب البلاد ما آلت إليه.

وحين نقرأ اليوم عن خيبة أمل من الحياة السياسية لدى السياسيين من التيار وحركة الشعب من ذلك ما جاء على لسان الأمين العام لحركة الشعب من أنّ “المشهد السياسي بات مقزّزا” هذا إضافة إلى الاستقالات أو التلويح بمغادرة الحياة السياسية “محمد عبّو”، ندرك أنّ الأحزاب نفسها قد أرقتها المعارك الطاحنة الأيديولوجية لتفيق على حقيقة خداعها للشعب وتنكّرها لوعودها، فهي لم تأت لخدمة قضاياه بل جاءت لتحقّق غاياتها ومشاريعها وتحافظ على مكاسب نالتها بعد الثورة، وحين كتب عدنان منصر محملا حركة النهضة المسؤولية فيما آلت إليه البلاد من منطلق مسؤوليتها السياسية وأنّها لا يمكن أن تكون إلاّ حزبا تقليديا من المنظومة القديمة المعادي للثورة انهالت عليه اللّعنات.

-أزمة تحالفات وتقلّب في مواقف التيارات السياسية من بعضها يحكمها منطق “عدو عدوي صديقي” أو منطق “أعطيني نعطيك”. فمن تحالفات بين النهضة والنداء أو بين تيار ذي توجه ليبرالي ديمقراطي وبين توجّه يميني سلفي لم يدم كثيرا بعد انفكاك التحالف الأول تحت عنوان قوى الثورة بين النهضة والمؤتمر وانتهى بالطلاق المبين. تعود اليوم إلى الواجهة السياسية والبرلمانية تحالفات لا على أساس المصلحة الوطنية والخيارات الموضوعية بل على أساس الإقصاء والعداوة الأيديولوجية وتبيض الفساد والعنف نراه في المولود الجديد الأنبوبي بين قلب تونس والنهضة وائتلاف الكرامة الذي يقدّم رموزه أنفسهم على أنهم حرّاس معبد الثورة وفقهائها. ومقابل ذلك تحالفات خفيّة تضم حزب الدستور والأحزاب الصغرى من نفس العائلة وبقايا أعداء النهضة دون أن يعلن عن نفسه. وإذا نحن تساءلنا عن مشاريع هؤلاء لا نجد فيها إلاّ مزيدا من الإمعان في تشتيت المشهد السياسي وحقنه بمزيد من العنف والكراهية وتعطيل عمل مؤسسات الدولة.

هذه التوازنات الضعيفة والهشّة والمحكومة بمبادئ “تحت جلد الضأن قلب الأذؤب”. ورغم هذا الواقع المأسوي مازال اليوم أمام هذه الأحزاب السياسية فرصة لحماية الديمقراطية منهم أوّلا وممّا يتهدّدها ثانيا على مستوى وضع الدولة.

-أزمة منظمات المجتمع المدني التي خفت ظهورها، فلم نعد اليوم نسمع عن الرابطة إلاّ إذا تعلق الأمر بالدخول في صراعات سياسية مكشوفة ضدّ خصوم إيديولوجيين، بشكل تحولت معه الرابطة إلى حزب سياسي يحاول أن يقوم مقام الجبهة هذا ما غياب الحكماء من المناضلين والزعامات التي كانت تعتبر قيمة اعتبارية في خدمة قضايا المجتمع وبالمناسبة نسأل الشفاء للسيدة راضية النصراوي ونستحضر مواقفها عبرة لمن يريد أن يفهم حقيقة العمل المدني والوطني.

أما بالنسبة إلى اتّحاد الشغل فقد دخل هو الآخر بفضل مكتبه التنفيذي الحالي وبقيادة الطبوبي في سياسة الانقلابات التي أصبحت سمة في بلادنا سياسيا ودستوريا وقانونيا، وذلك بأن وضع نصب عينيه أمر تنقيح الفصل العشرين ضاربا عرض الحائط بكل الأصوات المناهضة لهذا التعديل وليس مناهضة للاتّحاد باعتباره منظمة وطنية وعمالية يعتزّ بها التونسيون. ويبدو أنه منذ أن بدأ التحضير لهذا الأمر بليل ومنذ صعود الطبوبي وجنوحه إلى خلق المعارك الخطابية مع الأحزاب والحكومة ضاعت قضايا العمال وغابت سياسة المصارحة والتوجيه الثقافي والعمل على ترسيخ مبادئ الحوار الوطني لجمع الفرقاء السياسيين المجهدين من حروب الكلام الطاحنة التي استنفدوا فيها كلّ بذاءة واستعارة قبيحة وملفات وسباب.

وكان من نتائج هذا الوضع الذي يعصف بالمنظمة أن أصبحت الاتحادات الجهوية والأساسية والمحلية تتصرف بكلّ حريّة وتجاوز للمركزية وهو ما ساهم في اشعال فتيل كثير من حركات الاحتجاج التي وإن كانت مشروعة فقد كان على الأمين العام إيجاد طريقة للتعامل معها ومع قضاياها                                                                              

ما يمكن أن نخرج به من خلال هذه الملاحظات التي تحاول أن ترصد تفشي مظاهر الضعــف والهوان هو اشتراك هذه الأطراف من الأعلى إلى الأسفل ومن القيادة إلى السلطة التنفيذية والتشــــريعية إلى المنظمات الاجتماعية هو الاشتراك في إنتاج الفشل وغياب المشاريع ومساعي الانقلاب على الدستور والقانون والإرادة الشعبية.  ونشير ختاما إلى أنّ المشكلة المركزية اليوم بالنسبة إلـــــى هذه الأطراف مجتمعة وعلى رأسها رئاسة الجمهورية هو الاتّجاه بكلّ جرأة ومراجعة للنفس إلى تغليب مصلحة البلاد والشعب على معاركهم الخاصّة والعمل على تحسين حياة الجماهير وحلّ المشاكل العالقة وذلك بتوفير البيئة السياسية الملائمة والرؤى الواقعية خاصّة ونحن نواجه عدوّا آخر اشتدّ أمره هذه الأيـــام وبات ينذر بمخاطر قد لا تقدر مؤسساتنا الطبيّة على مواجهته هو وباء كورونا، ذلـــك أنّ البيئة المناسبة بما فيها من عناصر هي شرط العمل السياسي والحكومي الناجح.

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP