الجديد

المهدي عبد الجواد يكتب عن: “قيس سعيد .. الخيبة الكبرى !”

المهدي عبد الجواد

تُسيطرُ على الكثير من التونسيين والتونسيات مشاعر مختلفة، تشترك في الإحساس بــ”غياب الرؤيا” الواضحة للمستقبل. فثمة شعور بــ “يُتم الدولة”، التي تَتَقادفُها أعاصير الأزمات وأهوال الأحداث دون رُبّان.

وإذا كان الموقف من رئيس مجلس النواب محكوما باعتبارات إيديولوجية بمعاداة جوهرية ومبدئية “للإخوان” و للإسلام السياسي، وإذا كان الموقف من رئيس الحكومة يخضع لاعتبارات حزبية ومصلحية، فإن الخيبة الكُبرى تتعاظم كلّ يوم في الرئيس قيس سعيّد، الذي لا يدّخرُ بدوره جهدا في تعميق هذه الخيبة.

لا يترك السيد الرئيس فُرصة يظهر فيها ليُبيّن للجميع، أنصاره قبل خصومه أنه في قطيعة تامة مع واقع التونسيين وأن لا شيء يُحرّك مشاعرَهُ “الباردة” سجينة “المؤامرات”.

تُسيطر على رئيس الجمهورية مجموعة من “الأوهام” تحوّلت في ذهنه الى حقائق ومرويات ثابتة. سرديات دأبت على الحضور في كل خطاباته. لذلك تنهض كلماته المُنتقاة بعناية من معجم المتضادات، بتعميق الفجوة بين عالمين. عالم الصالحين الأخيار الذين يقف سيادته على رأسه ومن ورائه التابعين والأصحاب والأنصار من أبناء الشعب الزاهدين في الدنيا. يُقابلُه عالم الأشرار والفاسدين المتآمرين على الصالحين وعلى دولة الصالحين.

تتكرّرُ العبارات الجوفاء نفسها لتُعيد تشكيل هذا الوهم السعيد لدى الرئيس سعيّد، “فالأوهام التي تُحيي خيرٌ من الحقائق التي تُميت”. ثمة مؤامرات دائمة. ومتآمرين لا ييأسون من المحاولات. وثمة مقاومة دائمة وإرادات صادقة.

يقول الرئيس قيس سعيد لدى لقائه الأخير برئيس الحكومة، والذي لا نعرف حقيقة لأي المُعسكرين ينتمي “محاولات الابتزاز ستتكسر على حائط الإرادة الوطنية الصادقة” ثم يُضيف “هناك محاولات لضرب الدولة التونسية في وجودها لضرب مرافقها العمومية وسنتصدى لها بأكثر مما يتصورون وبأكثر مما يحتملون” وهو كلام كرره أمس لدى استقباله مجموعة من النواب.

هذه السردية “الميثية” تسمح للرئيس بان يرتاح قليلا من مُعاناة واقع الناس ومن الاهتمام بتفاصيل حياتهم. إذ تضعُ هذه المرويّة قيس سعيد في فريق “المُصطفين” من الأخيار الذين دخلوا منذ العصور الميثية قبل حتى الدينية في معارك الخير ضد الشرّ، لذلك يتشبه بمن تمت صياغة صورهم في المخيال الجمعي. فتبدو “بغلة العراق” أهم من أرواح فتيات تونس اللواتي يتعثرن ويغرقن في بالوعات جمهورية “السعيد”.

لا يُواجه الرئيس سعيد مشاكلنا، ولا يهتم بقضايانا لان الأهم من ذلك هو كرسيّ الرئاسة. إذ يخشى أن يفقد كُرسيّه، وليس ذلك حرصا عليه بقدر ما هو حرص على الدولة والشعب. دولة الصالحين وشعب الأخيار، فهما مستهدفان بكل صنوف التآمر فــ “ليعلم الجميع ان كرسيّ الرئاسة ليس بالشاغر، محاولات الاستدراج الى مستنقعاتهم ستبوء بالفشل وسيعرفون كيف سيكون الفشل….لن نترك  الدولة التونسية لمراكز قوى تُحاول ان تنتظم داخل الدولة وتسير الدولة من خلال هذه المراكز التي تعمل على إنشائها…..الدولة التونسية واحدة والدولة التونسية ستستمرّ….ستواجه هؤلاء المجرمين الذين ارتموا في أحضان مجموعة من العصابات حتى بالخارج”

يطمئن الرئيس السعيد إلى هذا الوهم الجميل، ويغرقُ في اللغة المُتقعّرة، والحروف الفخمة. لكن اللغة فضّاحة بقدر ما تكتمُ. فتتكرّرُ في كلماته علامات “الرياسة” .. “أنا الرئيس” لتونس “رئيس واحدٌ” وكرسيّ “الرئيس ليس بشاغر”.

 

ولا يظهرُ الحزمُ إلا لمواجهة من يناوئ الرئيس ويُشاغله كُرسيّه ” هؤلاء سنتصدى لهم بكل قوة…..” وعندما يبلغُ العُنف أقصى طاقته، يعود خطاب المَسكَنة الهادئ، ليخلق من جديد أسطورة الرجل “الخيّر” ذي الفضيلة “وليعلموا بأنني سأتحمل المسؤولية بنفس الأمانة والصدق والإخلاص والثبات…نحن زاهدون في الدنيا ولكن لسنا بالزاهدين في دولتنا وفي شعبنا….”

نحنُ أمام حالة خطابية، ولسنا في وارد التعامل مع شؤون الدولة ومشاغل الشعب. ثمة قطيعة بين عوالم يُفترضُ ان تكون مُتحايثة ومُتداخلة. فرئيس الجمهورية في الدولة الحديثة ليس صورة لميكائيل ولا جبريل وليس “الخِضْرَ” الصالح ولا ظل الله في أرضه ولا صورته. ليس رئيسا للأخيار. إنه رئيس الأشرار أيضا. هو جُماعُ الإرادة الشعبية ورمز وحدتها وسيادتها، وفي هذه الإرادة، إرادات الشياطين والأشرار والمتآمرين بنفس درجة تمثيلية إرادة الطيبين والأخيار بل لعلها أكثر.

تعب التونسيون من هذه المرحلة وما فيها من مآسي وفواجع. وزاد تعبهُم من انقطاع ولاة أمورهم عنهم وعنها. برلمان في التيه ينعمُ. ورئيس في الخيال يغرقُ. ورئيس حكومة يزدادُ عزلة وتردّدا كل يوم.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP