الجديد

بعد سنة في القصر: الرئيس قيس سعيد في ميزان رجال القانون 

                                         

شعبان العبيدي                                                                                              

صدر لأستاذ العلوم السياسية والباحث في الإسلاميات والشؤون السّياسية حمّادي الرديسي بتاريخ الثالث من شهر سبتمبر لسنة 2020 مقال في موقع “بيزنس نيوز”، وحمل عنوانا مثيرا، بما أنّ العنوان عتبة كبرى توجّه عملية القراءة وتخلق بين النصّ والقارئ من إيماءته الأولى أفق انتظار لما سيرد تفصيله في المتن، وهو ” قيس سعيد الرئيس المخاتل” وجاء اختيارنا لهذه الترجمة عوضا عمّا يتّصل بها من مرادفات أخرى لأنّها تحمل أقلّ وطأة.

تلاه مقال في مجلّة “ليدرز – الفرنسي” مقال مطول لأستاذ  القانون عياض بن عاشور، وهما يخطوان في الاتّجاه نفسه. ( وكنّا قد نشرنا ترجمة لمقال بن عاشور ونشره ).

 

هذا النقد الذي يميّز المقالين، ويأتي بعد مرور سنة  من دخول الرئيس قيس سعيد إلى قصر قرطاج، ومباشرته مهامه، وما أثاره من خلال زياراته وتصريحاته ومواقفه السياسية والدبلوماسية من جدل، لا يأتي هذه المرّة من الطبقة السياسية ولا من الإعلام بل هو نقد يوجّهه إليه بعض زملائه منهم من استبشر خيرا لحظة انتخابه رئيسا للجمهورية.

فهل أنّ ما جاء في هذين المقالين هو نقد موضوعيّ يحاول أن يكشف أخطاء ساكن قرطاج في تسييره دواليب الدّولة وعدم إيفائه بوعوده والتزامه بمواقفه التي أعلنها خلال الحملة الانتخابية وهو خـــــــارج إكــــراهات الحكم أم هو من باب التهجّـــم والاستنقاص والانخراط في توجّه قوامه “شيطنة الرّئيس” قيس سعيد والتّحامل عليه كما يذهب إلى ذلك أنصاره الميــــــدانيون والافتراضيون الذين يرون فيه صورة الزّعيم الجديد في مرحلة انتهاء الزّعامات الوطنية وصعود نجم الزّعامات الشعبوية والحكم الشعبويّ.

نريد من خلال هذا المقال أن نستعرض ما جاء في مقال الأستاذ حمادي الرديسي ونقيّمه في ضوء المشهد السياسيّ من جهة، ثمّ نحاول أن نقارن بين المقالين لرجلين أكاديميين من نفس الحقل الأكاديمي والقانوني الذي جاء منه رئيس الجمهورية (الدراسات القانونية ).

1-المقدّمات:                                                                                                      

بدأ الأستاذ الرديسي مقاله بالعودة إلى مرحلة الانتخابات الرئاسية وما سبقها من حملة انتخابية، حيث بيّن الغموض الذي لفّ وصول الرئيس قيس سعيد إلى السّلطة. وتضارب المواقف منه. ففي الوقت الذي اعتبر قيس سعيد عند البعض رجلا غامضا مغامرا بعيدا عن عالم السياسة وألاعيبها، كان عند جمهور النّاخبين رمزا ومخلّصا، علّق عليه النّاخبون تحقيق الأحلام والآمال، ولذلك رأى الكاتب هذه الموجة التي صاحبت انتخابه منزلقا نحو إعادة إنتاج شخصية الزّعيم الشعبويّ الذي يتكلّم بلسان الشعب ويحمل شعاره “الشعب يريد”.

ثمّ وقف الكاتب عند خصائص الشخصية الشعبويّة وخصالها فجمعها في كراهية النّخب والعداء السّافر للهيئات والأحزاب والمنظمات المنتخبة وعدم الثقة في وسائل الإعلام وغلبة الشكّ الواسع النّطاق والهوس الدّائم بالمؤامرات. وبهذا تتحوّل هذه الشعبوية وهي في الحكم إلى نظام آخر يدور حول عبادة المنقذ والبحث الدّائم عن الأعداء وإثارة الجدل في كلّ شيء.

2-المآخذ:                                                                                                          

وبعد أن مهّد الكاتب لمقاله بتحديد السّياق الذي وقــع فيه انتخاب قيس سعيد رئيسا للجمهـــــــورية وتباين المواقف حوله وطبيعة الغموض الذي صحب فوزه بالانتخابات انتقل إلى مرحلة تقييم آدائه في الحكـــــم. فتتبّع جملة من السّقطات التي أتاها منها بدء تكليفه “المشيشي” رئيسا للحكومة وانقلابه عليه، ثمّ اجتماعه بالأحــــــــزاب ومحاولته دفعها نحو عـــدم منحه الثقة مع التزامه لها بعدم حلّ البرلمان في صورة عدم المصادقة على حكومة الكفاءات. ثمّ تأتي الحادثة الثالثة وهي كلمته في موكب أداء الحكــــــومة الجديدة اليمين الدستورية، بعد أن حظيت بثقة البرلمان، واعتبر أنّ قيس سعيد خرج في خطابه عن حدود اللياقة السياسية والديبلوماسية.

و كان من المفترض أن يكون خطابا لائقا مناسبا للمقـام والحدث، لا أن يتحــوّل إلى خطاب تهديد وتخوين و وعيد واقع تحت سلطة الانفعال والغضب غير المبـــــرّرين في تلك اللّحظة التي كان ينتظر فيها التونسيون خطابا جامعا مطمئنا، يدفع نحو تجميع أجنحة السّلطة لإخراج البــلاد من النفق المظلم الذي باتت تنحدر إليه.

وأمّا الملامة الأخيرة القاسمة للظهر فهي كلمته في الاحتفــــال بعيــد المـــرأة وبحضور جمع من مختلف فئــات النساء التونسيات، اتبّع فيها أسلوبا قطعيا جـــازما في مســألة المساواة في الميراث حين قال بأنّ النصّ القرآني جاء قطعيا في مسألة الميــــــراث ولا مجــال للاجتهاد. واعتبر الكاتب هذه الطريقة صادمة للجميع، بقوله ” هذا ما يسميه الفلاسفة “بعدم الثقافة أو اللياقة”. مثلما آخذ الكاتب الرئيس على بيعه الأوهام للشعب والمتـــــاجرة بالأشياء التي يراها ويقرأها ويسمعها بلا كلل حول أخطاء الديمقراطية التمثيليّة وأخطاء الأحزاب السياسيّة وفســــاد النّخب وما شابه ذلك من مساوئ الحياة السياسية.

3-الاستنتاجات:                                                                                                       

بعد استقراء خطاب الرئيس ومواقفه من جملة مـــــــن القضايا التي منها ما هو خارج عن وظيفته منها وضع نفسه موضع المشرّع والمفتي، الذي يحكّم النّص القرآني في الدّستور كما يقول رجل القانون “عيــــــاض بن عاشور”، وصل إلى جملة من الاستنتاجات انتقل فيها من الخطاب إلى تحليــل الشخصية بعــد أن سقط القناع فاعتبره شخصية قائمة على التناقض تجمع بين الشيء وضدّه: بين الخوف والغصب وبيــن الحلم ونـــــزعة الطغيان وبين اليوتوبيا الاجتماعية التي تجمع الأفكار الشيوعية مع الكنيسة المسيحية.

انتهى الأستاذ الرديسي في ختام مقاله إلى اعتبار قيس سعيد رجلا مخادعا، تمكّن من خداع الشعب، وخــــداع منتخبيه. ثمّ توسّع في تجميع النّعوت والصفات باستحضار مخزونه الأدبي والفلسفي وطوّف بين متونها فشبّهه بالسفسطائي والدّيماغوجي والخطيب البليغ والدجّـــال في قـــــــــوله (ونتبيّن في النّهاية أنّه محتال، بمعنى أنّه شخص يخدع الآخـرين بشأن من هـو حقّا، ويجعلهم يصدّقــــــــون أشياء منافية للحقيقة. والمخادعة كما يرى الكاتب مؤهّل سياسيّ قديم قدم الفلسفة اليونانيّة. مع أنّ اليونانيين لا يحسبون المحتال من بين الشخصيات السياسيّة البغيضة الكبرى مثل السفسطائي أو الدّيماغوجـــــي أو الطّاغية).

وحلّل مظاهر الاحتيال والاضطراب في الشخصية وتناقضها بجملة من العلامات منها التشنّج وانتهاج نهج الخطباء في إبهار جمهور السّامعين بالتشدّق وتلفيق الخطاب أو الديماغـــــوجي الذي يُغري النّاس بالأقــوال والأفعال حتّى ينتخبوه. وانتهى إلى استخلاص جملة من صفاتــــــــه وخصوصياته منها ســـــــرعة الغضب والتحليق في عالم الأحلام والخوف والميول الاستبدادية في قوله (إنّ قيس سعيد مخـــادع، أي زعيم الخــدعة. على عكس الديماغوجي فإنّ المخادع لا يجامل حبّ الذّات لـــــدى الشّعــب ليضلّه.

فسعيد يخدع النّــــاس في رحلة سيرته الذّاتية المكوّنة من ثغرات وأنصاف حقائق، وترك أشياء تقال وأضاف أكثــــر منها، ومن بــاب الحياء لن أقول أكثر من ذلك). واعتبر في النّهاية أن قيس سعيد فشل في أن يكون قائدا للشّعب وزعيما رغم مضاعفة رفاقه من خطاب التّهديد بإنزال الملايين إلى الشّـــوارع، في باردو، في القصبة. وهــــو عنده ليس بشخصية طاغية بل يمارس طغيانه من خلال الغضب والخوف، وهو يتاجر بقضايا الشعب ويحلــم بالمدينة الفاضلة.

4-الرئيس بين نقد عياض بن عاشور ونقد حمادي الرّديسي:                                                

يتّفق الرّجلان وهما أكاديميان لهما بالرئيس علاقة ومعرفة في الاعتراض على جملة من الأخطاء التي باتت تهدّد الديمقراطية من جهة وأخرى فكرية خارجة عن مجاله، وخاصّة دخوله في قضايا مثيرة للجدل. مثلما ينبّهان إلى خطر طغيان النّزعة الشعبوية لديه وميله إلى الأحلام الطوباوية في تصوّره لمدينة فاضلة يحكمها بعيدة عن واقع البلاد. وأمّا الجانب الأخر فهو تهديده مع أتباعه الدّيمقراطية بما يحمله من تصوّر للحكم يذكّر بنظام الحكم الجماهيري القذافي وحكم الشيوعية الحالمة عند “اليمين السوفياتي”.

وهو من خلال هذا المسعى ومن خلال تهديد أتباعه بالثورة الجماهيرية والنّزول بالملايين إلى الشوارع يمهّد للنّظام الاستبدادي. وهذا ما يبرّر رفضه للنّخب والأحزاب والدّيمقراطية الانتخابيّة.

بل هو شأنه شأن الزّعماء الشعبويين الذين يرفضون الدّيمقراطية القائمة على أحزاب منظمة ومحدّدة في المجتمع. ويريد استبدالها بديمقراطية تمثيلية نابعة من الجماهير الشعبيّة. ممّا يمكنها عند الوصول إلى السّلطة من توظيف مؤسّسات الدّولة لصالح أولئك الذين يحكمون لأنّهم يمثلون الشّرعية، وحينها يميل هؤلاء كما تقول “ناديا أوربناتي” (عندما تصبح الشعبوية نظاما للحكم أي عندما تكتسب الأغلبية فإنّها تميل إلى تفسير الحريّات والحقوق والمؤسسات مثل أدوات لمن هم في السلطة).

أمّا إذا نظرنا إلى المقالين من حيث جوانب التباين والاختلاف فإنّنا نلاحظ ذلك على مستويين : أولهما على مستوى الأسلوب واللياقة كما ذكر الأستاذ حمادي الرّديسي، فنرى أنّ الأستاذ عياض بن عاشور نحا في مقاله منحى نقد بنّاء تقويمي، واعتمد أسلوبا موضوعيا التزم بأدبيّات النّقد السياسي والعلمي في حين جاء الأستاذ حمّادي الرديسي منقّعا بالتهكّم الجارح والاستعارات الثقافية المشبعة بالسّخريّة، بما أسنده للرئيس

من صفات ونعـــــوت خرجت عن حدود النّقد إلى الغوص في تحليل شخصية الرّجل واستقراء مزاجها. وهو برأينا تهكّم مبالغ فيه، وقد يكون موقفا ذاتيا لا يمكـــن فهمه إلاّ بطبيعة العلاقة بين الرّجلين التي قد يكون لها مبرّراتها في المرحلة التعليمية.

أمّا من حيث المضمون: فكلا الرّجلين يعيبان على رئيس الجمهورية انسياقه وراء شعارات شعبوية “الشعب يريد”. ويعتبران هذا ضربا من الخداع لأنّ هناك فرقا بين الشعار الذي رفعته جماهير الثورة وبين تنزيله إلى أرض الواقع بإكراهاته وحقائقه. إضافة إلى مؤاخذته على أسلوبه التواصلي وإثارته الجدل حول قضايا ما كان له أن يدلي فيها بدوله. فما كان على قيس سعيد أن يحوّل نفسه إلى مصدر للتشريع وحارسا للشّرعية في الوقت الذي يقرّ فيه برفضه للدّستور كما هو، وإعلان تمسّكه بضرورة تغيير الدستور ونظام الحكم كما يراه أو يحمله في مشروعه.

إلاّ أنّ بن عاشور قد فصّل عناصر الخلل ووضع إصبعه على أسباب الأزمة السياسية وأجملها في بعدها الدّستوري والسياسي الحزبي والرّئاسي. ونبّه إلى ضرورة الانتباه إلى خطر الانزلاق إلى الاستبداد من جديد. في حين حمّل  الرّديسي النّخب كذلك مسؤوليتها وأعتبر ضعفها سببا من أسباب تسرّب هذا الخطاب الشعبوي وانطلائه على مختلف فئات المجتمع في قوله (يا لها من خدعة حتّى أنّه كان هناك باحثون مستنيرون، مؤيدون حقيقيون للعمل النّضالي ليصدّقوه ويأخذوه على محمل الجدّ، ممّا يثبت أنّ المشكلة الحقيقيّة تكمن في ضعف النّخب وهشاشة الثقافة السياسيّة في هذا البلد، نقطا ضعف استغلّهما سعيّد لإنجاح حيلته).

5-خلاصـــــة:  

أردنا الوقوف عند هذين المقالين المثيرين لخروجهما عن طبيعة التّحاليل السياسية اليومية أولا وثانيا لأنّهما يصدران عن أكاديميين من رموز الفكر السياسي والقانوني. وثانيا لاتّجاههما بالنّقد إلى الرّئيس قيس سعيد باعتباره رئيسا للجمهورية وليس باعتباره شخصية أكاديمية، وهو ما يجعل هذا النّقد رسالة للرئاسة تقصد إلى التّنبيه والتّوجيه رغم ما شابها أحيانا من تجريح وتحامل.

لكنّنا نتساءل ونحن نتوجّه بالكلام إلى الأستاذين: أليست جماهير النّاخبين الّتي سُلبت منها حقوق الانتخاب والتّربية المواطنية والتثقيف الانتخابي والسياسي الذي كان من المفترض أن يكون رسالة محمولة على المثقفين والأكاديميين باعتبارهم مثقفين تقنيين لتوعيتها وترشيدها؟ أين هي النّخب من هذا الواقع الذي تمرّ به البلاد، هل ستكتفي بدور المنادي القابع في برجه العاجي والذي يتعامل مع الجماهير بمنطق الكبر؟ لماذا تجفّ أقلام أساتذتنا فلا تنظر إلى أضلاع الأزمة مجتمعة فلا هي تناولت بالنقد دور المنظمات الاجتماعية وأثرها في هذه العطالة العامة بالبلاد ولا هي نبّهت إلى مخاطر المزايدة السياسية التي سقطت فيها؟

أليست مشكلة البلاد اليوم قضية مشتركة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، بين المثقفين وبين الجماهير، بين الإعلام والشعب والسياسيين؟ ولماذا يقع التّركيز وتصويب سهام النّقد إلى رئيس الجمهورية ومحيطه رغم يقيننا بدور الرئاسة في أزمة البلاد الديبلوماسية وانحسار إشعاعها وغياب التّحرك الجادّ إقليميا ودوليّا من أجل توفير الدّعم للدّولة وتحريك اقتصادها إضافة إلى خيبة الأمل من عدم نجاح الرئيس في أن يكون رئيسا جامعا لمختلف الألوان والأطياف، جامعا بخطابه وحكمته.

بعيدا عن خطاب التّهديد والهوس بمنطق المؤامرات، أليست الأحزاب بالمثل تتلحّف بنفس الصفات من خداع وتلوّن لكسب أصوات النّاخبين؟ أليس الهوان في الإدارة واستشراء الارتشاء والمحسوبيّة وغياب العدالة والضمير واحترام الواجب أساسيات وشروط انعدمت وتلاشت منذ عقود قبل الثورة وبعدها؟ أليس كلّ هذا دليلا على أنّ الجميع اليوم في قلب رحى النّقد والمسؤولية.

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP