الجديد

بعد عودة الحديث عن الأزمة الخليجية .. هل كسبت دولة قطر المعركة ؟

منذر بالضيافي

برزت للسطح خلال الأيام الأخيرة، تصريحات يراد منها البحث عن “تسوية” لأزمة قطر مع محيطها الخليجي، صدرت اساسا من الرياض على لسان وزير خارجية المملكة، وقد ترافقت مع بداية السعي لتخفيف منسوب التوتر مع تركيا، الداعم الرئيسي لدولة قطر في أزمتها مع السعودية والامارات. وان كان من السابق لأوانه، الذهاب بأنه قد حصل بداية “اختراق” لإنهاء الأزمة الخليجية، وذلك بالنظر لتعقد الخلافات وكذلك لاستمرار الأسباب التي قامت عليها، ودفعت دول الجوار القطري، لفرض “حصار” شامل كان هدفه تركيع الامارة الصغيرة .  بعد ثلاثة سنوات ونصف تقريبا ( 5 جوان 2017) هل أن صمود دولة قطر يشير الى حسن ادارة الأزمة من قبل الدوحة؟

زرت قطر في أكتوبر 2017، أي بعد أربعة أشهر على بداية “الحصار” الذي فرضته السعودية والامارات والبحرين على الدوحة، حيث قضيت أربعة أيام في الدوحة ، منذ حطت قدماي بمطار “حمد الدولي”، لاحظت وقع الأزمة الخليجية في الحاضر كما لامست أيضا عمق تداعياتها في المستقبل، وهو ما أكدته سنوات الأزمة الثلاث، اذ أن منسوب التوتر والحرب الاعلامية لم يتوقف، بل أنه أخذ منعرجات تعمق القطيعة وتجعل من الصلح عملية معقدة وصعبة، وان كانت غير مستحيلة بحكم الروابط الثقافية والجغرافية والسوسيولوجية بين أقطار الخليج، وهي عوامل رئيسية برغم الشرخ الذي حصل، تجعل “المصالحة” واردة. لكن ما أريد التطرق اليه في هذه الورقة،  هو قدرة الامارة الصغيرة على الصمود واصرارها على عدم التنازل أو الخضوع.

لابد من التأكيد على عمق الشرخ الذي حصل بين قطر من جهة ودول الامارات والسعودية والبحرين ومصر من جهة ثانية، و الذي وصل  حد “فك الارتباط ” بين الطرفين، وكاد ينذر بالأسوأ خاصة بعيد اعلان الأزمة التي كان يمكن تتطور الى عملية عسكرية.

وان اختلفت التسميات حول ما حصل في جوان 2017، فهي “مقاطعة” بالنسبة للسعودية ومن معها، وهي “حصار” بالنسبة لقطر. وهو ما زادت الأيام والسنوات في النفخ فيه، وجعلته يكبر مثل كورة الثلج.

وقد تفطنت لذلك ورصدته منذ تلك الزيارة ( 5 أشهر بعد اندلاعها ) وأكدته السنوات التي تلت، فعلى الأرض تبينت حينها وقع ما حصل من خلال أول من التقيتهم من قطريين ومن أجانب على حد السواء، في المطار قبل الشارع والأسواق والساحات.

و تبين لي بالملاحظة  عمق التصدع في البيت الخليجي بكل وضوح خصوصا وأنني قد غادرت الدوحة أيام قليلة قبل اندلاع الأزمة، وبالتالي فان المقارنة بين ما قبل وما بعد الأزمة كانت واضحة في ذهني وأيضا في الواقع الخليجي الذي كان ماثلا جيدا أمام أعيني في مدينة الدوحة، فضلا على أن ما حصل – الأزمة وما نتج عنها من مقاطعة أو حصار – تبينت جيدا تأثيراته النفسية والمجتمعية والسياسية، خصوصا وأنني قمت بزيارة خليجية قبل أيام قليلة للمنطقة قبل بداية الأزمة، زيارة حملتني حينها لدولتي الامارات و قطر.

بدأ الحديث عن الأزمة الخليجية وتداعياتها، دقائق فقط بعد دخولي طائرة “الخطوط القطرية”، المتجهة من تونس إلى الدوحة، فبعد أن تبادلنا السلام والتحية، أنا ومرافقي، وهو شاب تونسي يشتغل في اليابان، واعتاد على السفر على متن “القطرية”، سألني إذا ما كانت هذه زيارتي الأولى لقطر، فأجبته بأنها الثانية لي في أقل من 6 أشهر، وأضفت قائلا: بأنني غادرت الدوحة – في زيارتي الأخيرة – وبعدها بشهر اندلعت الأزمة بين الدوحة وجيرانها (السعودية والإمارات والبحرين ومصر )، وهي وضعية مريحة ستمكنني من المقارنة بين ما قبل الأزمة وما بعدها.

لكن مرافقي، أراد أن يستبقني بالحديث عن الأوضاع الماثلة الآن، فأكد لي نقلا عن أصدقاء له مقيمين في الدوحة، بأنهم ومنذ إعلان الأزمة من قبل خصوم قطر (أجوارها )، بدأت تداعياتها النفسية ثم المادية تبرز، مضيفا أنه مع الأيام بدأ تأثير الأزمة يظهر، مشيرا هنا إلى الارتفاع الكبير في الأسعار، الذي عرفته جل البضائع وخاصة ذات الاستهلاك اليومي، وهو ما لامسته  بأم عيني وأنا أتجول في المحلات والفضاءات التجارية الكبرى خاصة، التي عوضت فيها البضاعة التركية البضاعة السعودية، إلى درجة أنه خيل لي أنني في “مول” باسطنبول.

في وقت قياسي فهمت أن السلطات القطرية تحركت بسرعة، وكأنها كانت تترقب ما حصل ومستعدة له، تحركت ووفرت البضائع الضرورية وحتى الكماليات، فقد تساقطت السلع و”المعونات” على الدوحة من كل حدب وصوب.

كما استمرت كل المشاريع الكبرى في الانجاز، خاصة التي هي في علاقة بكأس العالم 2022 لتبدوا الدوحة كما لو أنها ورشة أو حضيرة عمل كبيرة، وفق ما تبين لي من ملاحظة ومشاهدة مباشرة ودون مرافقين رسميين.

كل هذا أكد لي أن “الامارة الصغيرة” كانت مستعدة  لتجاوز “الصدمة” التي خلفها قرار دول “الحصار” (وفق قطر) أو دول “المقاطعة” (وفق السعودية والإمارات)، لكن بأعين المراقب والشاهد فان ما حصل يرتقي لمرتبة “الحصار” الذي ربما كان يراد منه الإرباك كمقدمة للاستسلام، وهذا ما لم يحصل والأزمة تمر عليها أكثر من ثلاث سنوات، بل العكس الذي حصل هو ليس الصمود فقط بل “الهجوم”، من خلال خاصة توظيف “القوة الناعمة” القطرية، ونعني هنا الاعلام واللوبيينغ.

استطاعت وسائل الاعلام القطرية، وخاصة شبكة الجزيرة كسب الرهان وتحولت الى منصة للهجوم على السعودية والامارات ومصر،  ولم يستطع الاعلام المقابل  – برغم الامكانيات الكبيرة –  التفوق عليها، نظرا لقوة الاعداد والمهنية لدي الاعلام القطري الذي كسب الجولة، لكنه خسر المصداقية مثله مثل الاعلام السعودي والاماراتي وأيضا المصري بطبيعة الحال.

في المحصلة، وبعد أكثر من ثلاثة تمكنت الدوحة من تجاوز “الصدمة”، سواء أكانت النفسية والمجتمعية أوكذلك السياسية والدبلوماسية، لتنتقل إلى وضعية شبيهة في الواقع ب “الهجوم” وإحراج الخصم وحتى المزايدة عليه.

عاينت ذلك على الأرض، أيام قليلة بعد بداية الأزمة، وكشاهد عيان أستطيع الجزم بأن قطر استطاعت تجاوز “الصدمة”، ثم كشفت  السنوات الثلاث ، عن قدرة قطرية “فائقة” في “التصرف في إدارة الأزمة”، ما جعل الأوضاع تقرب الى أن ترجح الكفة لصالح الدوحة، موظفة في ذلك كل ما يسمى بعناصر قوتها الناعمة في الإعلام والدبلوماسية والعلاقات العامة…

وهو ما يشير الى أن دول المحور المعارض لقطر قد بالغت في الثقة بقدراتها والتعويل على الموقف الأميركي والتهوين من قدرات قطر المتمثلة في قوة اعلامها و روابطها وعلاقاتها الدولية، مع الفاعلين من المؤثرين على صناعة القرار في أمريكا وأوروبا.

وبالتالي نرصد أن دول المقاطعة أساءت تقدير القوة القطرية بفضل استثماراتها الممتدة وفائض مالي مكنها من الصمود، وبهذا لا نجازف بالقول بأن رهان الدول المقاطعة لقطر قد أخفق، وأن الدوحة تجاوزت الى حد الان بسلام صدمة “الحصار”.. في انتظار جولات أخرى.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP