الجديد

بورقيبة و تأميم الاراضي الزراعية التونسية

ماجد البرهومي

كان يوم 12 ماي 1964 يوما فارقا في حياة الأمة التونسية، كيف لا و قد استرجع التونسيون أراضيهم الزراعية من خلال سن القانون عدد 5 لسنة 1964المؤرخ في 12 ماي 1964 والمتعلق بملكية الاراضي الفلاحية في تونس. لقد قام الزعيم الحبيب بورقيبة، الذي يصفه الإسلاميون بأنه عميل للغرب، بتأميم الأراضي الزراعية التونسية وافتكها من المعمرين الفرنسيين ساحبا البساط من تحت أرجل خصومه الذين كثيرا ما وصموه بالعمالة.

ختم بورقيبة قانون الإنتزاع هذا على ذات الطاولة التي أمضى عليها ملك البلاد الأسبق محمد الصادق باي مكرها على معاهدة الحماية بعد أن هجمت عليه الجيوش الفرنسية من الجزائر ومن البحر سنة 1881 و حاصرته في القصر السعيد بباردو. كما اختار بورقيبة تاريخا رمزيا لعمله الوطني هذا وهو يوم 12 ماي، أي ذكرى حلول “الحماية” الفرنسية بتونس، منهيا حقبة سوداء من تاريخ الخضراء ساعيا إلى محو آثارها ليس فقط من خلال عودة الحق في امتلاك الأراضي إلى أصحابه، بل أيضا من خلال كتابة تاريخ جديد تتحول فيها مواعيد الشؤم والخراب إلى ذكرى سنوية للفرح والشعور بالنخوة والقدرة على التغيير وانتزاع الحقوق.

أصبح هذا اليوم في تونس عيدا للفلاحين الذي يستذكر المرء من خلاله بأن تونس القديمة أو قرطاج هي من بين أمم العالم القديم التي سنت قواعد علمية للزراعة اقتبسها لاحقا الرومان ونشروها على امتداد امبراطوريتهم الشاسعة. ويعتبر ماجون القرطاجي عالم الجينات و الزراعة و صاحب المدونة الشهيرة التي تحمل إسمه و تنسب إليه، أبرز أعلام الحقبة القرطاجية في هذا المجال، حيث اشتهر هو ومدونته في العالم القديم و وصلت شهرته إلى عصر الحضارة الأندلسية.

أهم ما جاء في هذا القانون أنه ابتداء من صدوره لا يمكن أن يملك الأراضي الصالحة للفلاحة إلا الأفراد من ذوي الجنسية التونسية أو الشركات التعاضدية التي يقع تأسيسها طبقا لأحكام القانون عدد 19 لسنة 1963 المؤرخ في 4 محرم 1383 (27 ماي 1963). و يحجر تكوين أي شركة مهما كانت جنسية المتشاركين ومهما كانت الصيغة القانونية للشركة إذا كان الغرض من تكوين الشركة المذكورة تملك أو استثمار الأراضي الفلاحية وإلا يقع حجز الأرض لفائدة الدولة… ويستثني من هذا التحجير تكوين الشركات التعاضدية المنصوص عليها بالقانون المشار إليه عدد 19 لسنة 1963 المؤرخ في 4 محرم 1383 (27 ماي 1963) وفي صورة تكوين الشركة بالرغم مما تقدم فان عقد الشركة يكون باطلا بطلانا مطلقا ولا يمكن تسجيل العقد أو ترسيمه بإدارة الملكية العقارية.

كما تحال إلى الأملاك الخاصة للدولة جميع الأراضي الفلاحية التي لا تكون في احد الصنفين المبينين أعلاه و كذلك الحيوانات والآلات الفلاحية وبصورة عامة كل الأجهزة اللازمة لاستثمار الأراضي الفلاحية المذكورة ولتحويل إنتاجها. ويقع تسليم الأراضي الفلاحية المنصوص عليها على اثر إعلام المالك المعني بالأمر بقرار كاتب الدولة للفلاحة بشان تطبيق هذا القانون على الأراضي الفلاحية الراجعة للمالك المذكور ويقع هذا الإعلام إلى مقر إدارة الشركة بتونس العاصمة أو إلى مقر أهم ضيعة أو إلى مقر المالك.

و عن الجلاء الزراعي و سياسة المراحل  كتب أنيس العبيدي قائلا: ” حدثني أحد القضاة المتقاعدين والذين عايشوا تلك الفترة قال أنه لم ير في حياته مشهدا مثل المشهد الذي رآه للفرنسيين الذين كانوا بالآلاف يتركون الاراضي والضيعات التي قضوا عقودا مالكين لها بحسرة ومرارة كبيرين. غادر الفرنسيون دون حصول أي أزمة ديبلوماسية ودون تهور من الحكومة التونسية التي لو فرضنا جدلا أنها قامت بتأميم الاراضي الفلاحية غداة الاستقلال لتسبب ذلك في ازمات اقتصادية في بلد شعبه لازال غير قادر على بناء اقتصاد قوي قادر على الصمود لنقص الكفاءات والفقر المنتشر بين افراده”.

و في رؤية محايدة لعملية الجلاء الزراعي يقول الكاتب الألماني فيرنر روف في كتابه البورقيبية والسياسة الخارجية التونسية أنه “بعد أن بدت العلاقات الفرنسية التونسية في طور التناغم أعلن بورقيبة في خطاب يوم 12 ماي 1964 التأميم الفوري و الكامل لجميع العقارات على ملك الأجانب في تونس. و في نفس الوقت أصدر قانونا يقضي بتطبيق الإجراءات التي أعلن عنها في الخطاب، هذا القانون صار للتو نافذ المفعول لأن رئيس الدولة له صلاحيات تشريعية خارج الفترات العادية لجلسات البرلمان.

و بعبارات شديدة الحدة ندد بورقيبة بالإستعمار الزراعي لأنه أدى إلى السيطرة على البلاد و بذلك إلى تبدد السيادة التونسية… واستعرض عديد الحوادث التي جدت بين المعمرين الفرنسيين و تونسيين في الفترة ما بين 1934 و 1956. ثم ذكر هذه الحوادث بطريقة من شأنها أن تزيد نوعا ما في تأجج مظاهر الشحناء المتبقية لدى التونسيين إزاء الفرنسيين. لذلك قد تكون النبرة التي ألقى بها بورقيبة خطابه هي السبب جزئيا في تجاوزات السلطات التونسية لدى مصادرة الأملاك التي كانت بحوزة الأجانب. وفي مذكرة إلى الحكومة التونسية احتجت السفارة الفرنسية بتونس بشدة على مثل هذه المعاملة السيئة من قبل المصالح التونسية. (في المذكرة تم التعرض إلى عديد الحالات التي أجبر فيها معمرون فرنسيون على مغادرة منازلهم حالا دون أن يسمح لهم بأخذ أمتعتهم الشخصية معهم وفي بعض الحالات رفضت السلطات التونسية القيام بجرد لمحتويات المساكن).

لم يثر إصدار قانون 12 ماي 1964 استغرابا كبيرا في فرنسا وحدها بل يبدو أيضا أنه جاء مفاجئا بالنسبة إلى جزء من القيادة السياسية في تونس. وهو ما يبين أن العوامل السياسية الداخلية لم تكن مهمة بالنسبة إلى اتخاذ بورقيبة هذا القرار. لقد رفضت باريس التفاوض مع الحكومة التونسية، بعد خلق هذا الأمر الواقع، وأشارت إلى أن التصرف التونسي يشكل خرقا واضحا لاتفاقية 2 مارس 1963. كان رد فعل باريس على الإجراءات التونسية أن ألغت للتو المساعدة الإقتصادية الفرنسية لتونس وفي الوقت نفسه أعلنت فرنسا عن إمكانية وضع حد لكل الإعانات الأخرى”.

يقول الدكتور عمر الشاذلي في كتابه بورقيبة كما عرفته عن تأميم الأراضي الزراعية سنة 1964: “قرر بورقيبة إلغاء الإتفاق المصادق عليه سنة 1963 بين أحمد بن صالح كاتب الدولة للإقتصاد و المالية و فاليري جيسكار ديستان الوزير الفرنسي للمالية و الشؤون الإقتصادية، الرامي إلى الإسترجاع المرحلي لهذه الأراضي إلى التونسيين بأقساط سنوية في حدود عشرين بالمائة مقابل مقدار مالي يقع الإتفاق عليه بين البلدين حيث أن هذا التوزيع على امتداد خمس سنوات كان في تقديره طويلا جدا و أن البلاد لا يمكنها أن تتحمل انتظار مرور هذه المدة بكاملها لكي تنقذ اقتصادها. فاختار تاريخ ذكرى الحماية يوم 12 ماي ليؤمم كامل الأراضي الفلاحية، و هكذا تحولت في تاريخ 12 ماي 1964 أربعمائة ألف هكتار من الأراضي الخصبة إلى وحدات إنتاجية.

لما فوجئت فرنسا بهذا القرار الآحادي ردت الفعل فورا بإلغاء الإعانة المالية و تجميد المساعدة الفنية. فالعديد من المشاريع التي شرع فيها بعد أو هي رهن الإنطلاق تعرضت لصعوبات. و في مارس 1964 عندما كلفت شخصيا بانطلاقة كلية الطب بتونس اعتمدت على انتداب أساتذة في إطار التعاون الفني التونسي الفرنسي و لكن هذا التعاون تم إلغاؤه انتقاما من أجل تأميم الأراضي الفلاحية وأجبرت على ربط علاقات شخصية مع زملاء فرنسيين. و أقر أنهم استجابوا لمطلبي. و لكم إذا كان مشروع تأسيس كلية الطب استطاع أن يتواصل دون تضييق أو تأخير فإن مشاريع أخرى عانت تبعات قطع علاقاتنا مع فرنسا إثر مبادرة بورقيبة القوية تجاه الجنرال ديغول في 12 ماي 1964”. Haut du formulaire

برأيي المتواضع لا يقدم على تأميم الأراضي الزراعية التي كانت بيد المعمرين الفرنسيين، ويوقع على القانون المتعلق باسترجاع هذه الأراضي، أي قانون 12 ماي 1964 على ذات المنضدة التي أمضى عليها ملك تونس محمد الصادق باي معاهدة باردو المهينة سنة 1881 في خطوة رمزية، إلا مخلص غيور على وطنه و على كرامة شعبه. فتأميم هذه الأراضي ليس بالأمر الهين في ذلك الزمن وقد عاني منذ بضع سنوات رئيس الزيمبابوي “روبرت موغابي” الأمرين من المجتمع الدولي حين انتزع ملكية الأراضي من المعمرين البيض، فما بالك بزعيم يقدم هذا الصنيع خلال تلك الحقبة التي لازالت كثير من الأمم ترزح فيها تحت وطأة الإستعمار الأجنبي، ومازالت الإمبراطوريات الإستعمارية القديمة ومنها فرنسا في عنفوانها وتلوح بورقة العقوبات الإقتصادية.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP