الجديد

تونس اليوم .. كلّ شيء قابل للانفجار !

خديجة زروق

تستعدّ القوى السياسية والحزبية لعودة برلمانية وسياسية، تبدو ملفوفة بكل أشكال الغموض والمخاوف. فعلى المستوى المؤسساتي، نمضي سريعا نحو “فتور” بين رأسي السلطة التنفيذية، وبروز “قطب برلماني” يخطط للهيمنة على البرلمان ويلتف حول رئيسه راشد الغنوشي، ويضم ترويكا تتكون من “النهضة” و “ائتلاف الكرامة” و “قلب تونس”، تريد فرض توازن مع رئيس الجمهورية، ومحاولة “فك الارتباط” بينه وبين رئيس الحكومة، وهو ما لا يروق للقصر، الذي شرع في اعداد العدة لمواجه تحالف “الترويكا” البرلمانية، وتعمد اضعاف رئيس الحكومة وجعله في صورة التابع للقصر.

اقتصاديا ينهار الوضع أكثر فأكثر مما ستكون له عواقب اجتماعية مجهولة، ناهيك ان ثمة من يستثمر في الدفع نحو انفجار اجتماعي، يسمح للرئيس بالسيطرة التامة على الوضع. أما صحيا وو بائيا تستمر جائحة الكورونا في التمدد ، عبر ارتفاع مخيف لأعداد المصابين والضحايا ، وسط غياب كُلّي لأية خطة واضحة او استراتيجيا حكومية لمجابهة الوباء، علاوة على غياب تام للتواصل الضروري مع الشعب لطمأنته او تحذيره او حتى زجره.

في الجهة الأمنية،  يطلّ الإرهاب بين الفينة و الأخرى، مُذكّرا ان مناطق كبيرة من جغرافيا البلاد التونسية ما تزال تحت طائلة تهديد الإرهابيين، في أعالي جبال الشعانبي ومغيلة ومرتفعات الكاف وجندوبة وايضا في المدن ( حادثة أكودة منذ أيام).

الرؤساء الثلاث .. الطلاق

ليس من قبيل التنجيم الحديث على “قطيعة شخصية” بين رئيسي الجمهورية ومجلس نواب الشعب، عزّز ذلك التصريحات المُلمّحة حينا والغامزة أحيانا، ونعتقد أن ذلك طبيعي في وضع ديمقراطي سليم ومستقرّ مُسْتَكْمَلَ المؤسسات الدستورية، ويكفي أن نذكر كيف مزّقت رئيسة الكونغرس الديمقراطية خطاب ترامب لنعرف أن الأمر لا يؤثّر كثيرا على اشتغال مؤسسات الدولة الديمقراطية.

ومن الطبيعي أيضا ان لا يكون الودُّ حاضرا بين قيس سعيد وراشد الغنوشي فهما من عالمين مختلفين. راشد الغنوشي يحمل سيرة سياسية تتجاوز نصف قرن مع ما فيها من مواجهات ومناورات وسجون ومنافي في حين ان قيس سعيد شخصية “جديدة غريبة” و “مستجدة” على عوالم السياسة.

الأخطر في علاقة المؤسسات هو ما يجري بين رئيسي الجمهورية ورئيس الحكومة. فقد كان اللقاء التلفزي الأخير الذي بثت مصالح رئاسة الجمهورية مقاطع منه دلالة على ان في الأمر “إنّ”. لقد انتصب الرئيس أستاذا، يُلقّن هشام المشيشي دروس “النّبْل والنظافة” في صورة استهجنها حتى خصوم رئيس الحكومة. وهنا نلاحظ كما لو قيس سعيد يدفع بالأمور نحو الأسفل مواصلا حملته من اجل تدمير الدولة ومؤسساتها، في تطبيق هادئ لمشروعه “الهلامي” الرامي لتحطيم المؤسسات، واقامة “مشروعه” السياسي الغامض على أنقاذها، وهي مقامرة كبرى وغير مضمونة العواقب، وقد تدفع البلاد الى أتون المجهول.

وليس غريبا في هذه الوضعية ان نعيش المرحلة المقبلة طلاقا بائنا بين رأسي السلطة التنفيذية، بل ان هشام المشيشي ابن الإدارة التونسية و الدولة التونسية مُطالب ب “حماية” و “حراسة” منصب رئيس الحكومة من العبث، وبالتمسك بتطبيق الدستور من جهة صلاحياته.

فقد كانت تجربة الباجي/الشاهد علامة مهمة على ما يجب ان يكون. فعلى المستوى الشخصي يدين المشيشي بالعرفان لقيس سعيد، تماما مثل الشاهد للباجي، لكن سياسيا فان الأمر يتجاوز ذلك، لقد تمسك الشاهد بصلوحيات رئيس الحكومة حماية لها وللدولة وعلى المشيشي القيام بنفس الأمر.

اقتصاديا ..  الجمهوريات الجديدة

تُعاني تونس منذ مدّة حالة “عطالة اقتصادية” زادتها حدّة تأثيرات الكورونا ودفع بها نحو التأزم أكثر، قيام “جمهورية الكامور” الشقيقة في جنوب البلاد، و”جمهورية الحوض المنجمي”.

مقدمة مجازية قاتمة، لكنها ضحك كالبكاء، ونحن نرى الدولة تتهاوى، وهنا نتساءل عن موقف الرئيس قيس سعيد الذي استجارت به ثلاث شركات بترولية كبرى مهددة بمغادرة البلاد، دون ان يكون للأمر عنده صدى.

شباب الكامور يتفاوض مع الدولة التونسية ويرفضون مقترحاتها، وآلاف العملة والمهندسين مهددون بفقدان مواطن شغلهم، ناهيك على الآثار الكارثية المالية والطاقية على البلاد التونسية. علما وان ديون الشركة التونسية للأنشطة البترولية لدى المؤسسات العمومية تجاوزت الألف وسبعمائة مليار دينار(1.700.000 مليون دينار).

في نفس الوقت وصلت شحنات الفسسفاط المورّد لان دولة تونس السعيدة، عجزت على إعادة تدوير إنتاج الفسفاط في الحوض المنجمي وتزويد مصانع تكريره وتصنيعه في قابس وصفاقس والصخيرة، ما يشير الى أن تونس تتآكل أطرافها وينهار اقتصادها.

اجتماعيا .. هدوء الانفجار

التوتر السياسي و الأزمة الاقتصادية وانتشار وباء الكورونا وتعثر العودة المدرسية والجامعية، كلها أسباب لها تداعياتها الاجتماعية المؤكدة. فما يبدو اليوم تحركات احتجاجية معزولة قد يتحول قريبا إلى “حراك اجتماعي ” شامل.

واذا حصل في ظل انقسام سياسي حاد، فإنه لن يؤدي الا إلى فوضى قد لا نستطيع توقع نتائجها فضلا على التحكم فيها. وتُشير كل المؤشرات الى مرحلة اجتماعية حرجة ميزاتها ارتفاع معدلات البطالة والفقر مع ما سيتبعه من انهيار للمقدرة الشرائية، وسط توقف تام لكل المحركات الاقتصادية وقوى التنمية، علاوة على تهاوي قدرة المؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة.

ان تونس التي كانت سعيدة اقتصاديا واجتماعيا، متوترة سياسيا، صارت مريضة اليوم، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وسط عجز – الى حد الآن- عن معالجة هذه الأوضاع، بعث الكثير من الحيرة و الخوف والقلق لدي عموم التونسيين.

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP