الجديد

تونس تتراجع بــ51 مرتبة في مؤشر القدرة على تحقيق الازدهار

عماد بن عبدالله السديري

جاءت تونس في المركز 99 دوليا من أصل 167 دولة شملها التقرير الخاص بمؤشر الازدهار لعام 2020 الذي أصدره معهد “ليغاتوم” البريطاني منذ أيام قليلة في العاصمة البريطانية لندن. وقد تراجعت تونس بأربعة مراتب عما كانت عليه في العام 2019، حيث احتلت في نسخة العام الماضي من التقرير المرتبة 95 دوليا. وبتحليل الأداء العام لبلادنا خلال السنوات العشر الأخيرة يتبيّن أنها قد حققت تراجعا هائلا بحوالي 51 مرتبة، إذ تدحرجت من المرتبة 48 دوليا في العام 2010 إلى المرتبة 99 دوليا في العام 2020.

وقد شملت نسخة هذا العام من التقرير 167 دولة تم ترتيبها وتصنيفها بالاعتماد على 12 مؤشر رئيسي تخص الاقتصاد، وأسس النمو، والفرص الاقتصادية، وكفاءة القطاع المالى، وأوضاع المؤسسات، والعوائق التي تقف في وجه الابتكار، ومرونة سوق العمل، والحوكمة الفعالة، والديمقراطية والمشاركة السياسية، وسلطة القانون، إلى جانب جودة التعليم والصحة والأمن والحرية الفردية والحفاظ على البيئة.

على المستوى العربي جاءت تونس في المركز التاسع عربيا (والمرتبة 99 دوليا)، متأخرة بذلك على الإمارات (المرتبة 42 دوليا) وقطر (المرتبة 45 دوليا) ثم البحرين (المرتبة 56 دوليا)، فالكويت (المرتبة 58 دوليا)، وسلطنة عمان (المرتبة 66 دوليا) والسعودية (المرتبة 71 دوليا) والأردن (المرتبة 86 دوليا) والمغرب (المرتبة 96 دوليا). فيما تم تصنيف دول جنوب السودان واليمن والصومال والسودان وسوريا، من بين أسوأ عشر دول في العالم من حيث القدرة على تحقيق الازدهار.

وبالتعمق في تحليل البيانات الخاصة بتونس، يتبيّن أن قدرتها على تحقيق الازدهار قد تضررت وتراجعت كثيرا. بل لقد حققت بلادنا فيما يتعلق ببعض المؤشرات الأساسية لتي تعتبر أركانا يقوم عليها الازدهار نتائج تُصنّف ضمن الأسوأ من بين الــ167 دولة التي شملها التقرير. فقد احتلت المرتبة 163 فيما يخص رأس المال الاجتماعي (وهو مؤشر يقيس قوة العلاقات الشخصية والاجتماعية، والثقة في مؤسسات الدولة، والأعراف الاجتماعية، والمشاركة المدنية) والمرتبة 143 دوليا فيما يخص ركيزة البيئة الطبيعية (ويقيس هذا المؤشر الجوانب البيئية المادية التي لها تأثير مباشر على المواطنين في حياتهم اليومية والتغيرات التي قد تؤثر على ازدهار الأجيال القادمة) والمرتبة 125 دوليا فيما يخص ركيزة السلامة والأمن (وتقيس هذه الركيزة  مدى قدرة الحرب والنزاع والإرهاب والجريمة على زعزعة أمن الأفراد، سواء بشكل آني أو على المدى الطويل – من خلال آثارها) والمرتبة 103 دوليا فيما يخص جودة الاقتصاد (وتقيس هذه الركيزة مدى  جاهزية الاقتصاد لإنتاج الثروة بشكل مستدام مع ضمان المشاركة الكاملة للقوى العاملة) والمرتبة 101 دوليا فيما يخص أوضاع المؤسسات (وتقيس هذه الركيزة) مدى تمكين القوانين للمؤسسات من بعث المشاريع والمنافسة والتوسع).

كما حققت تونس أداءً ضعيفا فيما يتعلق بباقي المؤشرات الأخرى التي غطاها التقرير، حيث جاءت في المرتبة 99 دوليا والأولى عربيا فيما يخص مؤشر الحريات الشخصية، والمرتبة 95 دوليا فيما يخص مؤشري التعليم وبيئة الاستثمار، والمرتبة 94 دوليا فيما يخص الصحة، والمرتبة 90 دوليا فيما يخص النفاذ إلى السوق والبنية التحتية، والمرتبة 78 دوليا فيما يتعلق بالظروف المعيشية للمواطنين، والمرتبة 66 فيما يخص الحوكمة؛ وهي جميعها بحسب الإطار التقييمي الذي اعتمده مركز ليغاتوم في بريطانيا تعتبر مؤشرات ذات اتجاه سلبي.

وبشكل عام، يوثق التقرير وجود ثلاثة عراقيل كبرى تحرم الشعب التونسي من تحقيق الازدهار والرفاه وتحد من قدرته على بناء غد أفضل. فالمجتمع تونسي يصنّف ضمن فئة المجتمعات التي تمارس الإقصاء والتهميش بسبب عوامل كثيرة، لعل أبرزها رداءة العلاقات الاجتماعية وتدني مستويات الحوكمة وتفشي ظاهرة العنف. كما إن الاقتصاد التونسي يُصنف ضمن الاقتصادات المنغلقة إلى حد ما بسبب عوامل معرقلة كثيرة مثل رداءة بيئة الاستثمار وظروف عمل الشركات والقدرة على النفاذ إلى السوق وجودة البنية التحتية والأداء الضعيف لبلادنا فيما يتعلق بالاستدامة المالية واستقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي والإنتاجية والتنافسية. بالإضافة إلى ما سبق، فإن الشعب التونسي يُصنف كذلك ضمن فئة الشعوب غير المحفّزة والتي لا تتوفر لديها الظروف الملائمة لتحقيق النجاح والازدهار، وذلك بسبب تدني جودة التعليم التونسي والخدمات الصحية والظروف المعيشية والأوضاع البيئية في بلادنا.

في الختام، ما يمكن استنتاجه من خلال البيانات والتصنيفات ذات الأهمية البالغة التي وردت في نسخة العام 2020 من تقرير مؤشر الازدهار الصادر عن مركز ليغاتوم البريطاني أن الشعب التونسي قد خسر الكثير من قدراته وموارده التي تمثل ركائز وأركان أساسية لتحقيق الازدهار والرفاه، اجتماعيا كان أم اقتصاديا. وبطبيعة الحال فإن هذا التراجع في قدراتنا وإمكاناتنا الوطنية، مثلما له تداعيات وآثار مؤكدة على حاضرنا، فإن له حتما تداعيات وآثار سلبية كثيرة ومتنوّعة على مستقبلنا ومستقبل أبنائنا وبناتنا. وهي توقعات جادة وخطيرة قد وثقتها كذلك جهات دولية كثيرة في الفترة الأخيرة، وبخاصة تقارير وقواعد بيانات صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو مؤسستي فيتش وموديز للتصنيف الائتماني.  إلى جانب ذلك، فإن الأمر الأكثر خطورة وإزعاجا في التقرير تأكيده أن السنوات العشر الأخيرة لم تضر بالاقتصاد التونسي فحسب، بل لقد ضربت كذلك بشكل موجع المجتمع التونسي في عمقه وأحدثت فيه شروخا وانقسامات لن يكون من اليسير تجاوزها إن استمرت الأوضاع في بلادنا على حالها. وهي أمور إستراتيجية خطيرة، ولا بد من التعامل معها بالجدية اللازمة قبل فوات الأوان.

 

الرابط إلى التقرير: https://www.prosperity.com/

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP