الجديد

تونس كحالة نفسية!؟

خالد شوكات

عندما يحاول المهتم بالشأن التونسي قراءة نتائج سبر الأراء المتعلقة بالانتخابات القادمة، سيجد نفسه مضطرا الى الاعتماد على التحليل النفسي “الفرويدي” اكثر من اعتماده على التحليل الديالكتيكي الماركسي او الهيغلي، او التحليل الاجتماعي او الفلسفي او السياسي.. نحن اذا امام “حالة نفسية/مزاجية” بامتياز، ذلك ان التونسيين قد تحولوا الى “كائنات نفسية/سيكولوجية” منفلتة من كل عقال طبقي او فكري او عقلاني، مستسلمة لميولهم المزاجية في الكره والحبّ والرغبة في الانتقام من الاخر ومن الذات من خلال العملية الانتخابية والموقف السياسي.

ولهذا تجد ان شخصياتهم الأكثر شعبية هي شخصيات “عصابية” تتبنى خطابا منحرفا قوامه اللعب على مشاعر الجماهير المنحرفة بدورها، فالشخصيات العاقلة والحكيمة والمتوازنة عادت غالبا في نظر المواطنين شخصيات مملة لا تحقق لها “التنفيس” المطلوب، ولا تطربها او تشجيها، ذلك انها لا تطرب ولا تستمتع ولا تنتشي الا لمن يعمّق داخلها المشاعر السلبية والتحريض والحقد ضد “الفئة الضالة”،

وهكذا اصبحت كل عائلة سياسية سابقة مطيّة لتيار شعبوي/مزاجي، يضرب على الوتر الذي يناسب وضعها الجديد في انحرافه، حيث تتحول مقاربات الوطن والدين والتنمية ومكافحة الفساد والفقر والتطبيع، وحتى التنوير والتقدمية والحداثة والدستور من مصادر عقلانية للممارسة السياسية الى مصادر للتقسيم والفتنة الأهلية والاقتتال الداخلي واللطم والعويل والتهويل وما الى ذلك من ظواهر لا يقدر على تشخيصها او تأطيرها الا علم النفس وريما علم النفس الاجتماعي.

من يسمون انفسهم بخبراء الاتصال والتسويق السياسي، وهم غالبا نتاج هذه الاضطرابات النفسية التي ظهرت زمن التحولات الديمقراطية في مجتمعات عوملت كما لو انها استكملت ذات مسارات المجتمعات الغربية، الامريكية والاوروبية، عادوا ينصحون هم ايضا زبائنهم المصابين غالبا بداء “النرجسية المتورمة” بان يجدوا لهم “آلية نفسية” لكي تجد بضاعتهم رواجا في سوق الحقد والكراهية، فجميع من نجحوا فعلوا ذلك تقريبا، فبعضهم رأسماله كراهية “الخوانجية” وآخر رأسماله كراهية “الفاسدين” دون ان يحدد من هم على وجه الدقة، وثالث رأسماله كراهية الأزلام واعداء الثورة، ورابع رأسماله كراهية الجميع لانهم لا يعرفون شيئا مثلما يعرف هو ، وهكذا…

في المظاهرة الاخيرة التي كان يفترض ان تعبر عن هموم الفقراء والمحرومين ممن تضررت اوضاعهم المعيشية من السياسات النيوليبرالية كما يقول اشاوس اليسار، تحول الامر فجأة خلالها الى دعوات لتحرير استهلاك المخدرات ورفع التضييقات عن جماعات المثلية الجنسية والنسوية المتطرفة، وبدل ان يكون الحال اقرب الى صورة من الكونغو الديمقراطية او بنغلاديش أصبحنا امام صورة ليسار الكافيار وبقايا الاستعمار في فنلندا او كندا او بعض مدن الحكمدار، وهذا الانتقال من النقيض الى النقيض ليس غير تأكيد على هذه الحالة النفسية العصية، اين تصبح الخبزة و”الزطلة” توأمان، ويتحول العمل السياسي الى نوع من العبثية.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP