الجديد

حديث هادئ عن الرابطة العثمانية

خالد شوكات*

عاد من الصعب الحديث بهدوء عن أي موضوع سياسي، داخلي أو خارجي، ففي زمن الشعبوية لم يعد يسمع سوى الضجيج والصراخ ودوّي قذائف السباب والشتائم المتبادلة، وأضحى من قبيل المغامرة الإدلاء برأي، فالمناخ مهيأ لسماع الاتهامات لا الإنصات للآراء، خصوصا اذا ما كان الموضوع إشكاليا من قبيل موضوع العلاقات التونسية التركية، وهنا لا مناص عن الاستنجاد بصدر بيت ابو الطَّيِّب المتنبي القائل “الرأي قبل شجاعة الشجعان”، ولأن هذا الرأي سيستفز أولئك الذين ينسبون أنفسهم للتيار الدستوري البورقيبي، فلا مفرّ من استحضار بعض المواقف من سيرة الزعيمين المؤسسين، الشيخ عبد العزيز الثعالبي والرئيس الحبيب بورقيبة:

– أوّلاً:

أمّا بالنسبة للشيخ الثعالبي طيّب الله ثراه، فقل كان مواطناً عثمانيا مخلصا حتى ألغى كمال أتاتورك الخلافة سنة 1924، فقد كان أحد مؤسسي حركة الشباب التونسي الى جانب الأخوين باش حامبا، والحركة كما يعلم المؤرخون كانت عثمانية التوجه والهوى، كما تطوّع الشيخ للدفاع عن طرابلس في مواجهة الهجمة الايطالية تحت الراية العثمانية ودفاعا عن حوض الخلافة الاسلامية، وهذا أمر معروف أيضاً، وزار الآستانة في عديد المناسبات والتقى بكثير من الشخصيات العثمانية العربية والتركية، وقد ظل مبدأ الوحدة الاسلامية ثابتا من الثوابت الفكرية والسياسية للشيخ لم يتغير حتى وفاته سنة 1944، وهو ما تجلّى كثيرا سنوات منفاه وابان مساهمته الفعالة في تنظيم المؤتمر الاسلامي في القدس سنة 1931 بمعية الشيخ أمين الحسيني رحمه الله، فالشيخ عبد العزيز لم ينظر الى تأسيس حزب الدستور وللمرجعية الوطنية الاصلاحية التونسية الا كدعامة للرابطة الأسمى، الرابطة العربية الاسلامية.

– ثانيا:

أما بالنسبة للزعيم الحبيب بورقيبة مجدد الحركة الدستورية، وعلى الرغم من اعجابه بمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، الا انه كان اول زعيم ورئيس دولة أجنبية انتقد اتاتورك في عقر داره وفيّ قمة التعصب له خلال عقد الستينيات إبان زيارته لأنقرة، فأمام نوّاب البرلمان التركي قال بورقيبة ان اتاتورك قد يكون محقا في إلغائه السلطنة ولكنه لم يكن محقّا حين ألغى الخلافة، لان السلطنة ملك للاتراك اما الخلافة فملك لجميع المسلمين وهي رمز وحدتهم. وقد حرص الرئيس بورقيبة على بناء علاقات متينة مع الشقيقة تركيا، بلغت أوجها خلال عقد الثمانينيّات أيام رئيس الوزراء محمد مزالي.

إثر هذا التمهيد، من الضروري القول بأن “الحالة القطرية” التي تحوّلت الى “الطابع الوطني” لم تكن في نظر غالبية العرب والمسلمين الا حالة “ضرورة” فرضتها السياقات التاريخية، وان السعي الى الوحدة والاتحاد واجب والتزام باعتبارها شرطا لاستكمال الاستقلال، وهو ما عبر عنه الزعيم بورقيبة في اكثر من مناسبة. وبالعودة لموضوع العلاقات الثنائية التونسية التركية أود ايجاز الأمر في جملة من النقاط:

1-

ان التعاون بين الدولتين الشقيقتين ليس رهين تشابه الأنظمة السياسية القائمة في البلدين، او حتى التوافق في السياسات الخارجية للدولتين. هناك اختلافات في وجهات النظر بين تونس وتركيا تجاه عديد القضايا لعل أهمها القضية السورية، لكن هذا يجب ان لا يمنع العمل على تطوير المصالح المشتركة بين الطرفين، وهذا ما تفعله دول شقيقة أخرى كإيران التي تعتبر هي وتركيا على طرفي النقيض في الشأن السوري ولكنهما مع ذلك يعتبر كلّا منهما الشريك الاقتصادي الاول للآخر، فلماذا يريد بعضنا المزايدة وان يكون ملكيا اكثر من الملك. كذلك الحال بالنسبة للعلاقة مع اسرائيل فنحن لم نشترط على اي دولة في العالم قطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني حتى تقيم علاقات ديبلوماسية معنا. هذا حال الولايات المتحدة وجل دول الاتحاد الاوربي التي تعد الداعم الاساسي والمباشر مع اسرائيل ومع ذلك نقبل بهم شركاء مميزين لنا. نختلف مع تركيا باعتبارها بلدا شقيقا مسلما ولكن يجب ان نحترم مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، وهذا ما تقتضيه الحكمة.

2-

إن تهويل البعض للطموحات الاقليمية لتركيا لا يتفق مع التهوين من طموحات القوى الدولية ذات الماضي او الحاضر الامبريالي، ولكن الامر ذو صلة بعقدة احتقار الذات عند بعضنا، اذ لا يجوز ان تبرز قوة إقليمية أو دولية من بني قومنا وديننا، فالطموحات الاستراتيجية لا تقبل الا اذا كان مصدرها قوة استعمارية غربية، وهو امر يعكس الانقلاب الثقافي الذي جرى خلال عقود الدولة الوطنية المستقلة وأنتج فئة “مسخاً” تفضّل علاقة تبعية مع الغرب على شراكة استراتيجية مع بلد مسلم له معنا علاقات وروابط الانتماء العثماني المشترك لمدة تزيد على أربعة قرون من الزمان، أي قبل ان تنشأ حركة النهضة بثلاثة قرون ونصف، وحركة الاخوان المسلمين بثلاثة قرون.

3-

إن تصوير الرابطة العثمانية باعتبارها حالة استعمارية مجافٍ تماما للحقيقة التاريخية، وإلّا صحّ القول بأن الفتح العربي الاسلامي كان ايضا غزوا واحتلالا مثلما تزعم بعض الأصوات الامازيغية او الفرنكوفونية المتطرفة. الواقع ان التونسيين لم ينظروا يوما لانتمائهم العثماني الا باعتباره انتماءًا أصيلا وطبيعيا، كان لديهم غالبا مبعث اعتزاز وفخر وحاجة لمواجهة الاطماع التي تهدد بلدهم من جيران الشمال، فالرابطة العثمانية كانت رابطة متعددة الاثنيات والقوميات والاقاليم، ولم تكن رابطة عنصرية عرقية الا في مرحلة الانهيار الاخيرة ايام الاتحاد والترقي، وكان احد عناصر حفظ الهوية الوطنية التونسية هذا البعد العثماني ممثلا في العرش الحسيني، بل ان انقسام المجال العثماني وتفككه الى دول متعددة دليل نكبة وتراجع حضاري، وَكما نلاحظ اليوم فان جميع المجالات ذات الروابط المشتركة تبحث عن الاتحاد والتكتل، الا مجالنا قد اضحى منتهى طموحه الحفاظ على هذه الكيانات القطرية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي في ذيل السلّم الدولي.

4-

إن العلاقات بين الدول عامة تنظمها المصالح المشتركة، فما بالنا بالدول الشقيقة والصديقة كتركيا، وكان يجدر بِنَا حصر النقاش ضمن هذه الرؤية، فعندما أثرنا موضوع اختلال الميزان التجاري لصالح الطرف التركي ايام حكومة الحبيب الصيد كان هناك استعداد لدى اشقائنا الأتراك لإيجاد الحلول المناسبة، وقد حرص الرئيس الباجي قائد السبسي رحمه الله على الارتقاء بالعلاقات الأخوية مع الشقيقة تركيا، فهذا النوع من العلاقات يسمو على الأنظمة السياسية القائمة، ولم يجد من الرئيس اردوغان الا ذات الحرص، بعيدا عن منطق الهيمنة والتبعية التي يستعين به البعض لتصفية حسابات سياسية وأيديولوجية ضيقة. ان العلاقات بين تونس وتركيا أرقى من الأنظمة السياسية القائمة في البلدين، ناهيك عن تصويرها وكأنها نتاج وجود حركة النهضة او شراكتها في الحكم.

5-

لقد اقترح الاشقاء الأتراك شراكة استراتيجية تونسية تركية نحو افريقيا، وهي لعمري خير فرصة لبناء شراكة مغاربية تركية نحو القارة السمراء تستفيد منها جميع الأطراف المعنية وفيّ مقدمتها الدول الافريقية الصديقة التي تحتاج الى الخبرات والاستثمارات المغاربية والتركية. ان دراسة هذه الشراكة وبناء استراتيجية يجب ان تتم بعيدا عن الهواجس والمزايدات والحسابات المحدودة التي تريد عمليا تحويل تونس الى جزيرة معزولة وهي في قلب العالم والمتوسط جراء مفاهيم متهافتة للسيادة الوطنية ومخاوف سياسية بلا مبرر. ودون بناء هذه الشراكات وتثمين عمقنا الاستراتيجي في دوائرنا الحضارية الطبيعية فإننا سنظل في هذا الوضع المؤسف الذي نتطاحن فيها داخليا بدل ان تكون لنا رؤية للمنطقة والعالم.

وقبل الختام، فإنني حقيقة استغرب من عدم وجود حساسية تجاه الصين التي يتجاوز عجزنا التجاري معها اضعاف عجزنا مع تركيا، ولا نجد غضاضة كديمقراطيين في ان يكون نظامها استبدادي يقوده حزب واحد بيد من حديد، بينما نستحضر كل قيمنا ومبادئنا في تقييم النظام التركي، الذي هو في كل الاحوال ورغم كل الملاحظات اعلى ترتيبا في سلّم الديمقراطية من النظام الصيني، وفيّ رأيي فان العلاقات الدولية محكومة بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، ولم ارى من النظامين ما يمكن ان يعتد به متدخل في شأننا الداخلي. وختاما، فإن احياء الرابطة العثمانية في رأيي مصلحة وطنية واستراتيجية تونسية، وقد قال الاوربيون العلمانيون ان الاتحاد الاوربي ناد للدول المسيحية، ولا غضاضة عندي في القول – كما كان طموح الزعيم بورقيبة رحمه الله- في البحث عن افضل الصيغ لتوحيد وتعاون الدول الاسلامية، فالبعد الوطني مجرّد من الطموح الحضاري لن يقود الا الى مزيد من التقهقر والتخلف.

*كاتب ووزير تونسي سابق

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP