الجديد

حركة النهضة .. حصاد 41 سنة:  من الاحتجاج الى الاحتجاج !

منذر بالضيافي

من  6 جوان 1981 الى 6 جوان 2022، بعد 41 سنة من الخروج العلني لحركة الاتجاه الاسلامي ( النهضة اليوم )، وبعد أكثر من عشريتين من التيه ( زمن حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي)، تلتها 10 سنوات من “العز” في حكم البلاد، عادت الحركة الاسلامية التونسية، من جديد الى مربعها الأول ( حركة احتجاجية، وفق عبارة عالم الاجتماع عبد الباقي الهرماسي)، عودة لم تكن مستبعدة ولا مفاجأة، لكل دارس/ باحث موضوعي لمسار حركات الاسلام السياسي، منذ بدايتها في أواخر عشرينات القرن الماضي ( تاريخ بعث جماعة الاخوان في مصر من قبل المدرس حسن لبنا).

في الذكرى 41 لتأسيسها، و بعد مرور أكثر من عشرية على عودتها لتصدر للمشهد السياسي و المجتمعي، بعد ثورة ازاحت نظام الرئيس بن علي الذي دخلت معه في صراع بل صدام تواصل عشريتين. وبرغم “الزلزال” الذي حصل في تونس في 25 جويلية، الذي أعاد السيناريو المصري الذي حصل مع الاخوان “باخراج تونسي ناعم”، فان “الجماعة” في تونس، استمرت في الهروب للأمام، وكأن شيئا لم يقع، وكأن لا مسؤولية واضحة وجلية لها في ما حدث وسيحدث، فاختار “النهضويون” في احياء الذكرى 41 للتأسيس التركيز على البعد الاحتفالي والاستعراضي، من خلال اجتماعات تقليدية، بخطاب عاد للتدثر بمفاهيم البدايات من مثل “الصمود” و “الثبات” ، وهو ما تقتضيه تحديات المرحلة الحالية للجماعة التي أصبحت تشعر أنها مهددة في كيانها و وجودها ( شعار احياء الذكرى: 41 .. من الصمود والثبات وعزم على التجديد”.

بل أكثر من ذلك فان عشرية ما بعد الثورة ارتبطت بهيمنة الاسلاميين على المجتمع والدولة، وهذا ما يفسر تحميلهم مسؤولية ما حصل ليلة الذكرى 64 لعيد الجمهورية، عبر ايقاف مسار الانتقال الديمقراطي، ودخول تونس في مرحلة “غامضة”، عنوانها الأبرز ازاحة الاسلاميين من السلطة، وفق سيناريو تونسي لا يستنسخ ما حصل مع اخوان مصر، لكن النتيجة هي نفسها.

كما سبق وأن أشرنا، تصدرت ” الجماعة ” ادارة البلاد في الداخل، كما حولت سياستها الخارجية باتجاه الارتباط مع حلفائها في الخارج، ونعني هنا التنظيم الدولي للاخوان المسلمين، المتحالف مع دولتي قطر وتركيا.

تحول “الجماعة”، الى فاعل رئيسي في تونس، بيدها كل مفاتيح ادارة الدولة، سواء من خلال مسكها بزمام ومقاليد ادارة البلاد وحكمها، خلال مرحلة “الترويكا” بين 2011 و 2014، أو بعد ذلك عبر مشاركة “وازنة” في كل الحكومات التي تعاقبت، وهي مرحلة حكم انتهت يوم 25 جويلية 2021 بإعلان الرئيس قيس سعيد، الدخول في ادارة “استثنائية” ما تزال مستمرة الى اليوم.

عادت الحركة لتكون رقما في المجتمع والدولة، عبر مشاركة مؤثرة في الحكم، بل انها كانت تعد الرقم او المعطى الحاضر بقوة في ادارة البلاد خلال عشرية ما بعد الثورة، مستفيدة ضعف بقية مكونات الطبقة السياسية، و أيضا من وجود “قبول” مجتمعي، مرده “توسم الخير” في الجماعة”، وهي حاضنة سنرى أنها بدأت في التأكل وبسرعة.

عادت الجماعة ونزعت ثوب الحركة الاحتجاجية، و لتقدم نفسها – في الداخل كما في الخارج –  على أنها “حزب” ينشط في السياسة ويحترم أصولها، والأهم حزب “بهوية تونسية”، فأعلنت عن ” هروبها من المعبد الاخواني” ( عنوان كتابي الذي صدر سنة ٢٠١٨)، في مسعى منها للتأكيد على ” تونستها”، ولغاية ” التطبيع” مع المجتمع والدولة وأيضا المجتمع الدولي.

كشفت “واقعة 25 جويلية”، على أنه  و بعد عشرية كاملة، ما زال المشهد المجتمعي والسياسي العام وخاصة لدى الأحزاب اليسارية و حتى الدستورية، والنخب القريبة أو المرتبطة بهما يغلب عليه الخوف وعدم الثقة في الإسلاميين.

ويرون في حركة النهضة  تهديدا لمدنية الدولة، وللمكاسب المجتمعية التي تحققت خلال دولة الاستقلال، خصوصا بعد تمدد الجماعات المتشددة في زمن حكمها ( فترة حكم الترويكا)، وتحول تونس الى بلد مصدر للارهاب.

وبالتالي لم تنجح “النهضة” في تبديد المخاوف منها او الحد منها، بل أنها مخاوف قد تجذرت وترسخت أكثر بسبب الأداء السياسي للنهضة في الحكم ( راجع كتابنا: الاسلاميون والحكم : تجربة النهضة ، صدر سنة 2014).

وهي التي تم تحميلها النصاب الاوفر، من حالة الفشل والانهيار الشامل الذي الت اليه البلاد، التي تعاني من شبح الافلاس، ومن تفكك وضعف الدولة فضلا عن تنامي مظاهر الانقسام المجتمعي، ما وفر كل الأسباب بل الذرائع للإعلان عن ايقاف مسار، أصبح يمثل “خطر داهم” ممثلا في البرلمان الذي كان يراسه راشد الغنوشي وتسيطر عليه حركته، وفق ما أعلن عن ذلك الرئيس قيس سعيد.

لتجد الحركة نفسها بعد عشرية الثورة،  التي كانت الحاكم فيها، في وضع سمته رفض مجتمعي متصاعد ،من مليون ونصف ناخب سنة 2011 الى 400 الف ناخب سنة 2019، وتراجع كبير في كل عمليات سبر الآراء الحالية، وعزلة سياسية أصبحت واقعا، جعلتها في وضع صعب خاصة مجتمعيا  في مقاومة  ما ترى انه “انقلاب”، أقدم عليه قيس سعيد ( للإشارة حركة النهضة والمتحالفين معها فقط يصف ما حصل بالانقلاب).

كشفت ما عرف بثورات “الربيع العربي”، عن تأكيد أن كل التجارب التي حكمت باسم “الاسلام السياسي”، كان مصيرها الفشل، وأن هذه الحركات برغم محاولة اظهارها لخطاب “مدني” ، ما تزال لم تقطع مع أصولها الدينية، وتحديدا أنها أقرب الى “الطائفة” ( جماعة مغلقة) تحكمها “البيعة” والولاء ل “المرشد”، وهو ما يغيب فكرة الديمقراطية ( الغنوشي رئيسا منذ 41 سنة )، في التسيير وصنع القرار والتصعيد للمناصب، كما أن هيمنة “التمكين” ل “الجماعة” يأتي في المقام الأول، بسبب عدم تجذ المسألة الوطنية في أدبياتها، على غرار كل الأحزاب ذات المرجعيات العابرة للأوطان وللحدود، مثل الماركسية والقومية.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP