الجديد

خالد شوكات: “يجب ردّ الأمر إلى الشعب”

خالد شوكات

مع تواتر الأحداث في مؤسسات الحكم، واستفحال الأزمات في جميع المجالات، لا تبدو مسارات “الهروب إلى الأمام”، تلك التي تتبعها جل القوى السياسية، خصوصا منها المسؤولة، موفّقة ومقبولة، ذلك ان كل ما يمكن ان يفضي إليه “العناد السياسي” في الباطل هو جعل النهاية الممكنة نهاية أكثر حزنا وكارثية، وهو ما يجب العمل على تفاديه بإقدام المكلفين بالمسؤولية في مراكز القرار على اتخاذ قرارات شجاعة ومؤلمة لحماية الوطن والدولة.

وكديمقراطي لا يمكنه ان يقبل بالحلول التي يطالب بها بعضهم، وهي حلول نكوصية وارتدادية، لا يمكنه ايضا ان يصدّق بعجز الديمقراطية – حتى ولو كانت ناشئة مثل ديمقراطيتنا- على ابتداع الحلول الضرورية العاجلة، فمواجهة الدولة لإفلاس وشيك وتعمّق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وانهيار جميع مؤشرات المالية العمومية، والاخطر من كل هذا الكراهية الشعبية المتفاقمة للنظام الديمقراطي، وشيوع اليأس وانعدام الامل وعدم الإحساس بالامان والثقة في المستقبل لدى غالبية التونسيين، والانهيار المريع للمرافق الخدمية.

وهذا الشعور بالعجز المستبد بغالبية المصلحين الذين يشاهدون كل يوم تمكن الفاسدين والاعراف الفاسدة من مفاصل الادارة ومؤسسات الحكم، كل ذلك واكثر يدفع الى ضرورة الذهاب الى الحل الأكثر راديكالية من الحلول الديمقراطية المتاحة، ألا وهو “رد الأمانة لصاحبها”، واستفتاء الشعب على مصيره، والسعي الى أخذ قراره فيما يراه مناسبا، اولا في شكل نظام الحكم الذي يريد، وثانيا في تكليف من يراه مناسبا لتولي المسؤولية في هذا الظرف الدقيق، ولا ارى حلّا اخر سوى رد الأمر للشعب حتى لا تقع مسؤولية ما يمكن ان يحدث على رأس فئة واحدة، ظلما ربما.

على جميع المكلفين ان يتعاونوا بشكل سريع لتحقيق اجراء العودة للشعب، فالمسؤولون الذين لا يمتلكون تفويضا شعبيا قويا لا يستطيعون مواجهة الأزمات الكبرى، كذلك فعل القادة في جميع الديمقراطيات التي واجهت نوازل استثنائية، كفرنسا واليونان وإسبانيا وبريطانيا وكوريا واليابان وغيرها.

وعلى المسؤولين التعاون من اجل تسهيل المهمة على الشعب ليقول كلمة حاسمة، لا كلمة رجراجة ضبابية ومترددة مثلما كان الحال في الانتخابات الماضية، خصوصا سنتي 2014 و2019، عندما أفرزت الاستحقاقات حالة سياسية وبرلمانية مائعة افضت الى وضع تافه بلا لون او طعم او رائحة، لا يشعر فيه احد بالتكليف وتتوزع معه المسؤولية كما يتفرق الدم بين القبائل ايام الجاهلية. علينا التخلّص من هذا الشعور المتمكن في نخبتنا المتصارعة من ان الكارثة لن تحلّ بِنَا، ومن ان الانهيارات التي حدثت في دول اخرى لن تحدث عندنا، وهو شعور مرضي كان السبب فيما وصلنا اليه الان.

هذا الانفلات الشامل في الأسعار والعجز البائن عن الإنقاذ والترحيل المستمر للازمات والتملّص المستمر من الاصلاحات الهيكلية الضرورية والتمسك الغريب بتفعيل نفس الاليات الفاشلة للوصول الى ذات النتائج المخيبة للآمال.

جميع القطاعات تطلب النجدة، وجميع المؤسسات العمومية مفلسة، وجميع الاطراف ترفض التنازل لبعضها، والكل في لوثة عناد ومكابرة.

لقد اكلنا تراث الاباء والاجداد واستعملنا ما تركته لنا الاجيال السابقة من سمعة طيبة حتى لم يعد احد قادر اليوم على إقراضنا، لأننا نقترض اما لتسدد ديونا سابقة او لنواصل التمتع برفاهية ليست من حقنا. الثابت ان الديمقراطية لديها حل، اذ ليس قدراً ان يكون بديل الديمقراطية الاستبداد، إنما بمقدورنا الاستعاضة عن ديمقراطية عاجزة ومعلّقة بديمقراطية قوية وفاعلة، فلنرد الامانة إلى الشعب إذاً، ضمن رؤية اصلاحية صالحة تمكننا من أغلبية حاكمة واضحة ذات تفويض اصلاحي مبين.

هذا التمشي ممكن عبر حوار وطني يجب ان نفعله سريعا، وعبر استفتاء على نظام حكم ديمقراطي اقل تقسيما للسلطة، وكذلك عبر قانون انتخابي جديد.

وخلاف ذلك فإننا ندفع ببلادنا الى الفوضى وهي قاتلة، أو الى الاستبداد من جديد وقد نطلب مستبدا مستنيراً فلا نجده.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP