الجديد

رئاسيات 2019 .. ماذا يريد راشد الغنوشي ؟

هشام الحاجي
أبعدت التصريحات التي ادلى بها رئيس حركة “النهضة” راشد الغنوشي نهاية الاسبوع في مدنين اهتمام الراي العام الوطني عن سير الحملة الانتخابية للانتخابات ، و ذلك لما تضمنته من “مواقف” اقل ما يقال عنها ان راشد قد انقلب فيها و بيسر و دون ان يرف له جفن على غنوشي السنوات الاخيرة الذي طالما بشر بالتوافق مع “النظام القديم ” بوصفه اساس صمود التجربة التونسية و الذي تخلى منذ سنوات عن “منظومة الثورة و احزابها” ليقايضها بأحزاب “الدولة و رموزها” .
لا شك ان محاولة قراءة تصريحات راشد الغنوشي من زاوية اخلاقية لا يمكن الا ان تدعم راي العديد من الملاحظين الذين يعتبرون ان التحصن في مستوى الخطاب ببعض الشعارات الاخلاقية يمكن ان يكون الواجهة التي تخفي وراءها ممارسات اقل ما يقال عنها انها لا تتحرج من الابتعاد عن الاخلاقيات السياسية بما تقوم عليه من النزاهة و احترام الحلفاء و عدم التنطع في المواقف .
يبدو ان راشد الغنوشي قد تناسى هذه الاعتبارات على اهميتها و رمزية موقعه كشخصية تلعب دورا وطنيا مع ما يعنيه ذلك من ترفع عن كل خطاب تحريضي خاصة و ان الاوضاع السياسية و الاجتماعية لا تخلو من توتر صامت يمثل جمرا ثاويا قد  يحوله النفخ في رماده الى نار حارقة .
راشد الغنوشي كان مدفوعا في الظاهر بما املته نتائج الانتخابات الرئاسية و استطلاعات الراي المتعلقة بالانتخابات التشريعية من تراجع واضح لمكانة حركة النهضة و بضرورة العودة الى القواعد الصامتة و “الوفية ” للحركة من خلال خطاب يرفع “شعارات الثورة ” و يحاول العودة الى التقابلات التبسيطية بين معسكرين و هما “معسكر الثورة ” و ” معسكر الثورة المضادة ” و الى “اسلام البدايات” من خلال العودة الى الحديث عن الزكاة .
لا شك ان لراشد الغنوشي مطلق الحرية في اختيار الزاوية التي يخوض انطلاقا منها معركته الانتخابية خاصة و انه المسؤول الاول عن النتائج التي ستحرز عليها الحركة و لكن ذلك لا يجب ان يتحول الى مدعاة للتفصي من المسؤولية خاصة داخل حركة النهضة .
رئيس حركة “النهضة ” يدرك جيدا انه يواجه داخل حركة النهضة معارضة قوية و ان معارضيه طالما عبروا عن “تحفظات حول التوافق ” و عن انتقادات قوية لأساليب راشد الغنوشي في ادارة الحركة في ظل ما اعتبروه اعتمادا للمحاباة و “التفافا على مؤسسات الحركة و قراراتها” و دفعوا في اتجاه دفع راشد الغنوشي لمغادرة الحركة في ماي 2020.
اذا كان رئيس حركة النهضة قد قبل على مضض ترشيح عبد الفتاح مورو للانتخابات الرئاسية فانه قد عمد في الانتخابات التشريعية الى “فرض” المقربين منه على راس القائمات املا منه في تشكيل كتلة نيابية وازنة من الناحية العددية بما يتيح له هامشا واسعا من المناورة و يمكنه من تخطي شبح مغادرة رئاسة الحركة في اعقاب مؤتمرها القادم .
تصريحات راشد الغنوشي تمثل احراجا لمعارضيه داخل الحركة و توجها واعيا نحو عزلها سياسيا في المستقبل . فقد تشكل انطباع منذ 2011 بان لحركة المهضة قدرة على “امتصاص حلفائها ” و الالقاء بهم خارج دائرة الفعل السياسي اذ تلاشى دور “المؤتمر من اجل الجمهورية ” و “التكتل الديمقراطي” و “نداء تونس” و حديث راشد الغنوشي عن “الملاكم الذي يعانق منافسه لتجنب ضرباته” يبرز تصورا لا يطمئن للتحالف السياسي و قد يجعل من النهضة حركة معزولة و هو ما يعيق دورها سواء في الحكم او المعارضة في نظام سياسي يفرض اللجوء للتحالفات لكل من اراد ان يلعب دورا سياسيا هاما .
و حتى في مسالة التوافق فان النقد الذي يوجهه المعارضون داخل النهضة لراشد الغنوشي لا يستهدف التوافق في حد ذاته بل يتجه الى ضرورة على ان لا يتحول هذا التوجه الى اداة للإفلات من العقاب و التستر على الفساد و المحاباة بل ان تكون له مضامين سياسية و اجتماعية تساهم في خروج البلاد من الازمة الشاملة التي تعيشها.
يمارس راشد الغنوشي على ما يبدو سياسة الهروب الى الامام كوصفة قد تكون حسب بعض الملاحظين مثمرة على المدى القريب في صورة ما تمكن من حشد عدد من المقاطعين للتصويت و “الاوفياء” لخطاب النهضة التقليدي و من “قلب البخار ” و تمكين النهضة من الحصول على الصدارة في الانتخابات التشريعية.
نجاح قد يعيد “مكبوتات” الخطاب النهضوي بما فيه من نكوص عن التوافق و عن “التنازلات التي فرضها التوافق ” الى السطح مع ما قد يحمله ذلك من دخول في منطقة “ارتباك سياسي حاد” في مستوى النهضة و خارجها .
 
 

هشام الحاجي [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP