الجديد

راشد الغنوشي: من “الدبلوماسية الشعبية” الى “الدبلوماسية البرلمانية” .. الاصرار على لعب دور دولي !

منذر بالضيافي

على هامش الجلسة البرلمانية المقررة ليوم الغد (الاربعاء 3 جوان 2020)، المخصصة للحوار حول “الدبلوماسية البرلمانية” لرئيس البرلمان راشد الغنوشي، والتي تعتبرها الكتل المعارضة له جلسة “مساءلة” لهن عل خلفية ما تعتبره “ارتباطات خارجية مشبوهة” للرجل، خاصة في ما يتصل بالملف الليبي، خصوصا بعد المكالمة التي أجراها مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي، مهنئا باستعادة قاعدة “الوطية” الاستراتيجية من قوات حفتر، التي “أقامت الدنيا ولم تقعدا”، وكانت وراء جلسة “الحوار” أو “المساءلة” لرئيس البرلمان.

الدور الخارجي .. الطبيعة تأبى الفراغ

بالمناسبة، لا يمكن فهم “الضجة” الحالية دون العودة الى الوراء، الى علاقة رئيس البرلمان الحالي بالعمل الدبلوماسي، قبل وبعد وصوله لرئاسة قبة قصر باردو، فبمجرد توليه مهام رئاسة مجلس نواب الشعب (البرلمان)، وحتى قبل الانتهاء من ترتيب البيت الداخلي لقصر باردو، تشكيل اللجان البرلمانية ومكتب المجلس، شرع الرئيس الجديد للبرلمان التونسي الذي كانت كل المؤشرات تقول أنه سيكون مختلفا عن سابقيه، وأنه لن يكون لا رئيس برلمان بن علي ولا أيضا رئيس برلمان “سي الباجي”، وأن البرلمان في عهده سيكون “رئاسة” ذات اهتمام محلي واشعاع خارجي، وهو ما شرع فيه منذ توليه زمام الأمور في قصر باردو، لذلك لم تكن “الضجة” الأخيرة حول “استنكار”، الدور الدبلوماسي للغنوشي مفاجأة لنا كمراقبين للحياة السياسية.

شرع  راشد الغنوشي، مبكرا في تفعيل “الدبلوماسية البرلمانية”، وذلك من خلال استقبال عدد من  السفراء الهامين بالنسبة للعلاقات الخارجية لتونس، لعل ابرزهم كل من سفراء المملكة العربية السعودية، والجزائر وتركيا، و تحظى هذه اللقاءات الأولى للرجل بأهمية خاصة بل واستثنائية وليست بريئة، خاصة في علاقة بالهوية السياسية لرئيس البرلمان، ولمكانة ورمزية الدول الثلاث بالنسبة لتونس، وأخيرا كونها جاءت لتحمل رسالة بأن الغنوشي، بصدد الانتقال من “الدبلوماسية الشعبية”، والتي مارسها بقوة خلال العهدة الأخيرة مع الرئيس قايد السبسي (2014- 2019)، كرئيس لحزب سياسي وأثارت جدلا واسعا، الى “الدبلوماسية البرلمانية” من داخل البرلمان الذي يعد “قلب السلطة” في النظام السياسي التونسي الحالي، وهو أقرب للبرلماني منه للرئاسي “المألوف”.

كما تعددت بعد ذلك اللقاءات والزيارات الدبلوماسية للرجل، في ظل ما يشبه “السبات” الدبلوماسي الرسمي، لذلك يأتي التحرك الدبلوماسي لرئيس البرلمان، في سياق وجود ما يشبه حالة من الفراغ في العلاقات الخارجية التونسية، بسبب غياب رؤية وسياسة دبلوماسية واضحة للدولة التونسية، فضلا عن غياب رؤية واضحة للسياسة الخارجية التي ينوي الرئيس الجديد قيس سعيد انتهاجها، دون أن ننسى حالة “الارتباك” التي صاحبت ولا تزال اقالة أو اعفاء  وزير الخارجية السابق خميس الجهيناوي.

وهو ما جعل العالم الخارجي في وضعية انتظار وترقب، لما ستكون عليه الدبلوماسية التونسية وهو انتظار ما زال مستمرا، وهي وضعية تتغذي من غياب معرفة بالخارج، وعلاقات دولية لكل من رئيس الدولة ورئيس الحكومة المكلف، ما جعل الغنوشي يظهر كما لو أنه بصدد “المبادرة الدبلوماسية”، نحو الاستباق برسم ملامح السياسة الخارجية لتونس، مستفيدا من موقعه الجديد كرئيس للبرلمان، الذي من مشمولاته العلاقات الدولية ولعل لجنة العلاقات الخارجية تعد من أبرز اللجان البرلمانية في بلادنا ولها تقاليد في هذا المجال، وأيضا سعي الغنوشي – وهذا طبيعي –  لتوظيف شبكة العلاقات الدولية التي بحوزته، والتي تكونت له خلال السنوات الأخيرة.

بالعودة للنشاط الدبلوماسي لرئيس البرلمان خلال الأيام الأولى من توليه مهام رئاسة البرلمان، لابد من الاشارة الى الأهمية السياسية والاستراتيجية للسفراء الذي استقبلهم خلال أقل من أسبوع  واحد بعد تنصيبه على رأس مجلس نواب.

من دبلوماسية مونبليزير ..  الى دبلوماسية باردو

كانت البداية، يوم الجمعة 22 نوفمبر 2019، باستقبال السيد محمد بن محمود العلي، سفير المملكة العربية السعودية بتونس، الذي “أبلغه تهاني خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود بمناسبة انتخاب رئاسة البرلمان وانطلاق أشغاله”، وفق بلاغ رسمي صادر عن مجلس نواب الشعب. وهو يعد “اختراق” دبلوماسي مهم، في علاقة بسعي الاسلاميين الى “تطبيع” علاقاتهم مع السعودية، وهي علاقة عرفت خلال السنوات الأخيرة “فتور” هو أقرب الى “القطيعة”، وفي تحرك السفير ونقل التهنئة لرئيس البرلمان الجديد، ايذان برغبة الطرفين بفتح صفحة جديدة، وليس مجرد “تهنئة دبلوماسية” روتينية مثلما جرت العادة، ويتوقع أن تعرف قادم الأشهر مزيد تفعيل هذه العلاقة، وذلك في علاقة بترتيبات جديدة تشهدها المنطقة، من اليمن الى لبنان والعراق ، وصولا الى منطقة شمال افريقيا.

ان حرص رئيس المجلس النيابي، راشد الغنوشي، على أن يكون أول السفراء المستقبلين، هو سفير المملكة العربية السعودية، هو أيضا رسالة “طمأنة” للجانب السعودي، بأنه لن يتم المساس بالعلاقة القوية بين البلدين، والتي عرفت تطورا وتنسيقا مهمين ، خلال فترة حكم الرئيس السابق المرحوم الباجي قايد السبسي، وهنا تجدر الإشارة الى أن المملكة، وعلى خلاف ما هو غير معروف ومتداول، كانت من أهم الدول التي ساندت الاقتصاد التونسي، خلال الثمانية سنوات الأخيرة.

اللقاء الدبلوماسي الثاني، تمثل في استقبال رئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، صباح يوم الاثنين 25 نوفمبر 2019 بقصر باردو، و بحضور السيدة سميرة الشواشي النائب الأوّل لرئيس المجلس، عزوز باعلال سفير جمهورية الجزائر الديمقراطية الشعبية بتونس، وهو تأكيد لخيار استراتيجي سبق وأن أسس له رئيس حركة النهضة، خلال السنوات الأخيرة.

برز من خلال ربط علاقات وثيقة مع السلطات الجزائرية، ترجمت من خلال أكثر من استقبال رسمي من قبل الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة له، بقصر المرادية بالجزائر العاصمة، في دلالة على “تطبيع” للعلاقات مع تيار الاسلام السياسي على طريقة “الأنموذج” التونسي (حركة النهضة)، فضلا على كونه يعد تعهد من قبل اسلاميي تونس، على احترام الأسس والثوابت التاريخية والاستراتيجية ، التي قامت عليها العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتي طانت ولا تزال محل تعهد وقبول واحترام من قبل القيادات السياسية التي تداولت على الحكم في الجزائر وتونس.

ثالث اللقاءات البرلمانية لرئيس مجلس نواب الشعب في بداية ايامه الأولى بباردو تم يوم الاثنين 25 نوفمبر 2019 ، بحضور السيدة سميرة الشواشي النائب الأول لرئيس المجلس، وجمعه بعلي أونانير سفير جمهورية تركيا بتونس، وهنا لا يخفى على أي متابع متانة الروابط بين الشيخ الغنوشي وحركته ، والنظام السياسي في اسطنبول بزعامة رجب طيب اردوغان، وهي علاقة استراتيجية.

والتي كان – وأكدته الأيام اللاحقة للقاء – من المتوقع أن تتدعم أكثر مع وضع اسلاميي تونس يدهم على السلطة التنفيذية والتشريعية بعد الانتخابات الأخيرة، ما سيدعم المحور الثلاثي: القطري – التركي – الاخواني، وهنا لم يكن خاف عن راشد الغنوشي، تنامي وتصاعد الدعوات الرافضة للاصطفاف ضمن محاور من شأنها أن تعود بالسلبية على تونس، التي هي اليوم في أكثر من أي وقت مضى، بحاجة الى تنويع علاقاتها الدولية، انطلاقا من نظرية “صفر مشاكل”، بوصفها “الوصفة” الملائمة للمساعدة على الخروج من الضائقة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، والتي سيكون لها تداعيتها على الاستقرار السياسي والاجتماعي لو استمرت، وغابت الحلول الناجعة لتجاوزها، والتي لا يمكن أن تكون الا عبر مساعدة ودعم عربي و دولي كبير.

الاشعاع الخارجي مكمل للإشعاع الداخلي

للإشارة فقد تكثفت خلال السنوات الأخيرة، تحركات رئيس حركة النهضة الاسلامية، راشد الغنوشي، في الخارج وتحديدا أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، دون أن نغفل عن المشاركة في المؤتمرات والمنتديات الدولية الكبرى، من ذلك المشاركة الدورية في فعاليات مؤتمر دافوس، وذلك ضمن ما يعرف ب “الدبلوماسية الشعبية”.

هذا الجنس الغير متعارف عليه في المشهد السياسي التونسي، والذي أثار جدلا واسعا خلال السنوات الأخيرة، حيث تم النظر اليها كدبلوماسية “موازية”، للدبلوماسية الرسمية التي تمثلها وزارة الخارجية ومؤسسة الرئاسة، وان كان الغنوشي يوضح أنها تسند الدبلوماسية الرسمية ولا تتدخل فيها أو تشوش عليها.

حرصت قيادات “النهضة” منذ عودتها للمشهد السياسي بعد ثورة 11 جانفي 2011 على تلميع صورتها في الخارج، وقد نجحت في ربط شبكة من العلاقات العامة مع اعلاميين ومفكرين و مقربين من صناع القرار الغربي والأمريكي، ولعل هذا ما يفسر تواصل التعاطي معها كحركة معتدلة ومختلفة عن بقية تيارات الاسلام السياسي وخاصة ذات المرجعية الاخوانية، برغم حالة الحصار التي تعاني منها هذه الحركات، خاصة بعد سقوط حكم الاخوان في مصر، أحد أبرز الدول المركزية في العالم العربي، وذات الثقل الجيو سياسي، والذي كان وراء تراجع هيمنة التيارات الاسلامية، التي تصدرت المشهد في مرحلة ما بعد “الربيع العربي”.

في هذا السياق، نجح الغنوشي – الى حد كبير – ، في اقناع قطاع مهم من النخب والسياسيين في الغرب وأمريكا، بأن الحركة الاسلامية في تونس تسير على نهج تجربة الأحزاب “المسيحية الديمقراطية” في أوروبا، وبأن “النهضة” لعبت دورا مهما في حماية مسار الانتقال الديمقراطي، فضلا على “التعريف بالتجربة الديمقراطية وآليات نجاحها وتماسكها رغم العواصف التي أثيرت حولها”.

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP