الجديد

عبد الوهاب بوحديبة .. عالم الاجتماع “المتعفف” عن السياسة

هسام الحاجي

لم يكن عبد الوهاب بوحديبة مجرد مدرس جامعي لمادة علم الإجتماع بل يمكن القول أنه من القلائل الذين امتهنوا ذلك و تجاوز هذا المستوى ليكون عالم إجتماع بكل ما في العبارة من دلالات وقع انتهاك أغلبها للأسف في ظل ما يشهده مجتمعنا من تبخيس للعلم و المعرفة و من ميل مرضي إلى اغداق أكبر الألقاب على الجميع و هو ما يؤدي في نهاية الأمر إلى تبخيس المعرفة و اخضاعها لرهانات اللحظة السياسية و القراءات الأيديولوجية.

هناك بكل تأكيد أسماء لشخصيات يمكن أن نعتبر أنها بلغت مرحلة العلم في مجال قراءة المجتمع و لكن هؤلاء لا يمكن رغم أهمية اسهامهم و متانة تكوينهم أن يرتقوا إلى المرتبة العلمية التي بلغها عبد الوهاب بوحديبة و لا في ما بذله من جهد بعيدا عن الضجيج من أجل تأصيل علم الإجتماع في التربة الأكاديمية التونسية.

هذا الجهد وظف له عبد الوهاب بوحديبة ثقافة موسوعية قوامها السيطرة على اللغتين العربية و الفرنسية و نهم نادر للمعرفة و قدرة لافتة على إلتقاط أبسط الظواهر لتحويلها إلى مجال للبحث و الكتابة دون أن يعني ذلك نفورا أو تخوفا من الخوض في ” المحرمات ” .

كان عبد الوهاب متمكنا من جوهر الثقافة العربية الإسلامية بقدر تمكنه من عمق الثقافة الحديثة و متمسكا بأن يساهم في تقدم مجتمعه دون أن يقايض رداء العالم بقبعة السياسي و هو ما جعله لا يقبل من المهام الإدارية التي لا تخلو من بعد سياسي إلا تلك التي لا تبعده عن العلوم الإنسانية فأدار مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية و ” بيت الحكمة ” و رفض مرارا تولي مسؤوليات حكومية شعورا منه أن ” السياسي ” غالبا ما يوظف العالم ثم يتخلى عنه.

و إذا كان من الصعب الإتيان على ما تركه عبد الوهاب بوحديبة من تراث فكري هام و ثري فإنه يمكن الإشارة بعجالة إلى أمرين.

يتمثل الأول في ما ميز الراحل في مستوى سلوكه من رقي انعكس على المناخ الذي كان يقدم فيه دروسه و أما الثاني في أن بوحديبة المعتز بانحداره من مدينة القيروان قد بذل جهدا لافتا للتأكيد على أن الإسلام في عمقه يرفض الكبت و ينتصر للحياة و يمتلك رؤية انسية يتعين إبرازها.

قد يكون عبد الوهاب بوحديبة قد تجنب إحداث قطيعة معرفية مع منطلقات التوجهات السلفية و لكنه قدم في كتاب ” الجنسانية في الإسلام ” و هو أول كتبه اذ صدر سنة 1975 و ” ثقافة العطر في الإسلام ” و هو آخر كتبه إذ صدر سنة 2017 مع بلوغ مؤلفه عامه الخامس و الثمانين صورة عن إسلام يرفض التحلل و لكنه يؤمن بالحرية و يحتفي بالحياة…

ما كتبه عبد الوهاب بوحديبة عن الجنسانية و الألوان و العطور يمكن أن يكون مدخلا لمقاربات علاجية للذات الجمعية العربية المنكسرة لأنه يوفر أدوات مصالحة بين الإنسان و محيطه المباشر و هو ما يعني أن عبد الوهاب بوحديبة هو صاحب رؤية لا تقل أهمية عن الرؤى التي صاغها عدد من المثقفين العرب كعابد الجابري و محمد أركون و طيب تيزيني و أن توظيف هذه الأدوات قد ينقذ ممارسة علم الإجتماع في تونس مما غلب عليها من ميل لاعتماد ” البراديغمات ” الجاهزة و تغليب للاعتبارات الايديولوجية و سقوط تدريجي في ممارسة ” السوسيوغرافيا ” بما تعنيه من مجرد وصف ظاهر الأشياء عوض ممارسة ” السوسيولوجيا ” بما هي بحث في عمق الأشياء و الدلالات و المعاني.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP