الجديد

علم الاجتماع و حركات الاسلام السياسي: عودة المقدس وتحوله لحراك احتجاجي .. المثال التونسي /2 من 4/

منذر بالضيافي*

اهتم الباحثين في علم الاجتماع  في تونس،  سواء في اطار قسم علم الاجتماع بالجامعة التونسية، أو في مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، مبكرا بظاهرة الإسلام السياسي، وذلك منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، تاريخ بداية تشكل أوظهور “الجماعة الاسلامية”، التي تحولت الى “الاتجاه الاسلامي” (الثمانينات)، ثم حركة “النهضة” (منتصف التسعينات)، والتي عرفت تحولات كبيرة، من جماعة دعوية (عودة المقدس) الى حركة سياسية تقوم على “أدلجة” الدين (الاسلام الاحتجاجي/النضالي).

 

أولا: حركة الاسلام السياسي: عودة المقدس .. عودة الاسلام

 

يعد عبد القادر الزغل اول من اهتم بالظاهرة الاسلامية من زاوية تحليلية تأويلية محايدة وغير متحاملة، مثلما بين ذلك أستاذ العلوم السياسية حمادي الرديسي، الذي أشار الى أن تناول الزغل للظاهرة أغضب البعض من زملائه. مشيرا الى أنه بدأ برصد أول ارهاصات الحركة في تجاذباتها بين العقائدي والسياسي وبين أنموذج الاخوان المسلمين و “التونسة” وبين الدين والعلمنة. و تساءل عن قدرة الدولة على احتواء ظاهرة تاريخية واجتماعية بالأساس وعن قدرة الحركة على التأقلم مع الواقع التونسي./5/

مثلما سبق وأن أشرنا، فان عبد القادر الزغل أول الباحثين التونسيين لظاهرة الحركة الاسلامية، من خلال دراسة تحت عنوان: “عودة المقدس والطلب الأيديولوجي الجديد للشباب المدرسي: المثال التونسي”، بحث نشر في بداية ستينات القرن الماضي، مع بداية بروز انتشار وتمدد التيار الاسلامي، في الوسط الشبابي من تلاميذ المعاهد الثانوية وطلبة الجامعة. /6/

يستهل الزغل دراسته بالإشارة، الى أنه وعلى خلاف ما هو سائدا في تلك الفترة في تونس خاصة، من القول بنهاية الدين والأسطورة والأيديولوجيا، وكل ما تعتبره العلوم الوضعية مقترن أو مرتبط بالفكر البدائي primaire ، فانه مع ذلك لاحظنا صمود الظواهر الدينية التي تتمظهر وتتشكل من خلال قوى اجتماعية مرتبطة بالماضي، والتي ترتبط بتحالفات استراتيجية مع الارستقراطية التقليدية ومع كبار مالكي الأراضي الذين يعارضون السلطة الجديدة.

في هذا السياق، يبين الزغل أن الظاهرة الجديدة (التي بدأت تبرز مع سبعينات القرن الماضي) والمتمثلة في ما يطلق عليه ب “عودة المقدس” أو “عودة الاسلام” ( ويقصد هنا جماعة الاسلام الحركي التي ستتحول لاحقا الى حركات الاسلام السياسي)، لا تهم القوى الاجتماعية التقليدية، بل الفئات والشرائح الاجتماعية الحضرية، بل أنها  أصبحت مرتبطة بما يسمى بالطبقة الوسطى التي هي عماد واساس الاستقرار. كما يشير الباحث عبد القادر الزغل الى توجه هذا التيار الجديد نحو الشباب المدرسي والطلابي وخاصة الذين يدرسون في الكليات العلمية.

يطرح الزغل أسئلة اشكالية لفهم “عودة المقدس” في ذلك السياق المجتمعي والسياسي التونسي في حقبة بداية السبعينات: فكيف يمكن تفسير هذه العودة للمقدس في عالم تهيمن عليه الايديولوجيا التنموية والأمل بل التطلع الى اللحاق بالغرب المتقدم بالعلوم والتكنولوجيا وسطوة العقل؟ لماذا هؤلاء “الأنبياء الجدد” خاصة وأن الذين اتبعهم هم من فئات حضرية نوعا ما حياتهم قريبة من النمط الغربي أكثر من سكان الأرياف المتشبثين بنمط حياتهم التقليدي ؟ ولماذا هذا الطلب على “عودة المقدس” نجده قد وجد صدى له لدى الطلبة الدارسين في الشعب العلمية ؟ ولماذا هذا الطلب على المقدس يتحول الى بعد نضالي/ احتجاجي لدى هذا الصنف من الطلبة ؟ /7/

وهنا يعترف عبد القادر الزغل بالصعوبة التي تواجه الباحث في علم الاجتماع في الاجابة على الأسئلة السابقة، ويبرر أو يرجع ذلك الى أنه يعود الى جهل وعدم المام المشتغلين في حقل العلوم الاجتماعية بالمعطيات والبيانات الميدانية في الواقع حول هذه الظاهرة. وللتدليل على عدم المعرفة بالظاهرة، يشير عبد القادر الزغل الى أن ما هو معلوم لدي الباحثين في حقل العلوم الاجتماعية في تونس حولها في تلك الفترة (نهاية السبعينات) لا يتجاوز ما هو معلوم لدى الجميع، خاصة ذلك البعد الاعلامي/ الاستعراضي، حول ايران ومصر وباكستان وتركيا …

ويرى أن عائق عدم فهم الظاهرة لا يعود لغياب المعطيات الامبيريقية فقط بل هو أصلا ثقافي، من ذلك أن الباحثين لم يكونوا على جاهزية لدراسة التبلور الاجتماعي لظاهرة دينية في العالم الاسلامي. حيث أن التناول الأكاديمي للظاهرة الدينية في العالم الاسلامي كان حينها مرتبط بالمقاربتين:

1/ الاستشراق: تناول الفكر الاسلامي الكلاسيكي

2/ الأنثروبولوجيا: دراسة العادات والتقاليد الثقافية

و هما مقاربتين بعيدتين كل البعد عن تقديم أجوبة للأسئلة التي المطروحة في علاقة بهذه الظاهرة الجديدة ( عودة المقدس).

ما لفت عبد القادر الزغل أول باحث تونسي في علم الاجتماع ينكب على دراسة حركة الاسلام السياسي او ما أطلق عليه “عودة المقدس” هو معاينة مدى وقع تأثير هذه “العودة” على الشباب. من هنا كان توجهه الى محاولة دراسة وفهم الظاهرة انطلاقا من البيئة التونسية التي نشأت فيها أي من خلال المجتمع التونسي. وذلك عبر العودة الى تفكيك خطابها ومنشوراتها، والتعاطي مع هذا الخطاب كمعطى جديد في الحقل الايديولوجي التونسي. /8/

وهو ما مكن الباحث من ملاحظة أن فئات وشرائح هامة من المجتمع التونسي في بداية سبعينات القرن الماضي أصبحت ميالة الى هذا الخطاب، الذي مثل عرض ايديولوجي جديد وجد فراغا تطور وتمدد فيه. وقد تم التعبير عن قوة هذه الايديولوجيا من خلال قاعدة اجتماعية تحولت لاحقا الى القوة الحقيقية المعبرة عن هذه الايديولوجيا.. ويشير في هذا الاطار الى أن العلاقة الجدلية بين العرض والطلب الايديولوجي هي التي يمكن لنا من خلالها تفسير تراجع أو فشل الخطاب الايديولوجي اليساري الذي كان مهيمنا خاصة في صفوف طلبة الجامعة وفي المنظمات النقابية. /9/

كما يشير عبد القادر الزغل الى أن انتشار الخطاب الايديولوجي الاسلامي في الجامعة وفي المجتمع لا يعود فقط الى غياب وغموض الموقف الرسمي ( السلطة السياسية) تجاه المسألة الدينية عموما، وانما ايضا الى التيارات اليسارية الماركسية الماوية، التي لعبت دورا هاما في المساعدة على انتشار هذه الظاهرة، بسبب انكفائها على معارضة السلطة واهمال البعد الثقافي والاتصال المجتمعي، ما سمح بإيجاد الفراغ الايديولوجي.

وبالتالي يخلص الباحث الى أنه لا يمكن فهم ظاهرة “عودة المقدس” من خلال تحليل خطابها الداخلي فقط، بل أيضا في علاقة بالخطاب الرسمي، وكذلك خطاب الحركات المعارضة لها في تلك الحقبة وهي بالأساس التيارات اليسارية الماركسية والعلمانية. وهو ما سمح له بالاستنتاج بأن الفراغ الذي خلفه كل من الخطابين الرسمي والمعارض (الجماعات اليسارية) هو الذي سمح بإيجاد موقع نفذ عبره خطاب الحركة الاسلامية.

 

1/ تغييب البعد الثقافي .. وظهور عرض ايديولوجي جديد

 

في محاولة فهم نشأة الظاهرة الاسلامية في تونس أو ما يسميها الباحث ب “عودة المقدس” يشدد الدكتور عبد القادر الزغل على أهمية البعد أو المعطى الثقافي، وفي هذا الباب يعتبر أن خطاب الهوية المتوتر والغير واضح، وأحيانا الصدامي للسلطة السياسية، هو الذي فسح المجال لانتشار حركات الاسلام السياسي.

فقد كان النظام التونسي الذي تشكل بعد دولة الاستقلال (1956) يعتبر أن الاسلام هو مجرد عنصر للهوية الجماعية، ولم يكن ينظر له كعنصر رئيسي فيها، وان كان هذا التصور قد وجد قبولا وتفاعلا من قبل النخب اليسارية والعلمانية، فانه كان محل رفض بل واستهجان من قبل النخب التقليدية ممثلة في “العلماء” ( شيوخ جامع الزيتونة  أساتذتها ) الذين كانوا في تحالف غير معلن مع أعيان البرجوازية التقليدية الحضرية الرافضين لتهميشهم من قبل النظام السياسي لدولة الاستقلال.

وفي اطار التفسير الثقافي لأسباب “عودة المقدس”، يرى الزغل أنه مثله مثل السلطة السياسية الحاكمة، فان المعارضة ممثلة في التيارات اليسارية والعلمانية، هي بدورها أهملت وهمشت البعد الثقافي، في علاقة اساسا بالهوية، وكان كل تركيزهم على معارضة الدولة، من منظور الصراع الطبقي فقط الذي ينظر للدولة كحامية للبرجوازية.

الى جانب البعد الثقافي فان التحديث الفوقي الذي سلكته دولة الاستقلال، بزعامة مؤسسها الرئيس الحبيب بورقيبة، قد ساهمت في بروز و انتشار  ما يسميه الباحث ب “عودة المقدس” أو “عودة الاسلام”، والذي برز من خلال تراجع دور  “العلماء” ( ذوي التكوين الديني التقليدي) لصالح الشباب التقنوقراط المتخرجين من الجامعات الفرنسية، وهو ما أفقدهم  مكانتهم الاجتماعية والرمزية، وبالتالي تم تهميشهم.

فضلا عن “تحقير” الخطاب الديني وحتى الشعائر الدينية من قبل ثقافة وايديلولوجية دولة الاستقلال، الذي ترافق مع تفكيك المؤسسات والبنى التقليدية، مثل الحبس أو الأوقاف وتعويض القضاء الشرعي بالقضاء العصري ومحاولة “التطاول” على أركان الدين الاسلامي والتي تمثلت في تجاهر الرئيس بورقيبة بالإفطار في شهر رمضان… ومع تعدد كل هذه المظاهر التي كانت  في الواقع تعبر عن سياسات دولة بورقيبة تجاه المسألة الدينة ودور الدين في المجتمع والدولة، برزت “معارضة صامتة” سينجح شبابها من المنتسبين للحركة الاسلامية (التي بدأت دعوية في المساجد)،  في تحويلها الى معركة من أجل الهوية وضد التغريب، وبالتالي أعطتهم “شرعية” سهلت عملية الانتشار وتعبئة الأنصار.

 

يتبع …

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP