الجديد

علم الاجتماع و حركات الاسلام السياسي: عودة المقدس وتحوله لحراك احتجاجي .. المثال التونسي /1 من 4/

منذر بالضيافي* 

اهتم الباحثين في علم الاجتماع  في تونس،  سواء في اطار قسم علم الاجتماع بالجامعة التونسية، أو في مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، مبكرا بظاهرة الإسلام السياسي، وذلك منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، تاريخ بداية تشكل أوظهور “الجماعة الاسلامية”، التي تحولت الى “الاتجاه الاسلامي” (الثمانينات)، ثم حركة “النهضة” (منتصف التسعينات)، والتي عرفت تحولات كبيرة، من جماعة دعوية (عودة المقدس) الى حركة سياسية تقوم على “أدلجة” الدين (الاسلام الاحتجاجي/النضالي). المقال جزء من دراسة نشرت  في كتاب «الإسلاميون والعلوم الاجتماعية: التضليل بالمعرفة» (الكتاب السابع والخمسون بعد المئة، يناير (كانون الثاني) 2020)، عن منشورات مركز المسبار للدراسات والبحوث

كانت البداية ضمن الوسط الشبابي، ضمن الفضاء المدرسي و الطلابي/ الجامعي، من خلال أنشطة الطلبة المنتسبين لهذا التيار، الذي سعى تدريجيا لفرض نفسه في الحرم الجامعي، وكذلك في المشهد المجتمعي والسياسي والاعلامي، وأيضا داخل الجمعيات القرآنية وفي المساجد، وعبر ما نشرته الجماعة من أدبيات خاصة في الصحف والمجلات التي كانت تعبر عن لسان حال الحركة، والتي من خلال العودة الى قراءة مضمونها ( مجلة “المعرفة” سبعينات القرن الماضي)، نجد أنها قد لعبت دورا مركزيا في الدعاية والترويج لفكرها، وفي استقطاب المتعاطفين والمنتسبين.

مقدمة منهجية

سنحاول  في هذه الورقة، التطرق للمقاربة السوسيولوجية (المنهج والمفاهيم )، للظاهرة الاسلامية في تونس ممثلة في الحركة الاسلامية، وتحديدا تيارها الرئيسي المعروف اليوم تحت مسمى حركة “النهضة”، من خلال عرض يجمع بين التفسير والتحليل والاستنتاجات، لأهم البحوث السوسيولوجية التي تناولت الظاهرة.

وفي هذا الاطار، نشير الى أنه من المفيد الاشارة الى أن طبيعة تناول هذه الظاهرة ضمن “المدونة السوسيولوجية” التونسية،  قد ارتبط بتصورات ومفاهيم ومناهج العلوم الاجتماعية الكلاسيكية، سواء ضمن مبحث ما عرف بعلم الاجتماع الديني، أو دراسة الحركات الاجتماعية الاحتجاجية، كما سنلاحظ وجود تأثر كبير في تناول الظاهرة، بكل من المدرسة الفرنسية في علم الاجتماع (مع عبد القادر الزغل) هذه المدرسة التي يطغى عليها التحليل النظري، والمدرسة الأنقلوسكسونية/ الأمريكية (مع عبد القادر الهرماسي) والتي تتسم بإعطاء أهمية للجانب الامبريقي، عبر الاستناد للإحصائيات والعمل الميداني.

كما لا يفوتنا الاشارة، الى أن الانتشار السريع للظاهرة وتحولها، الى واقع مجتمعي ثم في مرحلة لاحقة لواقع ثقافي، قبل ان تتحول لواقع سياسي من خلال ذراع نضالي او احتجاجي، وفق تعبير عالم الاجتماع التونسي عبد الباقي الهرماسي، وهو الأمر الذي دفع المشتغلين في حقل علم الاجتماع في تونس ومبكرا الى الاهتمام بالظاهرة، مثلما سيكشف عنه أول الباحثين لها الأستاذ عبد القادر الزغل، الذي دشن المبحث السوسيولوجي، حول الحركة الاسلامية في تونس.

وسنرى من خلال البحوث المنجزة أن هذه الأعمال ستكون مندرجة ضمن المشاغل والمباحث التالية:

*** الاهتمام بالظاهرة ضمن مبحث واسع وهو علم الاجتماع الديني، الذي يعد من ابرز انشغالات أو اهتمامات علم الاجتماع الكلاسيكي خاصة مع الرواد أو المؤسسين مثل ايميل دوركايم وماكس فيبر (دراسة عبد القادر الزغل حول :  “عودة المقدس والطلب الأيديولوجي الجديد للشباب المدرسي: مثال البلاد  التونسية” ، نشر في نهاية الستينات، و بحث للأستاذ في قسم علم الاجتماع، المنصف وناس، حول: “الدين والدولة في تونس: 1956 – 1987” )

*** محاولة تفسير الظاهرة من خلال مفهوم مركزي في علم الاجتماع وهو الحركات الاجتماعية ( مع أعمال كل من عبد الطيف الهرماسي: “الحركة الاسلامية في تونس .. اليسار الاشتراكي، الاسلام، والحركة الاسلامية”، ودراسة للدكتور عبد الباقي الهرماسي: الاسلام الاحتجاجي في تونس).

انطلاقا من ان التاريخ العلمي للحركات الاجتماعية لم يتأسس بمعزل عن الصراعات الدائرة في المجتمعات الانسانية ولا يمكنه اطلاقا ان يكون منفصلا عنها مادامت هذه الحركات تدل في الأصل على الصراع الذى يعنى كل تعارض بين الأفراد والجماعات من حيث القيم والمصالح فالصراع يعد من أبعاد الحركة الاجتماعية في شكلها الاحتجاجي القائم أصلا على الرفض ونشد التغيير.

*** رصد دينامية وتطور الظاهرة، النشأة والتحولات والخصوصية،  في علاقة بالحركة الاسلامية العالمية، تحديدا حدود القطيعة والتواصل مع جماعة “الاخوان” في مصر التي تعد “أم حركات الاسلام السياسي”، التي انتشر فكرها وأيضا تنظيمها ليصبح عابر للحدود.

دون استباق، نشير الى أن أغلبية الدارسين، وان أشاروا الى وجود روابط مع الفكر الاخواني، الا أنهم مع ذلك بينوا وجود “خصوصية للظاهرة الاسلامية التونسية”، مثلما أكد على ذلك عبد اللطيف الهرماسي، الذي بين “أن الحركة الاسلامية ليست ظاهرة خارجة عن المجتمع أو مزروعة فيه بصورة مصطنعة، بل ولدت من رحمه وهي نتاج لأزمته. أثرت فيه وتأثرت به، وهي ليست ظاهرة ثابتة أو ساكنة” /1/

قبل التطرق لدراسة الحركة الاسلامية من منظور سوسيولوجي من قبل باحثين وأساتذة تونسيين، أريد أن أشير الى أن تلك البحوث والدراسات، مثلت مقدمة وجهد مهم تجاوز القطر التونسي، ليؤسس لمساهمة مهمة في الحقل السوسيولوجي العربي في علاقة بالظاهرة الدينية عموما (علم اجتماع ديني عربي)، الذي عرف محاولات جدية برزت بداياتها أساسا في اصدارين هامين:

كتاب أول، تحت عنوان: “الحركات الاسلامية المعاصرة في الوطن العربي”، وهو كتاب جماعي، ثمرة ندوة دولية عقدت بتونس في سنة 1984ونشرت اشغالها في كتاب عن مركز الوحدة العربية ببيروت سنة 1987

كتاب ثان، “الدين في المجتمع العربي”، اصدار جماعي، يعد محاولة أولى لبلورة علم اجتماع ديني عربي، صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت سنة 1990. من أبرز المساهمين ثلاثة من رواد البحث في حقل علم الاجتماع في تونس، وهم عبد القادر الزغل، عبدالباقي الهرماسي والمنصف وناس.

برزت منذ بداية ثمانينات القرن الماضي،  لدى المشتغلين في الحقل السوسيولوجي في تونس وفي العالم العربي، أهمية تطوير فرع علم الاجتماع الديني، وذلك مرده التوتر بالأساس بين الدولة الوطنية والمسألة الدينية، والانتشار الكبير للحركات الاسلامية، التي أصبحت تنازع الدولة والنظام السياسي العربي، في أحد أهم مصادر “شرعيته”، ونعني هنا طبعا الدين.

في تقديمه للكتاب الجماعي، الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، ويحمل عنوان: “الدين في المجتمع العربي”، يقول عالم الاجتماع المصري عبد الباسط عبد المعطي “أتى اهتمام علم الاجتماع في الوطن العربي بالدين، فكان التركيز على النقل عن المكتبة الغربية، وبخاصة أعمال ايميل دوركايم وماكس فيبر وليفي بريل”. /2/.

ولكن هذا الاهتمام أخذ بعدا أكثر جدية وتعمق مع التحولات التي عرفها العالم العربي والاسلامي خلال “العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، التي شهدت ظواهر وانكسارات وعوامل خارجية وداخلية، أفضى تفاعلها جميعا الى طرح مهام جديدة واعادة طرح أسئلة قديمة على الفكر العربي والباحث العربي، في علم الاجتماع وفي غيره من الانساق الفكرية والمعرفية”. / 3/

ويعدد عبد الباسط عبد المعطي العوامل والظواهر التي فرضت الاهتمام بعلم الاجتماع الديني في الحقل البحثي السوسيولوجي العربي، فيشير الى أن “من أهم الظواهر والعوامل على الصعيد العالمي الثورة الايرانية، واهتمام معاهد البحث الأجنبية بدراسة الدين والحركات الدينية في المنطقة العربية. وفي مقدمة الظواهر والانكسارات والعوامل الداخلية، فشل الدولة القطرية في انجاز مهام المجتمع العربي، وتطوير أساليب تحقيق امالها في الوحدة والاعتماد على الذات، والتحرر من التبعية، اضافة الى هزيمة 1967 وانحسار الديمقراطية وتدهور كثير من مستويات حقوق الانسان العربي واشباع حاجاته الأساسية”./4 /

 

يتبع …

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP