الجديد

عياض بن عاشور يكتب عن “المراجعة الدستورية بين الواقعية واليوتوبيا”

عياض بن عاشور، نقله للعربية الباحث شعبان العبيدي

نشر الباحث في القانون الدستور عياض بن عاشور منذ يومين مقالا مطولا – نقدر أنه مهم جدا – في موقع “ليدرز ” بالفرنسية، الذي يديره الصحفي والاعلامي المتميز ، توفيق الحبيب ، وورد هذا المقال المهم تحت عنوان “المراجعة الدستورية بين الواقعية واليوتيوبيا”، وتعميما للفائدة قام الزميل والمتعاون معنا الباحث في الحضارة العربية الاسلامية شعبان العبيدي بترجمته لموقع “التونسيون”.

في ما يلي نص المقال:

“يبدو لي أنّه من الملحّ اليوم إنشاء حركة ثقافية وسياسية علمانية كبيرة بخيارات واضحة ومن دون تنازلات سياسية تتجاوز الإيديولوجيات الحزبية وتدافع عن مكاسب الاستقلال والإرث البورقيبي وذلك من أجل الدّفاع عن المجتمع التونسي والدّولة التونسية ضدّ غزو الأسلمة السياسيّة والدستوريّة”.

مع تأكيدنا على أنّ المسائل الدستورية ليست هي الأسباب الوحيدة للأزمة التّونسية العامّة، علينا الاعتراف بأنّها تلعب على نطاق واسع دورا فيها، إذا لم تكن في الأصل سببا في عرقلة عمل مؤسّسات الجمهورية.

لم يأخذ أعضاء المجلس التّأسيسي عند صياغتنا للدستور بعين الاعتبار الكافي الحقائق الاجتماعية والسياسية لبلدنا. وكانوا وهم يضعون نصب أعينهم نظاما برلمانيا في الأفق يقيمون نظاما هجينا ومعقّدا شبيها بالنظام المجلسي، وهو أخطر انواع الأنظمة.

تجاهل المجلس التأسيسي على سبيل المثال، نقص الخبرة والتقاليد البرلمانية لأحزابنا السياسية زد على ذلك غلبة العقلية العدوانية على طيف من معظم الممثلين في المجلس على جميع المستويات وضعف القدرات المالية للدّولة وعدم استقرارها بعد الثورة. وتصرّفنا مع كلّ هذه الهنات وكأنّنا نمتلك تجربة برلمانية ثرية مع أحزاب منضبطة وفاعلين مدرّبين على ثقافة المؤسسات ودولة غنيّة ومستقرّة ذات سلطة سياديّة كافية ولكنّ النتائج الكارثية اليوم معروفة للجميع. دعونا نلخّصها فيما يلي:

1-ائتلافات برلمانية غير مستقرّة ومتذبذبة

2-عدم قدرة البرلمان على ممارسة وظيفته التشريعية بشكل طبيعي، وتجسّد ذلك في الصورة الكارثية للمشهد السياسيّ.

3-تجاوزات للسلطة من جانب رئاسة مجلس النواب كشفت عدم قدرتها عن الخروج من دائرتها الأيديولوجية والحزبية.

4-فجوة بين الحكومة والبرلمان مع عدم وجود أغلبية مؤيّدة للحكومة مطلقا

5-عدم استقرار حكومي مزمن: حكومة جمعة (سنة) حكومة حبيب الصيد (سنة ونصف) حكومة الفخفاخ (أقل من ستّة أشهر) ومُدد غير عادية لتشكيل هذه الحكومات. ومنذ ما يقارب السنة وتونس تعيش في ظلّ نظام حكومات تصريف الأعمال.

6-ازدواجية خطيرة للسّلطة التنفيذية أدّت أحيانا إلى صراعات بين رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة، كما لاحظنا ذلك خلال رئاسة الرئيس الرّاحل الباجي قائد السبسي والصّيد، وخاصّة مع يوسف الشاهد.

7-وكنتيجة لما سبق ذكره، فإنّ هذه الرئاسية الماكرة حسب النظام الدستوري قد تحلّت في تشكيل الحكومات، من ذلك حكومات الصيد (الذي لا ينتمي إلى أي حزب ممثل في البرلمان) ثمّ يوسف الشاهد الذي دُعي من طرف رئيس الجمهورية إلى تشكيل الحكومة، ثم إلياس الفخفاخ (الذي لم يتحصل حزبه على أي مقعد في البرلمان) وبالمثل بالنسبة إلى كلّ رؤساء الحكومات المقترحين من طرف البرلمان عقب الانتخابات التشريعية (الحبيب الجملي) أو من خلال  استقالة رئيس الحكومة السابق للمشيشي، لم يكونوا إلاّ نماذج من الإبداعات الرئاسية لا أكثر ولا أقلّ. وهكذا نجد أنفسنا في هذه الحالة الأخيرة نعود في الواقع إلى الممارسة الرئاسية القديمة التي لا تتوافق إطلاقا مع روح الدستور.

8-لا يمكن مع ذلك لهذا النّظام الرئاسي أن يصل إلى نهاية مساره، فمن الواضح أنّه يظلّ معوقا بالقدرة البرلمانية المطلقة في قلب دستورنا، وهذه القوة المطلقة نفسها مشلولة بفعل الفوضى البرلمانية. ولذلك فنحن في حلقة دستورية مفرغة.

وقد أطلقت دعوات عديدة لمواجهة هذا الوضع إمّا لحلّ البرلمان أو من أجل إيجاد حلّ جذري من قبل رئيس الجمهورية الحالي وأنصاره، والذي يتمثّل فحواه في تنفيذ “البناء الجديد”         أو من أجل مراجعة الدستور وتبسيطه وترشيده.

دعونا نلقي نظرة فاحصة عن قرب لهذا الوضع:

دعونا نقول في البداية إنّ إمكانية الحلّ المنصوص عليه في المادّة 77 من الدستور لا يمكنه أن يحلّ المشاكل بل من المرجّح أن يؤدّي إلى تفاقمها. فلن يؤدي هذا المسار إلاّ إلى تأخير المواعيد النهائية للاستحقاقات الدّستورية مع خطر أن يعمّق الوضعية الحالية للعطالة أو حالة الركود الحالية. خاصّة إذا أدّى إلى إعطاء أغلبية رئاسية في البرلمان، وهو ما من شأنه أن يرسّخ عملية الرئاسة المطلقة التي ذكرناها سابقا، والتي ستكون في المقام الأوّل عارا على الدّستور البرلماني. ولكنّه سيشكّل قبل كلّ شيء منعطفا خطيرا للعودة إلى الممارسات القديمة للدّيكتاتورية التي نشهدها اليوم بالفعل مع إضفاء الطابع الشخصي على السّلطة (شخصنة السلطة).

يبدأ الحلّ الرئاسي لتعديل الدستور، والذي تمّ تعديله خلال الحملة الانتخابيّة من نقد ثلاثي للنظام الحزبي والنظام الانتخابي ومبدأ التمثيل النيابي. وتتمثل هذه الحلول في مراجعة الصّرح الدّستوري، ولاسيما السّلطة التشريعية من الأعلى إلى الأسفل. ويقوم هذا التوجّه على المبادئ التاليّة:

أوّلا وقبل كلّ شيء التأكيد على المبدأ الثوريّ لسيادة الشعب، الذي يجب التّعبير عنه انطلاقا من القاعدة الشعبيّة، وذلك من أجل تحييد الآثار السلبيّة لنظام الأحزاب السياسيّة المتعفّن بالفساد وشراء الأصوات واختطاف الإرادة الشعبية) و كذلك إلغاء النّظام التمثيلي الذي يُفرغ السيادة الشعبيّة من معناها، وبهذه الطريقة تصبح السّلطة التشريعية التي تتدرّج من المحليّة إلى المركز عبر الإقليمية تماما سلطة لامركزية. فتأخذ السيادة الشعبية بهذا المسار معناها الخالص. ثم يقع في مرحلة ثالثة استهداف التفرّد بالمسؤولية حتّى لا تضيع في أركان المسؤولية الجماعية المراوغة التي تميّز النّظام البرلماني التمثيلي وأخيرا مراجعة النظام الانتخابي.

نرى بشكل ملموس أنّ هذا المشروع يتمثّل في إعادة مركز صنع القرار والدّوائر الانتخابيّة الأساسية إلى مستوى الوفود من ناحية لتشجيع المشاركة الشعبيّة، ومن ناحية أخرى حتّى يكون المسؤولون المحليون معروفين مباشرة لدى ناخبيهم ويتمّ تجنبيهم مغالطة لعبة الأحزاب السياسية وقواعدها غير الصحيحة. وعلى المنوال نفسه من انتظام الأفكار ومن أجل تنظيم وإدارة الشؤون المحليّة والسيطرة على السلطة التنفيذية المحليّة سيتمّ إنشاء سلطات محليّة منتخبة على المستوى الإقليمي برعاية السلطة التشريعيّة. ولتنسيق العمل التنمويّ للجماعات الشعبيّة ومنحه الانسجام سيتمّ تعيين المجالس الإقليمية عن طريق القرعة. وبناء على ذلك فإنّ السلطة التشريعيّة المركزيّة ستتألّف من 265 ممثّلا منتخبين على مستوى الوفود، وسيستند النّظام الانتخابيّ الجديد إلى مبدا الاقتراع الفرديّ بهدف ربط صلة أكثر مباشرة بين الناخبين وممثليهم على مستوى الوفد. وفي هذا النّظام الذي هو في الآن ذاته يعود إلى روسو والقذافي سيستفيد الممثلون في اللجان المحليّة من تفويض قابل للإلغاء من قبل النّاخبين.

لطالما امتنع قيس سعيد عن “بيع الأوهام” للجمهور، وهو مقتنع بأنّ نظامه مدعوم بالكامل بمبادئ الثورة، وأنّه يستجيب بذلك لرغبات الشعب. ولا يسع الواحد منّا  للوهلة الأولى إلاّ أن يشعر بتعاطف قويّ مع هذا النوع من المشاريع،الذي تمّت مناقشته والتنظير له بإسهاب في تاريخ الأفكار السياسية.

لكنّنا مع الفحص الدّقيق والمستفيض نكتشف أنّ هذا المشروع ليس له وجود:

1-صحيح أنّ شعار “الشعب يريد” هو شعار ثوريّ، قد يعطي نظرة خاطئة عن الثورة، ولذلك يجب التعامل معه بحذر، لأنّ التاريخ يكشف لنا بشكل بليغ أنّ الشعوب لا تعرف دائما ما تريد، أو يمكنها أن تطلب الأسوأ عندما تقع حتّى الثمالة تحت طائلة الخطب الديماغوجية  لبعض المتعصبين أو المستنرين. فقبل أن نعرف ما يريده الشعب علينا أوّلا أن نجيب عن السؤال التّالي: أيّ النّاس نقصد؟ ذلك أنّ الثورة لم تحدّد بحال من الأحوال على أساس أي معيار أعدديّ أم شكليّ يكون ذلك؟ إذ يمكن لشعب في معظم فئاته أن “يريد أيّ شيء”.

إنّ الثورة التونسية، قبل كلّ شيء، هي ثورة مناهضة للديكتاتوريّة، فما أراده شعب الثورة بشدّة هو سقوط هذه الديكتاتورية أساسا ونشدان الحريّة والكرامة. لأنّ الديكتاتورية في واقع الأمر إهانة لكلّ من قيمتي الحريّة والكرامة. وفي هذا  السياق، نرى أنّه لكي يكون المرء قادرا على إعلان نفسه مترجما مخلصا للثورة، أو على أقلّ تقدير، أن يدّعي أنّه يفهم بشكل أفضل من الآخرين تاريخها ونطاقها ونواياها، يجب أن يمتلك، بادئ ذي بدء، الحدّ الأدنى من الثقافة حول نظريات الثورات، والتّي هي شديدة التعقيد. فقد كان لمقاومة الديكتاتورية ثوراتها واحتجاجاتها وتمرّدها ورموزها القيادية ومناشدوها وضحاياها وخصومها بالقلم واللسان، واستبعدت أحزابها من اللعبة السياسيّة الرسمية عن طريق التزوير القانوني. هؤلاء الضحايا والقتلى والذين بذلوا وقتهم وراحتهم وحياتهم ساهموا في إسقاط الديكتاتورية. ولذلك علينا أن ندرك قبل كلّ شيء أنّ هذه الثورات أثبتت نفسها حتّى في ظلّ الديكتاتورية. فقد دفعت كلّ الحركات السياسية ثمنا باهظا من الضحايا لقيام هذه الثورة ومن أجل أن تصبح كائنات حرّة. ومعنى ذلك أنّ هذه الثورة التونسية لم ترسل من السماء ولم تكن بنت الصدفة. إنّها في الواقع ثمرة كفاح ليس من أجل الاستعراض بل من أجل شعب حرّ، تكون إرادته مؤطّرة ومقيّدة بمطلب أساسي هو الحريّة.

إنّ الديمقراطية عندنا هي مسألة أخلاقية وليست عملية حسابية. وعلاوة على ذلك فقد أدّى الفهم الخاطئ لفكرة روسو عن الإرادة العامّة المطلقة للشعب إلى أسوأ الفظائع. فليس الرقم الصحيح هو الذي يفضي إلى الحقّ، لكنّ الحقّ هو الذي يعطي الر قم الصحيح. ولذلك يقال “إنّ الحقّ لا يعرف بالرجال اعرف الحقّ تعرف أهله”. فشعار “الشعب يريد” في الديمقراطية هو ضرورة مشروطة وليس فكرة تبسيطية للخطاب السياسي.

ولولا هذه المقاومة التاريخية المتعدّدة الأوجه للديكتاتورية بكلّ درجاتها                          ومستويات حدّتها لما انطلقت شرارة الثورة التونسية كما عشناها، ولا يمكن أن يخدع القفز الثوري بالمضلات إلاّ أولئك الذين هم على استعداد لذلك، وأولئك الذين ليس لهم القدرة على فهم المعنى الحقيقي للثورة. في حين أنّه لا يمكن خداع الأشخاص العارفين بهذه الشراك. فمن المفارقات العجيبة أن نرى أولئك الذين ابتعدوا دائما عن مقاومة الديكتاتورية والذين تحصنوا عن كلّ عملية استدراج يصبحون بكلّ غرور وافتتان المتحدثين باسم الثورة وعرّابيها.

إذا كان الدّستور التونسيّ قد كُتب على الجدران من قبل شباب الثورة، كما عنّ للرئيس الحالي أن يقول ذلك، فعلى أيّ جدار رسم شركاء الديكتاتورية توقيعاتهم؟ هذا هو التأثير المخادع للشعبوية: بناء الوهم بغية كسب تعاطف جمهور النّاخبين المنهك والمحبط من سنوات ما بعد الثورة الكئيبة. جمهور غير مطّلع على حقائق الأمور بشكل عامّ. والمؤسف أنّ هذا الشكل من الشعبوية يمكنه إذا نجح أن يؤديّ إلى فقدان الحريّات المكتسبة غالبا.

آمل أن ينتهي المطاف بهذا الفكر في تونس إلى الاندثار بفعل تناقضاته، وأن يدرك التّونسيون في الوقت المناسب مغالطة وخطر هذه الأسطورة الثورية التي أُسئ فهمها. أمّا الاحتمالات الأخرى الممكنة لتفادي هذا المنزلق الخطير، وهو أن يقع توجيه حاملي هذه الأسطورة الثورية من المندفعين إلى اللّعب باستمرار على وتر النّزعة الشعبوية الفردية من خلال إثارة شعار “الشعب يريد”، أو ما يمكن أن يكون أكثر خطورة من ذلك هو اللّجوء إلى وسائل غير ديمقراطية للبقاء في السلطة. فهناك حديث بين مؤيّدي “البناء الجديد” عن النزول إلى الشّارع إذا فشل هذا المشروع. ولم لا يُحرق صرح البرلمان “الرايخستاغ” (شاهد على نهاية الديمقراطية مع الحقبة النّازية) لدينا حتّى يكون لإرادة الشعب ما تنتقم منه؟

2-ثانيا يجب أن يكون المرء ساذجا للاعتقاد بأنّ مثل هذا النّظام السياسيّ المزعوم من شأنه أن يضع حدّا للفساد وشراء الذّمم وإساءة استخدام السيادة الشعبيّة، وأنا أعتقد على عكس ذلك أنّه سيساهم أكثر بكثير من النّظام الحزبي الحالي في تطوير ونشر الفساد وشراء الضمائر    و ترذيل “الشؤون العامّة”. علما وأنّ المشهد البرلماني المؤسف، الذّي نتابعه اليوم على المستوى المركزي سيتضاعف ب 265 عضوا على الأقلّ، ولا يمكن أن يختفي شبح الفساد إلاّ بإرادة سياسيّة ثابتة ومتعدّدة الأبعاد، معركة يقودها سياسيون شريطة ألاّ يكونوا هم أنفسهم من الفاسدين كما هو الحال، مع الأسف، في تونس. وعلى الرئيس قيس سعيد، صاحب النّزاهة والرّجل فوق الشبهات، وأنا مدرك لما أقول، أن يستغلّ منصبه ليشرع مع الحكومة في سياسة حقيقية لا هوادة للقضاء على الفساد، كما كان الحال في روندا، وأن يشهّر بالفاسدين ويجعلهم منبوذين عوضا عن استخدام الأحلام الطوباوية.

3-أخيرا نرى أن تطبيق هذا النظام السياسي سيتطلّب وقتا طويلا وموارد مالية إضافية، ونحن نعلم أنّ التحدّيات الكبرى التي واجهتها بلادنا في السنوات الأخيرة تعود إلى مسألة كيفية التعامل مع الوقت والمال. فالبلاد تمتلك ما يكفي من المشاريع السياسية والقانونية البحثيّة وغيرها، لكنّنا ظللنا طيلة السنوات العشر الماضية نستعيد ونقدّم المشاريع والمشاريع المضادّة في جميع الاتّجاهات: من الهيئة العليا للثورة إلى الدّستور الصغير الأوّل فالدّستور الصغير الثاني، والتنظيم المؤقّت للسلطات العامّة، ثمّ المجلس التأسيسيّ فمؤتمر الحوار الوطني وما إلى ذلك من المشاريع… دعونا نوقف زوبعة التجارب والمشاريع المؤسسيّة. فيمكن لهذا الإصلاح المؤسساتي، في صورة عدم إدراك حجم المخاطر المحدّقة، أن يزيد الوضع سوء.

فالشعب وخاصّة فئة المحرومين منه تحتاج إلى الخبز وتحسين الأجور والسكن ومياه الشرب وإلى دولة قويّة من حيث النّظام والمالية. إذ تورد ديباجة الدستور السويسري في مفتتحها      ” إنّ الحرّ هو من يستخدم حريته وأنّ قوة الجماعة تقاس بمدى رفاهية أضعف أعضائها” هذا هو هدفنا المشترك. فأنا لا أؤمن بأيّ حال من الأحوال أنّ إصلاحا هيكليا آخر من شأنه أن يضمّد جراح الشعب التّونسيّ ويمنح ضعاف النّاس الرفاهية التي ينشدونها، وأمّا ما سوى ذلك من الدّعاوى فهو سعي إلى إضفاء الطابع الدّيمقراطي على المعاناة والإحباط، وتشتيت انتباه الجمهور دون جدوى والفشل في حلّ أيّ مشكل من المشاكل.

ماذا تبقّى من هذا كأولوية مطلقة؟ إنّها إصلاحات عميقة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية ومالية. ومن المرجّح أن يتمّ إجهاض هذه الأولوية إن لم نقل إلغاؤها في ظلّ التكوين الدّستوري والسياسي الحالي عندنا. ولذلك فمن الملحّ بالنسبة إلينا تصحيح نقاط الضعف في الدستور الحالي في اتّجاه تبسيطه واتّساقه.

لنبدأ إذن بالمنطقي والأهمّ، هذا السؤال الذي يتعلّق بتنظيم السّلطات العامّة، وسيكون من الضروريّ في هذا الصدد من خلال مراجعة الفصل الرابع من الدستور، أوّلا وقبل كلّ شيء، استعادة وحدة السلطة التنفيذيّة إمّا لصالح رئيس الجمهورية أو لصالح رئيس الحكومة. ثمّ علينا بعد هذه الخطوة مراجعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان. وسيكون أمامنا في هذه الحالة خياران بين فصل أكثر أو أقلّ حدة بين البرلمان والسلطة التنفيذية، ممّا سيعيدنا إلى منطق النّظام الرئاسيّ، أو إلى نموذج للتعاون أو الارتباط بين السلطتين والذي يقودنا إلى النّظام البرلماني.

ومن المفروغ منه أنّه لا يوجد شيء اسمه نظام رئاسيّ أو برلمانيّ محض، الأمر كلّه هو مسألة جرعة. ومع ذلك فإنّ نظام الارتباط أو التعاون بين القوّتين لا يمكن أن ينجح مع النظام الانتخابي الحالي. وليس من المرجّح أن يحقق هذا النظام المستنسخ على شاكلة النظام المستخدم في انتخاب الجمعية التأسيسية أغلبية برلمانية حقيقيّة. وإذا كان قد تمّ اختيار هذا النظام الانتخابي للجمعية التأسيسية فقد كانت الغاية من ذلك عرقلة الاتّجاه إلى الأغلبية التي كان من الممكن أن تحتكر صياغة الدستور لمصالحها الخاصّة. واستطعنا أن ندرك هذه الغاية. وانطلاقا من ذلك، كان من الضروريّ تغيير النظام الانتخابيّ في انتخابات مجلس نواب الشعب، ولاسيما طريقة التصويت، بدل أن يقع اللجوء إلى استنساخ النظام الانتخابي الذي اعتمدته الهيئة العليا للثورة لانتخاب مجلس النّواب. لأنّ منطق الجمعية التأسيسية ليس هو نفسه منطق البرلمان التشريعيّ. وتبعا لذلك، فإنّ المشكلة الحقيقية ليست في الدستور ذاته بل المشكل على مستوى القانون الانتخابيّ الذي يجب مراجعته من أجل ضمان تمثيل واضح ومتماسك للنّاخبين، بدلا من هذه الفسيفساء من الأحزاب وتحالفاتها المتقلّبة والقابلة للانقلاب والضعيفة وغير الفعالة في نهاية المطاف.

هذه هي المبادئ الهامّة التي يجب أن يعهد بتحقيقها إلى فريق من الخبراء الأكفاء والمستقلين، ويجب، مع الأسف، أن تتّبع إجراءات المراجعة المرهقة المنصوص عليها في الفصلين 143 و144 من الدستور.

ولننتقل الآن إلى ضرب من التبسيط لنقول إنّ دستورنا يعاني من أعباء مؤسسيّة وإجرائيّة. فقد أدّت النّزعة الثنائية المميّزة للسلطة التنفيذية وستؤدّي إلى تضارب في الاختصاصات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. ومع ذلك يجب علينا ضمان وحدة السلطة التنفيذية، أمّا بالنسبة إلى الإجراء التشريعيّ، ولاسيما المادّة 81 المضحكة والمثيرة تقريبا التي يجب تنقيحها لتحقيق أهداف البساطة والوضوح والجدوى. كما يجب أن تكون طريقة تعيين أعضاء المحكمة الدستوريّة بعيدة عن إرادة ومزايدات الأحزاب السياسيّة. ومن المعلوم أنّ الدستور اعتمد في يناير(جانفي) 2014 ولم يتمّ حتّى التاريخ الحالي انتخاب أعضاء المحكمة الدستوريّة، وذلك بسبب المواجهات الحزبية، والتي ستنتج لنا بالضرورة محكمة دستوريّة مسيّسة إضافة إلى الأعضاء المستقلّين والمتعاونين والذين سيكونون على الأرجح من غير الأكفاء. أمّا ما يُسمّى بالسلطات الدستوريّة المستقلّة التي هي موضوع الفصل السادس من الدستور فقد كانت في واقع الأمر موضوع إقرار قسري في دستور 2014 مع الأسف. غير أنّ معظم ما جاء فيها سواء من خلال أهدافها أو وظائفها فهي غير دستوريّة. إنّها في الحقيقة سلطة إداريّة مستقلّة يجب أن يُترك أمر تنظيمها وعملها للقانون.

سأختم ملاحظاتي بقراءة عامّة حول الوضع السياسيّ والثقافي للدّولة والمجتمع. لأقول إنّ تونس اليوم واقعة تحت تأثير مزدوج لخطاب شعبوي ومحافظ مشوب من جانب آخر بشدّة بنزعة التديّن. وفي هذا الخطاب الشعبويّ المحافظ لا يمكن قياس التناقضات فيه، إذ يدّعي رئيس الجمهورية أنّه لا يمكن للدّولة أن يكون لها دين معلوم في حين تبدأ خطاباته بالابتهالات والسعيّ إلى تفسير النصّ الدستوريّ في ضوء النصّ القرآنيّ، معتبرا أنّ النّص القرآني قطعي في أحكامه غير منفتح للتأويل. وبالتالي فإنّه يجعل للنّص القرآني قيمة أعلى من الدستور. وهذا مظهر من مظاهر التناقض التي أقلّ ما يمكن أن يقال فيها أنّ رئيس الجمهوريّة الذي يدّعي أنّ الدّولة لا يمكن أن يكون له دين، وهو أمر غاية في السخافة، يقدّم نفسه مثل سلطة دستورية ومؤوّل للنصّ المقدّس. فإذا كانت الدوّلة لا يمكن أن يكون لها دين، فما الذي يقوم به رئيس الجمهورية ورأسها من سعي إلى صهارة التفسيرات اللاّهوتيّة؟ وعلاوة على ذلك نرى أنّ هذا الموقف كما بيّن ذلك عديد من الزملاء المختصّين في مسائل التفسير الإسلامي هو موقف أوليّ ومبسّط، يتناسى أنّه لا يوجد نصّ ولا جملة ولا مصطلح ولا حتّى علامة ترقيم محصنّة في النصّ المقدّس ضدّ اختلافات المفسرين. ففيما يتعلّق بمسألة الميراث وعقوبة الإعدام ومسائل التوجّه الجنسيّ نرى أنّ الرئيس صاحب وجهة النظر السطحيّة وغير العميقة والمشتركة لهذه المشاكل يفكّر في الواقع مثل الإسلاميين السلفيين. وأنا ما زلت أفضّل الإسلاميين المنفتحين على الإسلاميين المقنّعين أصحاب التقيّة. فمعركة الرئيس مع النهضة تدور حول السلطة ولذلك علينا ألاّ ننخدع بهذا الخطاب.

يبدو لي أنّه من الملحّ اليوم إنشاء حركة ثقافية وسياسية علمانية كبيرة بخيارات واضحة ومن دون تنازلات سياسية تتجاوز الإيديولوجيات الحزبية وتدافع عن مكاسب الاستقلال والإرث البورقيبي وذلك من أجل الدّفاع عن المجتمع التونسي والدّولة التونسية ضدّ غزو الأسلمة السياسيّة والدستوريّة.

 

الرابط الأصلي للمقال:

https://www.leaders.com.tn/article/30540-yadh-ben-achour-la-revision-constitutionnelle-entre-utopie-et-realisme?fbclid=IwAR16Frde4nBATIeNqpTjS8jsdRhwEIP0wZ42luvxOPIENHDaXKFMPZCod8I

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP