الجديد

في البرلمان: النقد للغنوشي .. والعين على الحُكومة

المهدي عبد الجواد

أصدرت أربع كُتل برلمانية بيانا مشتركا، تُدين فيه تحركات رئيس البرلمان الخارجية، و تتبرّأ من تبعات ذلك. ولعل اللافت في هذا البيان يتمثل في  الكُتلُ التي أمضته، فإضافة إلى “تحيا تونس” و “كتلة الإصلاح” اللذان يُشاركان النهضة مساندة الحكومة وعضويتها، نجد كتلتي “قلب تونس” و “كتلة المستقبل”، اللذان لم يُعرف عنهما معارضة شديدة لحركة النهضة ناهيك عن رئيسها. و مُقابل هذا الحضور تغيب على هذا البيان “الكتلة الديمقراطية” (التيار الديمقراطي و حركة الشعب)، التي يُعارضُ مكوناها بشكل صريح النهضة و رئيسها رغم “مشاركتهم” إياها ائتلاف الحُكم.

قد يبدو الأمرُ بريئا وعاديا، ولكن عوالم السياسة في تونس تقول أن لا شيء بريء. خاصة وان هذا البيان يجيء في لحظة سياسية متوترة، تتصاعدُ فيها التجاذبات السياسية والصراعات الحادة حتى بين مكونات ائتلاف الحُكم نفسه، وفي وقت تتسارعُ فيه الاستعدادات لمرحلة ما بعد الكورونا مع ما تستوجبُه من استعدادات لخوض فترة من الحكم صعبة، فيها إجراءات اقتصادية و اجتماعية قاسية، و شرط ذلك تضامن حكومي كبير، وتحالفات سياسية متينة، غير متوفرة اليوم في “فريق الحُكم” الحالي، وقد يصل الأمر إلى تغيّر في تحالفات الُحكم يقود إلى تحوير وزاري جزئي أو كبير.

حكومة الوحدة الوطنية .. التوسيع أم التغيير؟

تتمسّكُ حركة النهضة بحكومة وحدة وطنية، وهو مطلب سياسي يخبو ويتصاعدُ بحسب تطور الإحداث السياسية، وبحسب نسق العلاقات داخل ائتلاف الحُكم خاصة. فلا يخفى على الكثير من المراقبين أن مشاركة التيار الديمقراطي وحركة الشعب في الحكومة مع النهضة يبدو”غريبا”، خاصة وأن هذان الحزبان لم ينخرطا سابقا في الحُكم و يفتقدان إلى التشبّع بقيمه والقبول المرن بإكراهاته.

وهو ما تجلى بسرعة في الخصومة المفتوحة المُندلعة بين قيادات حركة الشعب وحركة النهضة، والتي غذّتها “إشاعات قوية” حول نقاشات داخلية في هياكل حركة الشعب تدفع نحو الانسحاب من الحُكومة. و يتجلّى أيضا في الجفاء الموجود بين التيار الديمقراطي والنهضة التي لا يبدو أنها تنظُرُ بعيون الرّضى للصلاحيات الممنوحة لمحمد عبو، ونفوذه المتزايد وتأثيره على محيط رئيس الحكومة.

تحالف يرى النهضويين أنهم لم يستفيدوا منه  شيئا، غير زيادة أوجاع الرأس. و تأتي فكرة “تعزيز الائتلاف الحكومي” لفكّ الطوق السياسي و توسيع هامش المناورة السياسية، ناهيك على الثقل البرلماني الذي ستحظى به الحكومة.

اذ ان انضمام كتل أخرى كقلب تونس و المستقبل او حتى الكتلة الوطنية سيجعل تأثير الكتلة الديمقراطية محدودا، ويُخفّف من الضغوط على رئيس الحكومة وحركة النهضة و يُحرّر الإرادة السياسية لكليهما. هذا علاوة على إحراج الحليفين “التيار و الشعب” بدخول كُتل جديدة، قد لا تتقبّلها قواعدهما الانتخابية لأسباب مختلفة. وكل ذلك يجعل “توسيع الحزام” أقرب إلى الدفع في اتجاه تغيير الائتلاف الحكومي منه الى توسيعه.

البيان برلماني .. والمعنى سياسي؟

إن البيان الصادر أمس عن الكتل الأربعة (قلب تونس، تحيا تونس، الاصلاح والمستقبل، وهي كلها من مكونات النداء التاريخي) ، يشي بإمكانيات أكبر للتنسيق بين الكُتل المُمضية عليه. تنسيق كان قويا عند الاطاحة بحكومة الجملي الاولى، و عند التصويت ضد صندوق الزكاة. و من شأن هذا التنسيق – إن كُتب له التّحقّق- ان يخلق توازنا برلمانيا، تبحثُ عليه حركة النهضة، لضمان شركاء في الحُكم يتحملون معها، مصاعبه و متاعبه كما يتمتعون بفوائده.

ان هذه الكتل الأربعة مجتمعة، يُمكنها ليس تعويض الكتلة الديمقراطية فقط، بل خلق قوة برلمانية و سياسية يُمكن ان تكون بديلا للحكم، يستفيد منه الجميع. تستفيد منه النهضة، بالتخلّص من “شريكين” في الحكم في مرتبة الخصم، يُناصبها العداء. و تستفيد منه تحيا تونس، الذي تبدو مشاركته في الحكومة “باهتة”. فوزيرا تحيا تونس، يبذلان جهودا كبيرة و يقومان بتنشيط وزارتيهما بطريقة لافتة، لكن مساهمتها تبدو “تقنية” غير سياسية. حتى لا يكادُ المُتابع للجوانب السياسية في الحكومة أن يتذكّر مشاركة تحيا تونس فيها، عكس التيار و الشعب و النهضة.

إن تغيير “الائتلاف” سيمنح “تحيا تونس ” حضورا أقوى سياسيا، خاصة و انه حزب خبر شؤون الحكم و الإدارة. كما سيستفيد منه قلب تونس و كتلة الإصلاح و المستقبل، فمشاركتهم في الحكومة، ستسمح لهم بممارسة الحُكم و تنفيذ جزء من وعودهم الانتخابية من جهة، و ضمان استقرار الكتل و إيقاف نزيف الانسحابات، لان السلطة و ما فيها من بريق “تُجمّع” أكثر مما تُفرّق المعارضة.

ان النّقد الموجّه لراشد الغنوشي في البرلمان قد تكون له معاني خفيّة في السياسة و في الحُكم. الكلام للغنوشي و العين على الحكومة، و هو يكسر الصورة التي لحقت بعض هذه الكُتل خاصة كتلة قلب تونس بكونها “حليفة” للنهضة مما يسمح لها بهامش من المناورة. كما ان “تجمّعا” نيابيا مهما يخلق فرصا حقيقية، لإعادة تنظيم توزيع القوى في برلمان سمته التشتّت. ويسمح بفرز آخر في الساحة السياسية، قائم على الأفكار والبرامج و”استرتيجيا الحُكم” بدل “استراتيجيا الهدم” التي تعلو أصواتها منذ مدّة.

هذه التوقعات إن صحّت ستسمح لرئيس الحكومة بمراجعة تشكيلة حكومته، وتقييم عمل وزرائها. و تسمح للأحزاب أيضا بالقيام بنفس الشيء، إذ لا نعتقد أن رئيس الحكومة بعد نهاية الجائحة، سيغفل عن القيام بعملية تقييم شاملة، شأنه شأن الأحزاب، التي يبدو أن “نجومية” بعض الوزراء الإعلامية صار لها تأثيرها في معاركها الداخلية.

إن البيان الرباعي الأخير وان كان ظاهره  مُوجّه للغنوشي وللنهضة، و لكنه يظل في مجال الاختلاف السياسي، داخل منظومة الحُكم. اعتراف تحتاجه النهضة و يحتاجه طيف واسع من الكتل و الأحزاب و النّخب السياسية التي تؤثث المشهد اليوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP