الجديد

في ذكرى الثورة: حرب باردة تحت شعار الإنقاذ

شعبان العبيدي

كلّما عادت ذكرى ثورة 17 ديسمبر إلاّ واستعادت معها ضجيجا واسعا وتحرّكات واتّهامات موجّهـــــــة بالأساس لحزب حركة النّهضة وتحميله مسؤولية فشل الثورة في تحقيق أهدافها، واستعادت مشهدا يدمي للتشتت السياسي والاجتماعي ظهر سابقا في احتفال كلّ فريق منفردا بعيد الثورة وكــــان شارع الحبيب بورقيبة في السنوات السابقة خلال هذه الذّكرى فضاء للوحة دراميّة لهذا الصّراع السياسي الأيديولوجي والعنف والاتّهامات المتبادلة.

غير أنّ هذه السّنة يبدو وكأنّ الأحزاب السياسية كلّها بما فيها الرئاسيات قد بردت الهمم وخارت العزائم مع الخيبات المتتالية فـــي التوجّه منذ 2012 إلى مشــــروع وطني متكامل لإعادة بناء البلاد. وكأنّ الطبقة السياسية بكلّ أطيافها على استحياء من الخــــروج إلى الشعب والجهات.

الخطاب الأيديولوجي والشعارات الشعبوية

من المظاهر الثابتة التي عرفتها السّاحة السياسيّة خاصّة بعد انتخابات 2015 وقبلها خــــــــلال مرحلة الحكومات المؤقّتة في ظلّ المرحلة التّأسيسية ما عرفته البلاد أنّ ما عـــــــــرفته البلاد من اضطرابات   واحتجاجات وإضرابات مطلبية وتحرّكات سياسية قائمة في أساسها على رفض نتائج الانتخــابات التي اعترف الجميع بشرعيتها ونزاهتها. لكنّ الخطاب الوحيد الذي كان يرفــــــــع ويتمّ بــه التجييش وحتّى التحرّكات المطلبية ليس المصلحة الوطنية والاجتماعية وتحقيق العدالة خاصّة للطبقة الفقيـــرة والعاملة والمهمّشة وإنّما العداوة السياسية. وبهذا كان السعيّ إلى إسقاط ما يطلق عليه ” المنظـــــــومة الحاكمة”    أو “نظام الحكم” يوظّف كلّ الوسائل الإعلاميّة والسياسية والنقابيّة لهذا الغرض ليس إلاّ.

ثمّ تأتي الانتخابات الأولى الرئاسية والتشريعية والتي أسفرت عن ترشح المـــرحوم الباجي قائد السبسي لرئاسة الجمهورية مع فوز حزبه نداء تونس بالمرتبة الأولى في البـــرلمان دون تحقيق أغلبية تمكّنه من الحكم. واصطفت المعارضة وكلّ القوى التي تعادي النهضة خلفه، وكانت ترى في إعـــــــادة المنظومة القديمة بقيادة رئيس نداء تونس الخلاص الوحيد للبلاد واستعادة التحكّم في الدّولة. ولم تكن هذه المنظومة ثورية ولا تحمل في أفرادها ولا في منتسبي حزبها الكبير إلاّ استعـــدادة ورسكلة للـــــــــوجوه التجمعيّة والدستوريّة والنقابية.

ولم يكن ذلك يمثل حرجا لدعاة المبادرات. ولكــــن المأزق الذي أغـــــــرق سفينة الخلاص كان مع لحظة تكوين الحكومة إذ لم يصل الـــرفاق من اليساريين والدّساترة إلى تكــوين أغلبية، وكان تراجع الباجي عن مقولته الشهيرة “أنّ النداء والنهضة خطّــان متوازيان لا يلتنقيان” ولكنّهما التقيا تحت شروط سياسية لاستمرارية الدّولة وأجهزتها. وبقطــع النّظر عمّا حفّ بهذه المرحلة التي عــــرفت حكومتي الحبيب الصيد ثم يوسف الشاهد، فإنّ تحقيق أهداف الثورة ولو جزئيا خاصّــة منها الاجتماعية والاقتصادية وإنقاض الاقتصاد والتصدّي للتهريب والفساد لم ير النّور، بل طغت من جديــــــد المعارك السياسية والاتّهامات وكان الإعلام الفضاء الفاعل والموظّف في خدمة هذا التوجّه والعمـــــل على مزيد تسخين الصّراع.

وهكذا تحوّلت السّهام نحو الرئيس الباجي وحزبه ثمّ نحو حكومــــة الصيد ثم حكومــة الشاهد. وكان الشعار المرفوع والمعتمد لإطلاق الحكم الصـــادر مسبّقا ” المنظومة الفاشلة” و” الــرئيس الفاشل”. هكذا كانت الفصائـــــــــل التي وجدت نفسها في حاشية المتن لا تقدر إلاّ لعب دور القــوارض.

مع عيد الثورة الجديد الحزين، الذي لم ترافقه احتفالات ولا وقفة وفاء ومراجعة للشهداء الذين سقطوا من   أجل الكرامة والعدالة والسلــم الوطني، رغم أنّه يعود في ظلّ رئيس جديد للجمهــــــورية وبرلمان جديد. ولكن يبدو أن الجميع فضّل على استحياء الصمت والتهنئة والترحم على الشهداء من خـــلال بيانات فيها اعتراف بعدم النّجاح والخيبة السياسية في تحقيق أهداف الثورة.

ولم يكن في المشهد التونســـي إلاّ مشهد بطولي وطني حقوقي صادق لرئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي وهو يتلو الفاتحة على قبــــر الشهيد محمد البوعزيزي، ومن خلال كلمته الّتي كشفت لمنظومة حاشية المتن التي استنفدت كلّ وسائلها وأساليبها الماكرة واللاأخلاقية و تعفين الوضــــــع السياسي و الدّفع الأقصى نحو مطلبية مغلفة سياسيا والتحريض على الاعتداء على رئاسات الدّولة برمزيتها وليس في أشخاصها، إضافة إلى المكر السياسي لحزب حركة النّهضة الذي أصبح همّه المحافظة على تواجـــده في الطليعة وضمن الأحزاب الأولى حتّى تبقى عينه على إدارة دواليب الدّولة، وهو ما صرّح به –وأظنّه يقينا صادقا في ذلك- (أنّ النّهضة غدرت بالثورة التونسية). هذا ما دفع به إلى الخروج من الحياة السياسية.

المبادرات والظهور الإعلامي في شهر الثورة

كانت الانتظارات كبيرة خاصّة لأحزاب المعارضة وخاصّة التيار وحركة الشعب واليسار مع وصول الرئيس قيس سعيد إلى الحكم. وكانوا يرون فيه نموذجا للرئيس المفلّق والصادق والرّافع لشعار تجــــــــــريم التطبيع والشعب يريد تحقيقا لحلم طوباوي يعيش من أفيون الخطابات الهوجاء والشعارات والأحلام التي تفتقر للحسّ التّاريخي السياسيّ والواقعية السياسيّة. في الوقت الذي كان أغلب رجال القانون والباحثين يعتبرون قيس سعيد بعد مرور مائة يوم من حكمه ظاهرة شعبوية. ومن هنا بدأ التشكيك في رئاسة الجمهورية وفاعليتــــها خاصّة مع بعض المواقف الصادمة للرأي العامّ في زيارته لفرنسا وموقفه من التطبيع الخليجي. وكانت هذه الأحزاب ترى نفسها في الرئيس وتردّ كلّ شيء إليه مثل اختيار رئيس الحكومة الأوّل وخيبة نهايته، وانتهاء باختيــاره للمشيشي.

وكان الدّفع نحو حكومة كفاءات خيارا لهذا الفريق قصد تحييد الدّولة ظاهرا ولكن الغاية هو إخراج النهضة من الحكم. ثمّ جاءت اللّحظة الحاسمة في التّصويت لهذه الحكومة لتنال ثقة البـــــــرلمان وتشرع في ممارسة مهامها. لتنقلب مــــواقف الائتلاف الديمقــــراطي لمّا أبدى الائتلاف المضادّ مسانـــدته ومنحه الثقة للحكومة، ليصبح رئيس الحكومة بين ليلة وضحاها رئيسا خاضعا لهذا الحزام السياسي. وجليّ للعيان أنّ هذه المواقف انفعاليّة وأيديولوجية وليست موضوعيّة لافتقادها للأدّلة على الأقلّ. بل انكشف الغطــــــاء على أنّ الفرقاء السياسيين منشغلون بتصفية حسابات سياسية لا علاقة لها بإنقاذ الوضع أو الـــدّفع نحو الاستقــــرار السياسي الضامن الوحيد لكلّ عمليات الإصلاح وبداية عملية تنموية وإصلاحية على أسس واضحة تستجيب لمتطلبات المرحلة في مواجهة مشكل البطالة والتشغيل والأمن القومي ومشكل المؤسسات العمومية. وخاصّة بعد ظهور محمد عبّو الأمين العامّ السّابق للتيّار في محاولته الدّفـــــاع عن رئيس الحكــومة إلياس الفخفاخ وخروجه بملفات يتّهم فيها حزب حركة النّهضة بالفساد وتبييض الأموال عبر قنوات إعلامية، ثمّ دعوته الغريبة وهو الحقوقي للرئيس قيس سعيد بحلّ البرلمان والدّعوة إلى عسكرة نظام الحكم.

تعالي أصوات إسقاط منظومة الحكم: شعبوية الهامش

طبعا في ظلّ حياة سياسية قائمة على الانفعالية الطفولية والشعبوية الخطابيّة لم يكن غريبا أن تكون السنة السياسية الجديدة في ظلّ الوضع الوبائي وآثاره الكبرى على العالم أجمع -إذ تشير تقارير البنك الدّولي أخيرا خلال هذا الشهر إلى النتائج السلبيّة لهذا الوباء على ارتفاع نسبة البطالة والفقر وتسارع هبوط وتيرة النشاط الاقتصادي -أن يكون البرلمان مسرحا لاستعراض ميلودرامي وسقوط أخلاقي في لغة الخطاب وصولا إلى العنف بشتّى أنواعه. وكان المشهد مريحا بالنسبة لبعض الكتل مادام يستهدف الخصم اللّدود. ثمّ جــاء نقاش مشروع الميزانية الذي أعدتّه الدّوائر الحكومية وإداراتها، وما صاحبه من لغط ورفض انتهاء إلى المصادقة عليه رغم إسقاط فصـــول اجتماعية منه. لتصبح المصادقة عليه عند الكتلة الديمقـــــراطية مدخـــلا للظهور الإعلامي وركوبه مطية لتسخين الجوّ واعتباره مشروع ميزانية للفاسدين وخدمتهم. وأصبـــح بعض هؤلاء السياسيين من الوافدين الجدد متضلّعين في التحاليل المالية.

وهو ما ردّ عليه بعض رجال الاقتصاد ووزيــر المالية الأسبق بأنّه لا بدّ من وجود قانون مالية للحكومة ثم إنّ وجوده على هذا الشكـــــــل خير من عدمــه، وأضاف بعض هؤلاء أنّ النّواب الذين يخرجون ويتحدّثون في قانون المالية يجهلون في الواقع هذا المجال. وهذا لنفهم أنّ الغاية هي التوظيف السياسي لكلّ حدث أو مشروع ليفرّق هؤلاء بينهم الأخيار وبين الآخرين الأشرار. وبدا واضحا من خلال المنابر الإعلامية واستغلال الحدث البرلماني لما ورد على لســــان نائب ائتلاف الكرامة في مناقشة ميزانية وزارة المرأة وقودا كافيا لإشعال الفتيل والدّفع هذه المرّة نحو برنامج جاهز هو إسقاط حكومة المشيشي. وبدا هذا واضحا من خلال الرّكوب على مبـــادرة الحــوار الاقتصـــــادي الاجتماعي التي تقدّم بها الاتّحاد.

فظهرت مبادرات أخرى منها مبادرة هيئة المحامين، في حين يعتبر الأميــن العام للتيار الديمقراطي أنّ حزبه أول من أطلق مبادرة حوار اجتماعي واقتصادي تجمع كلّ الأطراف. ليخرج حمّة الهمامي اللّيلة بدعوة جديدة وخطاب شعبوي يعيد تسخينه من جديد يدعو إلى ثورة على النّظـــام الحاكم وإسقاطه وبناء نظام جديد.

ومما يزيد الوضع السياسي تأزّما و يفتح الأبــواب على مخاوف محتملة من هذا الدّفع والشحــــن الشعبويّ المحمول على العداء السياسيّ ليس إلاّ، رغم محاولته التلحّف بما وصــــل إليه الوضع من انهيار اقتصادي واجتماعي، هو توجّه في الإعلام المكتوب إلى محاولة تذكير الشعب بفترة الرئيس السابق وفضائـــل التجمع الدستوري الديمقراطي أو الاتّجاه نحو بثّ مزيد من اليأس والتشكيك في الثورة وتحويلها إلى شكل عقابي بما جنت أيدي الجماهير.

الكلّ يتحمّل المسؤولية والشجاعة في تعيين جميع أطراف الأزمة

غير أنّ هذه المساعي المختلفة سياسيا وإعلاميا وهذه المبادرات التي بدأت في سباق محموم وكأنّه قد حان قطاف ثمرة الحركات الاحتجاجية والسعيّ إلى مزيد إشعالها رغم إدراك الجميع لوضع الدّولة وعدم قدرتها على تحقيق مطلبية آنية، لا تقدّم قراءة موضوعية لما سبق الثورة وما عرفته البلاد من استشراء للفساد في كلّ مجالاتها ومؤسساتها وما باتت عليه من تحكم العصابات واللّوبيات في الاقتصاد الرسمي والمــــوازي والتهريب والمخدرّات. وأنّ الحكومات التي تتالت لم تجد دولة متعافيّة قادرة على المسك بزمام الأمور في ضلّ الخوف من اللّجوء إلى منطق العنف وعدم استقرار الوضع بما لم يسمع للحكومات المحكـــوم عليها بوصمة الفشل منذ البداية وتعرّضها للقصف السياسي،

هذا إضافة إلى المطلبية المشطّة وما صاحبـــها من إضرابات لا تحصى وانفلات في المؤسسات وضعف في الإدارة بشكل حقّقت معه مختلـــف النقابات ما لم تحّققه خلال 23 سنة من حكم التجمع، أمام غياب جهة محكّمة وعقلاء يوقفون النزيف. وليس غريبا اليوم    أن نرى في هذه المبادرات واللّقاءات عودة لوجوه من النظام القديم إعلاميا وسياسيا لإسقاط منظومة الحكم القائمة واستبدالها، وكأنّ الانقلاب أو مواصلة مسرحية ترحيل كلّ حكومة في وقت وجيز هو الحلّ الأمثل للوضع القائم. هذا إضافة إلى أنّ الأصوات الّتي تتعالى وتحاول أن تظهر حرقتها على معاناة الشعب وفئاته الضعيفة والمتوسطة ومؤسسات الدّولة العمومية والخاصّة لا تأخذ في حسبانها الآثر الكبير لأزمة الوباء ومفاقمتها لمعاناة الدّولة.

إنّ الأزمة التي وصلت إليها البلاد نتاج حتمي لخراب الدّولة قبل الثورة و تفريخ لوبيات التهــــريب والفساد والسرقة داخلها حتّى باتت دولة عصابات أو مافيات، وهي كذلك نتاج عقلية مجتمعية اعتبرت الثورة وسيلة لتحقيق الثراء و المسكن اللائق والشغل في يوم و ليلة، ونتاج سياسي شاركت فيه كلّ الأطــــراف وعمّقته وأوصلته إلى أرذل حال حين استطاعت الثورة المضادّة أن توظف الجميع وحفظ الوضع عند درجة عالية   من التدهور في نظام فاسد هائل، يسعى بكلّ الطرق أن يظهر المشروع الديمقــــراطي للتونسيين على أنّه ديمقراطية فاسدة ونظام للأغبياء.

ومن هذا المنطلق فإنّ أيّ حوار محدّد و واضح العناصر يقرّب أوجه النّظر من أجل البحث عن سبل للخروج من الأزمة ويعتمد على المصارحة و عدم مواصلة منطق التنزيه لهذا الحـــــــــــزب أو هذه المنظمة أو تلك و الاتفاق على ضرورة أخذ الحكومة سلطتها وحزمها في مواجهة مختلف القضـــــــايا بعيدا عن المـــزايدات السياسية والاتّهامات أو التباكي وبعيدا عن الشعبوية الملغّزة  والعنتريات وإلاّ فإنّه من باب إضاعة المزيد من الوقت و مزيد العراك السياسيّ  الذي يحـــــــاول من خلاله بعض المبتدئين أو بعض مدعي ملكية المعرفة أو بعض المعادين للثورة تحقيق شيئا من البوز السياسي.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP