الجديد

ما بعد استفتاء 25 جويلية .. رفض الداخل و ضغط الخارج  

منذر بالضيافي

 في هذه الورقة، محاولة لرصد تفاعل الداخل والخارج، مع نتائج الاستفتاء على دستور “الجمهورية الجديدة”، وللظروف والملابسات التي تم فيه هذا الاستفتاء – الاثنين 25 جويلية 2022 -، ولهذا الدستور الذي كان محل رفض كبير من قبل معارضة ونخب الداخل، وانتقادات ارتقت الى ضغط متصاعد من الخارج.

 اذ أعتبر الدستور من قبل الطرفين ( الداخل والدول الديمقراطية الغربية )، يكرس حكم “الراجل الواحد”، ويهدد مدنية الدولة و المكاسب التي تحققت طيلة عشرية “الانتقال الديمقراطي”، التي تلت ثورة 14 جانفي 2010، و الذي توقف قطاره في 25 جويلية 2021.

بعد تفعيل الرئيس سعيد المادة 80 من دستور 2014، واعلان “الحالة الاستثنائية”، قرار قوبل بتفهم جل قوى الداخل ( باستثناء الاسلاميين وحلفائهم )، وايضا غالبية الخارج التي رأت فيه مرور بقوة passage en force، اقتضته حالة العجز عن ادارة البلاد، التي أصبحت تهدد كيان الدولة، وذلك على خلاف دستور “الجمهورية الجديدة”، الذي قوبل برفض متصاعد قبل وبعد الاستفتاء من الداخل والخارج على حد السواء.

مثلما كان متوقعا فان ” نعم” للاستفتاء هي التي مرت وبنسبة كبيرة ، ومثلما كان منتظرا أيضا فان الاستفتاء زاد في تعميق حالة ” الانقسام” المجتمعي والسياسي، التي أصبحت واقعا لا يمكن تجاهله، و تشكل خطرا على انسجام المجتمع و وحدته، خصوصا في ظل تواصل الخطابات المتشنجة من كل صوب وحدب، و التي زادت في تقسيم المقسم، كما اعادت نتائج الاستفتاء على الدستور الجديد، الجدل حول “الشرعية” بين الرئيس ومعارضيه.

اما في الخارج فان الدستور الجديد، كان محل انتقادات من قبل الدول الغربية واعلامها، وخاصة الولايات المتحدة الامريكية، التي جاء موقف وزير خارجيتها ناقدا بشدة وبلهجة ” خالية من دبلوماسية”.

وعاد الخطاب الرسمي والاعلامي الامريكي، الى التشديد على ضرورة التمسك بالديمقراطية والتشاورية،  في ادارة البلاد وفي وضع الاصلاحات، خطاب اثار حفيظة العديد من التونسيين، حتى من غير أنصار الرئيس، وأعتبر تدخلا سافرا من قبل الدبلوماسية الأمريكية في الشأن الداخلي، خصوصا وأن تعليق الوزير بلينكن، تزامن مع تصريحات “صادمة” وغير مقبولة منسوبة للسفير الأمريكي الجديد، الذي من المتوقع أن يقدم أوراق اعتماده في قادم الأيام.

المواقف الغربية والأمريكية، من الدستور الجديد ومن الاستفتاء،  لكانت أيضا محل رفض من قبل الرئيس قيس سعيد، عند استقباله اليوم ( الجمعة 29 جويلية 2022 )، لوزير الخارجية عثمان الجرندي، حيث شدد سعيد على سيادة القرار الوطني، ورفض التدخل في الشأن الداخلي، ودعا هذه الدول الى احترام القانون الدولي.

فخلال استقبال رئيس الجمهورية قيس سعيد صباح اليوم الجمعة 29 جويلية 2022 ، لوزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. و بحسب بيان للرئاسة نشر على صفحتها على “فيسبوك” فقد “أكد رئيس الجمهورية على أن تونس دولة حرّة مستقلّة ذات سيادة، وأن سيادتنا واستقلالنا فوق كل اعتبار وقد شدّد رئيس الجمهورية في هذا الإطار أن من بين المبادئ التي يقوم عليها القانون الدّولي مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”.

كما “شدّد رئيس الجمهورية على استقلال القرار الوطني ورفضه لأي شكل من أشكال التدخل في الشأن الوطني، وأنه لا صوت يعلو في بلادنا فوق صوت الشعب، فالدولة التونسية تتساوى في السيادة مع كل الدول كما تنص على ذلك مبادئ القانون الدولي، وأن السيادة داخل الدولة هي للشعب التونسي الذي قدّم آلاف الشهداء من أجل الإستقلال والكرامة الوطنية”.

وهنا نجد الرئيس سعيد في انسجام وتماسك مع ما سبق ان اكد عليه، في مناسبات عديدة من رفض لكل اشكال التدخل الاجنبي، سواء التقليدي من قبل الدول، او الجديد منه ونعني هنا تقارير المؤسسات الترقيمية للاقتصاد والمالية التونسية، والتي أثرت  سلبا على علاقة تونس بالمؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، بما انها اعتبرت  قد “شوشت” وحتى عطلت نسق  المفاوضات بين تونس والنقد الدولي.

في سياق البلاد في حاجة عاجلة وماسة للاقتراض خاصة من النقد الدولي، للحد من عواقب ازمة اقتصادية حادة وغير مسبوقة وخاصة في المالية العمومية، وهنا على ذكر هذه الصناديق، واساسا النقد الدولي، وفي علاقة بالسيادة الوطنية،  فان الحكومة تقبل بشروطه واملاءاته، التي تصل الى مستوى التدخل في مسار ضبط السياسات والخيارات المحلية والوطنية، في مقابل خطاب رسمي يشدد وبقوة، على رفض الهيمنة الامبريالية.

وهو ما أعتبر – خاصة من قبل المعارضين للرئيس – بمثابة  تناقض في التعاطي مع مفهوم السيادة الوطنية ، التي يبقى تحقيقها في ارض الواقع رهين متانة اقتصاديات الدول، فضلا عن قوة الجبهة الداخلية وتماسكها، وايضا وجود انسجام في السياسة الخارجية، في علاقة بكل الدول وكل المحاور سواء الاقليمية أو الدولية، وهي عملية باتت معقدة وصعبة،  في ظل ما يعرفه العالم اليوم، من “دينامية” وسرعة في تغير التحالفات.

للإشارة،  فان الحضور الاجنبي في تونس، سواء من خلال انشطة وتحركات السفراء، او تصريحات كبار مسؤولي الدول الخارجية ( الدبلوماسية والبرلمانية  وغيرها … )،  قد ارتفع منسوبه بعد ثورة 14 جانفي 2011، خاصة مع حكم “الترويكا” بقيادة حركة “النهضة” الاسلامية، التي عملت على الحاق الدبلوماسية التونسية بخيارات وارتباطات “الأممية الاخوانية”، وهو ما أضر بثوابت الدبلوماسية التونسية، القائمة على الحياد ومصلحة البلاد، وعدم التورط في سياسة المحاور خاصة الاقليمية.

و في ظل استمرار هشاشة الوضع الداخلي، وخاصة الاقتصادي، وغموض السياسة الخارجية وارتباكها، فان اعادة الدبلوماسية التونسية الى مسارها  الذي كانت عليه ما قبل الثورة، وخاصة التأكيد على استقلالية القرار،  وضمان بل التأكيد على السيادة الوطنية، مثلما يؤكد على ذلك الرئيس قيس سعيد، ليس بالأمر الهين، خصوصا في لحظة دولية  يعرف فيها العالم  صراع حامي الوطيس، تغذى من  الحرب الروسية- الأوكرانية، وما كان لها من تداعيات على الطاقة والغذاء.

صراع بين القوى الدولية، المتضرر منه ستكون قطعا الدول ذات الأوضاع الهشة خاصة اقتصاديا، صراع مفتوح  لا يخلو من المفاجآت المرتبطة بتغير التحالفات، صراع  يروم أو على الأقل يطمح الى  اعادة تشكل العالم “الجيو استراتيجي” من جديد، على اسس وتحالفات جديدة، في مسعى يهدف الى التخلي عن هيمنة القطب الواحد ( الولايات المتحدة الأمريكية)، أو على الأقل الحد من سطوتها، والاتجاه نحو حالة تؤسس لعالم قادم متعدد الأقطاب.

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP