الجديد

ما بعد الاستفتاء: الانتقال من قيس سعيد المتخيل إلى الرئيس

هشام الحاجي

هناك ما يعتبره المتعمقون في دراسة الشأن التونسي “بديهيا” ولكنه غالبا ما يتوجب التذكير به كلما كانت تونس تواجه منعرجا تاريخيا كما هو في واقع الحال. ذلك أن “الجمهورية الجديدة” التي أعلن الاستفتاء على الدستور الجديد ميلادها، تختلف في منطلقاتها وفي رؤيتها عن الجمهورية الأولى (التي أسسها الحبيب بورقيبة بعد الاستقلال ) والثانية ( التي أسست بعد ثورة 14 جانفي 2011 ودستور 2014 ).

ويمكن دفع منطق اختلافها وما ستحدثه من “قطيعة” إلى ما هو أبعد من ذلك، لأن رؤية “صاحب الدستور الجديد” للسلط ودورها وأسس العلاقات بينها يمثل قطيعة مع الأسس التي يقوم عليها الفكر الجمهوري “التقليدي” والذي تحول منذ انتصار حركة التنوير في أوروبا إلى منجز لشعوب و ”حلم” لشعوب أخرى.

الشعبوية وسوسيولوجيا المتخيل

 

يُنظَرُ لتونس غالبا انطلاقا من مساحتها الصغيرة وعلى أساس اعتدال شعبها ومرونته. ولكن هذه النظرة التبسيطية تغيب عنها معطيات هامة لعل من أبرزها أن تونس كانت دائما نقطة إشعاع تؤثر في محيطها الإقليمي وحتى الدولي، وكذلك أن الشعب التونسي ليس مطواعا بالطريقة التي يتوهمها البعض علاوة على أنه يمتلك اعتزازا بالذات يتحول أحيانا إلى تمحور مقلق حول الذات ولكنه يمثل في أغلب الأحيان قاعدة صلبة للشعور بالذاتية والإختلاف والتميز.

على هذه القاعدة يمكن فهم بعض جوانب “ظاهرة” قيس سعيد الذي اخترق الحياة السياسية وهو الذي كان بعيدا عنها ومناهضا للطبقة السياسية التي هيمنت على المشهد منذ عقود وخاصة منذ 14 جانفي 2011.

هناك استطراد سريع يفرض نفسه ويتمثل في أن عالم الاجتماع الفرنسي جان بوديار قد وضع كتابا حول حرب الخليج الأولى كان عنوانه لافتا ومُستفِزّا وهو “حرب الخليج لم تقع” وذلك للتأكيد على أن الإنسانية قد دخلت مرحلة يتم فيها تغليب الإدراك، عن طريق التحكم في الإعلام على الواقع بكل تعقيداته وآلامه وآماله.

قيس سعيد السياسي لم يكن إلى حدود الاستفتاء على الدستور الجديد شخصية سياسية “متجسدة” بل شخصية “متخيلة” لأنه كان مقتصدا إلى أبعد الحدود في الحديث عن برامجه على نقيض خصومه الذين بالغوا في الكلام حتى فقد ما يصرحون به المعنى وتحولوا إلى ظواهر صوتية، وميالا إلى تغذية الغموض في الوقت الذي توهم خصومه أن التهافت على المنابر الإعلامية هو شرط شعبيتهم.

وقد تولّد عن قيس سعيد “المتخيل” ثلاثة نماذج هي أشبه إلى قوالب جاهزة وصور نمطية وضعه فيها الأنصار والخصوم. الصورة النمطية الأولى تغري أنصاره وتجعله “المنقذ” الذي جادت به الأقدار وما يشبه “المهدي المنتظر” الذي سينقذ البلاد والعباد من “سيئات أعمال” طبقة سياسية ملأت البلاد جورا.

هذه الصورة يتبناها أنصاره وأيضا بعض المنتمين لمنظومة النظام القديم الذين “يحلمون” بأن تفتح حرب قيس سعيد ضد أقطاب العشرية الأخيرة بابا للعودة، ولو جزئيا، إلى ما قبل 14 جانفي2011.

الصورة النمطية الثانية يروج لها خصوم قيس سعيد وتنظر له بوصفه “المخرب” الذي سيدمر كل منجزات تونس والذي سيعمق، بالتالي، متاعبها التي تفاقمت في السنوات الأخيرة.

وأما الصورة النمطية الثالثة فقد سيطرت على قطاعات واسعة من الطبقة السياسية التقليدية التي نظرت إلى قيس سعيد بوصفه “ساذجا” يسهل التلاعب به لأنه “وافد” على الحياة السياسية.

تناسى هؤلاء أنه يصعب على شخص “ساذج” أن يصبح رئيسا للجمهورية مهما انتشرت الشعبوية. وقد دفع ثمن هذه الصورة النمطية كل من رئيس “النهضة” راشد الغنوشي وزعيمة الحزب الحر الدستوري عبير موسي.

ساند راشد الغنوشي قيس سعيد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية متوهما أن “الروبوكوب” (وهي التسمية التي كان يطلقها أنصار قيس سعيد على زعيمهم الصامت) سيكون أداة طيعة في أيديه خاصة وأنه يعتبر من الناحية الأيديولوجية قريبا من التيار المحافظ.

وتوهمت عبير موسي أن دورها الفاعل في “ترذيل” صورة مجلس نواب الشعب واستهداف “الاخوان” وزعيمهم راشد الغنوشي سيجعل قيس سعيد يرد لها “الجميل” بعد تفعيل الفصل 80 من الدستور القديم، ولكن قيس سعيد لم يلتفت لها مجرد التفاتة.

وإذا كان أحد الفلاسفة قد قال “تكلم لأراك” فإنه يمكن القول الآن “ضع دستورك لأراك” وهو ما ينطبق تماما على قيس سعيد الذي وضع دستورا على مقاسه وبمفرده تقريبا.

وبعيدا عن جدل، قد ننخرط فيه مرة أخرى، حول خلفيات الدستور الجديد ودلالات الانفراد بوضعه، فإن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن هذا الدستور قد أضحى أمرا واقعا وأن أولويات قيس سعيد تختلف من خلال هذا الدستور عن أولويات “النخب السياسية التقليدية”.

وهنا أود أن أروي ما ذكره محمد حسنين هيكل سنة 1999 لما استقبله معمر القذافي في سرت بمناسبة الاحتفال بمرور ثلاثين عاما على تولي القذافي مقاليد الأمور في ليبيا.

أخبر هيكل القذافي أن الإطاحة بالملك السنوسي قد أربكت نسبيا النظام المصري الذي لم تكن لديه معلومات عن القذافي وحركة الضباط الأحرار الليبية وهو ما جعل جمال عبد الناصر يوفد حسنين هيكل إلى ليبيا طالبا منه استقراء الأوضاع.

وكتب حسنين هيكل  بعد انتهاء مهمته تقريرا رفعه للرئيس عبد الناصر أنهاه بهذا الاستنتاج “معمر القذافي ساذج وبريء ومن الصعب، تبعا لذلك، ان يستمر في الحكم أكثر من ثلاث سنوات”.

اعتقد أن الذين يبنون برامجهم على أساس مصادرة كسولة على المطلوب، قوامها أن قيس سعيد لن يستمر طويلا في الحكم مدعوون لإعادة النظر في هذا الاعتقاد. ذلك أنه من الوارد ان تكون شعبية قيس سعيد قد تراجعت ولكنه يظل محافظا على ورقة مهمة وهي الانقسام المجتمعي الحاد الذي تعمق في السنوات الأخيرة وتساوق مع تراجع دور الأحزاب مع هيمنة منطق يعتبر أن قيس سعيد يواجه مؤامرة ينفذها أصحاب المصالح ولا بد من منحه ما يكفي من الوقت حتى يُبْطِل أعمالهم وأنه بالإمكان تحمل المزيد من الفقر والبطالة والتهميش قبل أن يعم الخير الجميع.

وهذا المنطق يعتبر السردية المستندة إلى الديمقراطية ثانوية، خاصة وان تجربة الانتقال الديمقراطي التي تباهى بها صناع “الربيع التونسي” كانت مغشوشة ومزيفة.

وعلى هذا الأساس فإنه من الصعب أن تتحول المعركة حول الحريات وحقوق الإنسان إلى معركة تنخرط فيها قطاعات واسعة من الرأي العام ولن يتجاوز الأمر، في المدى المنظور، تحركات دورية ومحدودة. للأسف لم تتجذر أهمية الحريات وحقوق الإنسان في الوعي الشعبي، وهو ما جعلها دائما معركة نخب وورقة ضغط أجنبية.

وحتى الضغط الأجنبي فإنه محكوم بحسابات المصالح وهو ما يجعله في أغلب الأحيان أداة مقايضة وأشبه إلى ممارسة بروتوكولية لا يجوع منها الحاكم ولا تُشْبِع الرعية.

 

المجتمع المدني وسوء التفاهم الهيكلي

 

وربما السؤال الذي يطرح نفسه اليوم في خضم كل الإشكالات المتعلقة بمرحلة ما بعد الاستفتاء هو العلاقة بين قيس سعيد والمجتمع المدني. هذه المنظمات الوسيطة التي تمتلك زخما في تونس ودورا كبيرا في مراحل تاريخية مصيرية.

فتونس تمتلك إرثا مهما في ما يتعلق بالعمل المدني والجمعياتي مقارنة بالدول العربية والأفريقية.

فقد لعبت الجمعيات دورا كبيرا في مواجهة الاستعمار الفرنسي وتطوير الوعي الوطني بإخراجه من حالة الكمون والمشاعر العفوية إلى مرحلة الفعل الهادف والمنتج. و لعب المجتمع المدني دورا كبيرا في تطوير الحياة الاجتماعية وفي مواجهة قبضة السلطة الابوية زمن الرئيسين الحبيب بورقيبة و الرئيس زين العابدين بن علي.

ومن المفيد التذكير هنا بان أول منظمة عربية تعنى بحقوق الإنسان رأت النور في تونس سنة 1977 لما ولدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وإذا كان المجال لا يتسع لذكر أهم الجمعيات التي تجد نفسها، بحكم مجالات تدخلها، في ملعب السياسة فإنه من الضروري الإشارة إلى أن حقوق الإنسان وحرية التعبير وحقوق النساء تعتبر “ثالوث التعبئة” الذي طالما ساهم في تغيير الأوضاع خاصة وأن مجال هذا الثالوث واسع ويطال عدة مجالات ويمس عدة مسائل.

وقد تأكد ذلك في التأثير على مضمون دستور 2014 حين تمكنت جمعيات المجتمع المدني من تجنيد الأحزاب والتحالف معها وفرضت إعادة النظر في عدد كبير من فصول الدستور وهذه “المعركة” هي التي مهدت لإزاحة حركة النهضة انتخابيا لانها أظهرت أنه بالامكان هزمها والإطاحة بها بطريقة مدنية.

ومما يتعين الإشارة له أن مفهوم المجتمع المدني واسع في تونس ويتماس مع النشاط السياسي وأن قيس سعيد لا يملك حضورا كبيرا في جمعيات المجتمع المدني خاصة وأنه فقد في السنتين الماضيتين الكثير من شعبيته لدى الشباب الذي اعتبر أنه سيحدث قطيعة إيجابية مع الماضي.

هناك سوء فهم عميق بين أهم جمعيات المجتمع المدني التي تتبنى قيما ومبادئ حداثية تستمدها من فلسفة حقوق الإنسان ورئيس الجمهورية الذي هو أقرب إلى الرؤى التقليدية خاصة في ما يتعلق بمكانة وحقوق النساء وهو ما يعني أن التوتر هو الذي سيطبع العلاقة في المرحلة المقبلة.

ولا شك أن ما ذهبنا إليه لا يعني انخراطا في رؤى قيس سعيد أو اقتناعا أن طريقه مفروش بالورود. فالواقع يضع أمام قيس سعيد مطبات كثيرة، فقد ورث كل سلبيات الجمهوريتين السابقتين خاصة وان الجمهورية الثانية قد قضت على منجزات الأولى.

ويضاف إلى ذلك أن التناقضات الاجتماعية قد تفاقمت وهو ما يعني نفاد الصبر لدى قطاعات واسعة من التونسيين والتونسيات علاوة على اشتداد حدة التناقضات إقليميا ودوليا مع تداعيات ذلك على الوضع التونسي.

لذلك فان قيس سعيد، الواقعي والفعلي، والذي يتحرك من دون حزب “يحميه” أو سلط تخفف عنه عبء المسؤولية مدعو للتحرك وسيفرض عليه منطق الأشياء أن يتحرك وسنرى.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP