الجديد

من يتآمر على نظامنا الديمقراطي ؟

هشام الحاجي

أعادت بعض الدعوات التي راجت على شبكات التواصل الاجتماعي و التي دعت “إلى إعتصام جديد للرحيل ” إلى السطح خطابا سياسيا يمزح بين التهديد باللجوء إلى القانون لحماية الديمقراطية و التأكيد أن النظام السياسي يواجه مؤامرة من أطراف تونسية تريد إسقاط النظام بدعم من قوى إقليمية ودولية، أزعجتها تجربتنا الديمقراطية.

إذا كان إعمال القانون على الجميع يمثل أمرا مفروغا منه فإن “المنطق التآمري ” يحتاج إلى شيء من التحليل خاصة و أن الممارسة السياسية في تونس – حتى بعد الثورة – وفي بقية الدول العربية لم تخل من استحضار المؤامرة لتفسير العديد من الوقائع و الأحداث خاصة حين يتعلق الأمر بتبرير هزيمة او تعليق فشل على غير الفاعلين الرئيسيين في المشهد، أي الذين يباشرون مقاليد الحكم.

و لن نعود في تتبع تمظهرات هذا المنطق التآمري إلى بدايات الحضارة العربية -الاسلامية أو إلى دخول الإستعمار أو الصراع العربي – الصهيوني إذ ظهر التفسير التآمري باستمرار بل يمكن أن ننطلق من الظهور الطاغي لهذا التفسير منذ 14 جانفي 2011 إلى الآن.

فعلى امتداد العشرية الأخيرة لم يغب الحديث عن “مؤامرات” و عن التلميح لأسماء “المتآمرين ” أفرادا وتنظيمات ، من الذين يتهمون “باستهداف الثورة” ، هؤلاء الأشباح الذين لم يقع تقديم معطيات حقيقية و مقنعة حولهم، وبالتالي لم يقع  المرور من طور الخطاب الاتهامي الى   تقديم “الضالعين ” من “المتهمين” للقضاء.

إذا كان عدم “التجانس الأيديولوجي ” لمكونات الحكم في الفترة المتراوحة بين 2014و 2019 يمكن أن تمنح الخطاب التآمري شيئا من المشروعية فإن تواصل هذا الخطاب حاليا و بين أطراف تعتبر نفسها منخرطة في نفس التوجه “الثوري” يعتبر أمرا يطرح أكثر من سؤال.

ذلك أن حركة النهضة التي تعتبر أنها ساهمت في كسب قيس سعيد معركة الإنتخابات الرئاسية لا تخفي تلميحا و من خلال وسائل الإعلام المحسوبة عليها “تأكيدها ” من أن رئيس الجمهورية منخرط في مخططات تستهدفها.

و في ظل غياب معطيات دقيقة فإن المنطق التآمري يمثل في جوهره “منطقا” يتعارض جوهريا مع المنطق الديمقراطي الذي يقوم على مقومات من أهمها الشفافية و علوية القانون و تحمل رجل السياسة لمسؤولية أعماله و خاصة في حالة فشله.

لعل ضعف تمثل المنطق الديمقراطي هو الذي يفسر اللجوء للمنطق التآمري إذ تكف الممارسة السياسية على أن تكون مهمة لخدمة المجموعة لتتحول إلى ممارسة هدفها الأقصى الوصول إلى السلطة و الاحتفاظ بها و تغيب “الثقافة السياسية ” و “البرامج السياسية ” لتعوضها سرديات يتداخل فيها الواقع بالخيال حول طبقة سياسية لا هم لها إلا نصب الشراك لبعضها البعض و هو ما يؤدي إلى “ترذيل” صورة العمل السياسي و إلى “تبرير ” العنف اللفظي و المعنوي في وسائل الإعلام و على شبكات التواصل الاجتماعي لأن التآمر يمثل “خطرا وجوديا ” لا يمكن مواجهته إلا بأساليب “عنيفة ” .

ان المنطق التآمري يقضي على إمكانيات الحوار لأنه ينقل الممارسة السياسية من مجال التنافس و الإختلاف إلى أرضية الالغاء و العداوة و الإقصاء علاوة على أنه يمثل شكلا من أشكال إنهاك الدولة التي يشير أنصار المنطق التآمري إلى أنها تملك معلومات لا يرقى إليها الشك حول أخطار تتهددها دون أن تكون قادرة على كشف ما لديها و إتخاذ ما ينبغي من إجراءات يسمح بها القانون.

وهنا يكمن الخطر في امكانية أن يغتر البعض و “يتخمر” و يزج بهياكل الدولة في عملية “فبركة” سيناريوهات تشبع حاجة البعض للشعور بأنه موضوع مؤامرات لا تنتهي و لكن ذلك – لو حصل – سيضعف البناء الديمقراطي إذ سيمنح دورا “تعسفيا و اعتباطيا ” للمؤسسة الأمنية و يستنزف جهدها في جهد لا معنى له و يبقي الممارسة السياسية في مربع الدسائس و المكائد.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP