الجديد

ميشيل كامو لجريدة “لوموند”: “قيس سعيد يضع الأسس لنظام ذي توجّه أيديولوجي قومي عربي”                                        

                                        

ترجمة: شعبان العبيدي – أستاذ مبرز في الحضارة والآداب العربية- 

في سياق ما تشهده تونس في الآونة الأخيرة أو “تونس قيس سعيد” يمثّل الدّستور الجديد الّذي يتمّ عرضه على الشّعب التّونسي للاستفتاء اليوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر يوليو-تمّوز قطيعة مع “روح التّوافق الوطني التّونسيّ” حسب قراءة المحلّل السياسي وعالم الاجتماع “ميشيل كامو” أستاذ فخريّ وباحث متخصّص في شؤون العالم العربيّ والإسلاميّ، وذلك في مقابلة أجراها في جريدة “لوموند أفريك” يوم 24 -07- 2022 “فريدريك بوبين. وقد ركّز “ميشيل كامو” في كتاباته بشكل أساسيّ على قضايا الاستبداد والدّيمقراطية في المنطقة العربيّة ولا سيما في تونس. وهو مؤلف كتاب “متلازمة السلطوية السياسية مع بورقيبة وبن عليّ” بالاشتراك مع “فانسن جيسر” وكتاب “الاستثناء التّونسيّ ” L’exception tunisienne. Variations sur un mythe                                                                         

اعتبر ” ميشيل كامو” مشروع الدّستور الذي عرضه قيس سعيد على التّونسيين اليوم 25 من شهر يوليو للاستفتاء على أنّه تحدّ وإعادة نظر لما يمكن أن تمثّله الخصوصية التّونسية من قدرة على استيعاب هذا التّفاعل بين الانتماء العربيّ الإسلامي وبين المشروع الحداثي لعصر التّنوير.

 

ما هي جذور ظاهرة قيس سعيد في تونس؟ 

                                                    

يجب أن نعود إلى مرحلة الاستقلال أوّلا. إذ تعرف تونس اليوم مشكلا كبيرا على المستوى السياسي معروفا على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. وتكمن هذه المشكلة في علاقة متباينة بالسياسة تختلف حسب اختلاف الفئات والطّبقات الاجتماعية. فهناك فئة يمكن تحديدها عموما بالنّخب تطالب بالحفاظ على الهوية الوطنية وقيم الحريّة السياسية ومدنية الدّولة وسيادة القانون، ويرى جزء أكبر من السكّان في السياسة فقط الطّريق للوصول إلى ظروف معيشية لائقة. بمعنى آخر، إنها تعتمد على تعريف وتأثير السياسات العامة القادرة على تلبية احتياجاته.

كان الحلّ الأمثل لهذا المشكل مع بورقيبة يتمثّل في ” في إقامة نظام أبوية الدولة، دولة الرّعاية الّتي تتولّى شؤون الأفراد كلّها. هذه الدولة التي وعدت بـ “فرحة الحياة” وشرعت في وضع برامج البنية التحتية في الصّحة والإسكان والتّعليم، وجنيّ ثمارها، لكنّها لم تعترف بالحقوق والحريّات. واستطاع الجغرافي حبيب عطية في ذلك الوقت أن يكتب قائلا: إنّ سكّان الرّيف يتوقّعون من الدّولة ما لا يتوقّعونه من الله. وقد وجدت هذه الصيغة الأبوية في الحزب الواحد وسيلة لتوطيد العلاقات بين هؤلاء السّكان والنّخب. وكان هذا التصوّر ينسجم مع فترة محدّدة للغاية كانت فترة التّنمية في تونس وفي أماكن أخرى.

 

كيف كان الأمر مع بن علي؟ 

                                                                                

وكذا كان الأمر مع بن عليّ، كانت الصّيغة أيضًا صيغة أبوية الدّولة، أو دولة الرّعاية الأبوية ولكن في سياق مختلف تمامًا، وهو سياق العولمة اللّيبرالية. وكانت الحلول في معظمها تتمثّل بالنّسبة لهذه الدّولة في إنشاء شبكات الأمان الاجتماعي. وعلى الرغم من كل شيء، لم تعد الدّولة قادرة على تلبية احتياجات غالبية السّكان من خلال سياسات عامّة فعالة. وهنا مرة أخرى، لعب الحزب دور العضو المفصليّ المعدّل بين طبقتي المجتمع.

ثم اندلعت ثورة 2010-2011.. فماذا فعلت أبوية الدولة هذه؟    

                                           

جاءت الثّورة لتشكّك في أبويّة الدّولة، وأصبح يُنظر إليها على أنّها مرادفة للفساد واللّصوصية. أو بعبارة أخرى هي مرادف لعدم الاعتراف بالحقّ في الكرامة الإنسانية. كان هناك وقت أدت فيه الثورة، من 17 ديسمبر 2010 [انتفاضة سيدي بوزيد] إلى 14 يناير 2011 [رحيل بن علي]، إلى نوع من التوافق بين أولئك الذين ادّعوا الحقّ في الحصول على الحقوق والتطلّع إلى المساواة من جهة، وهناك من جهة أخرى نخب تطالب بالحرية السياسيّة وسيادة القانون. واستمرّ هذا التّجاذب، بالطبع، لفترة قصيرة فقط. ثم شهدنا بعد ذلك تشويهاً لما أسميه، من ناحية، الثورة المؤسّساتية، ومن ناحية أخرى، ثورة الكرامة التي استمرّت من خلال الحركات الاجتماعية والتغيّرات التي تحدث في العلاقة بالسّلطة.

 

ما هو دور قيس سعيد في تشويه ما بعد 2011؟

                                                                   

كان لدى الرئيس قيس سعيد بالضبط الذّكاء والفرصة للتسلّل إلى هذا الخطأ في سياق “أزمة الهيمنة”. وللمفارقة، ظهر قيس سعيد باعتباره ملاذا ومخلّصا، لأنّ هذا النّوع من المواقف يستفيد عمومًا من شخصية تتمتّع برأس مال بطولي، وغالبًا ما يكون بطلا محاربا. في حين أنّ قيس سعيد مدرّس متواضع للقانون الدّستوري لعب دور “المنقذ”، وتمكّن من تكوين سمعة طيّبة وشهرة واسعة بفضل مواقفه التي تتعارض مع مواقف النّخب الحداثية القائمة منذ الاستقلال وطرق تعبيرها.

 

أيّ شرخ تكرّسه ظاهرة سعيد في المسار التّونسي؟     

                                                        

نحن نشهد تراجعا وتحوّلا. ويتمثّل هذا التّراجع في الانحدار نحو ديكتاتورية جديدة. ويظهر هذا التّأرجح في الاتّجاه نحو القومية العربية. فقيس سعيد دستوري يقطع مع القيم الدّستورية. ومن المؤكّد أنّه تغذّى إلى حدّ كبير من التّقاليد الدّستورية الفرنسية، ولكن كان له توجّه دائم نحو الشّرق. فهو يملك القدرة على أن يحدّثك عن “ساحة مالبرج” و”موريس هوريو” و “جوزيف بارثلمي” وغيرهم من المؤلّفين الكلاسيكيين ويستشهد في نفس الوقت بالعديد من المفكّرين العرب والمسلمين. وتمكّنه رؤيته تلك من تفسير بعض الأحكام التي تبنتها الدّول العربية والإسلامية على أنّها نتاج للإمبريالية.

هل هذا كما يحصل في العلاقة بين الدولة والدين؟     

                                                       

نعم مثل ذلك في موقفه من أحكام دين الدّولة. قال سعيد في محاضرة ألقاها في 2018، وقت تقاعده من الجامعة، إنّ القوى الإمبريالية هي الّتي فرضت في الواقع في بعض البلدان الأحكام الدّستورية المتعلقة بالإسلام كدين للدّولة لمحاربة الشّيوعية آنذاك. لدينا هناك مؤشّر لكيفية النّظر إلى الأحداث الّتي تجري في الشرق الأوسط، والتي تُرى عنده من زاوية أثر المؤامرات الإمبريالية، التي لا جدال فيها، فهي سبب كلّ الشرور. واليوم، بدستوره الجديد، يرفع قيس سعيد الحجاب عن هذا المكوّن الآخر لشخصيته، وهو القوميّ العربي. ومن المسلّم به أنّ القومية العربية لم يعد لها في الواقع نواقل وقنوات تمثيلية، لكنّها تظل نقطة مرجعية لعدد معيّن من التيارات السياسية.  فها هو قيس سعيد يضع بدستوره، الأساس لتوجّه أيديولوجي من النّوع القومي العربي، حيث يتم أخيرًا تقديم الدّستورية بالمعنى الدّقيق للكلمة على أنّها نتاج الغرب غير المناسب للمجتمعات العربية.

ما هو حجم هذا التمزق؟ 

                                                                                      

لهذا التّحول عواقب وخيمة. لقد أصبح ممكنا من خلال القضاء على النّخب، وهو الهدف الّذي سعى إليه قيس سعيد منذ عام أن يزيل جميع الوسطاء الذين يمثلون تعبيرًا عن وجهة نظر النّظرية العالمية للدّيمقراطية وحقوق الإنسان وسياسة الأحزاب. إنّه يضع بنية سياسية وأيديولوجية جديدة تتعارض مع الافتراضات المسبقة للدّستورية. ونحن نجد في دستوره الجديد شيئا جيّد البناء، إنّه تلك القطيعة اللّطيفة مع ما يمكن أن تمثّله تونس. وهذا يعني في نهاية المطاف شكلا من أشكال التّسوية بين بعدين: الانتماء العربيّ المختلط بالهويّة الإسلامية وبين مشروع الحداثة وليد عصر الأنوار. وأصبح الحلّ الوسط مع قيس سعيد موضع تساؤل. وهذا يمثّل انحرافا أو تحوّلا. ومن هذا الادّعاء بالانتماء إلى الثقافة العربيّة والإسلامية الّتي تمثّل حسب رأيه الثّقافة الأصليّة وهي ثقافة الشّعب التّونسيّ يستمدّ شرعية مركزة السّلطة بين يديه.

 

البناء الديمقراطي من الأسفل

 

وهنا يأتي دور مفهومه لـ “البناء الدّيمقراطي من الأسفل”. البعض يربط هذه الرؤية بالمجلس الشيوعي؟ المشكلة هي أنّ هناك بالفعل لعبة مزدوجة سلكها قيس سعيد من حيث الأفكار والممارسة. فهو يعتقد أنّه جاء مكلّفا بمهمّة شبه إلهية لتخليص الشّعب، ومعه يستثمر في مهمة شبه إلهية للخلاص. وهو الذي يرى أنّ الشّعب يميل إلى مجتمع كاريزميّ، فعمل على أن يغذيّ فيه هذا الشّعورويكون هو نفسه قائده الملهم. وهنا يظهر تناقض هائل. وهذا يعني أنّه في الواقع يمارس دور المجلس بدون مجالس. إنّ النّظام المجالسي، تاريخيًا، هو دائمًا نتاج مبادرات شعبية ويؤدّي إلى صياغة جديدة للسّلطات. لكن لا توجد حركة مجلسية تدعم قيس سعيد. لدينا هنا فرض بمرسوم لمجلس زّائف.

بعبارة أخرى، لدينا مع قيس سعيد شعبوية “من أعلى”، لكن دون شعبوية “من أسفل”، وبدون حركة اجتماعية يمكن أن تعطي الحياة لهذه المجالس. لقد ألهمتني في هذا السياق الأعمال المثيرة للاهتمام التي قام بها “فيديريكو تاراغوني في كتابه “الرّوح الدّيمقراطية للشّعوبية (2019) على نطاق واسع في فنزويلا أنّ الشّعبوية من أعلى لها بعد سلطويّ وأنّ الشعبوية من أسفل لها وظيفة حاسمة. ثمّ يضيف قائلا: إذا انتصرت الشعبويّة “من أعلى” فهذا هو السّبيل للانفتاح على الفاشية. وأنا لن أستخدم اليوم مصطلح الفاشية على واقع تونس اليوم، لكن لدينا لا محالة مع قيس سعيد شعبوية ” من الأعلى” تدّعي إضفاء الطّابع المؤسسّاتي على المجالس المنفصلة عن تطلّعات أو مطالب الحركات الاجتماعية الّتي من المرجّح أن تكون هي الّتي تنشّطها.

 

إلى ماذا يمكن أن يؤدي هذا؟  

                                                                                 

شعب قيس سعيد شعب غامض. إنّها فئة أيديولوجية بحتة. إنّها أقنوم (مادّة خام مثل واقع وجودي أوليّ) والشّعب الحقيقي الذي يلتقي به يسعى إلى أن يجعله متطابقا مع هذا الأقنوم. وقد كان لدينا مثال حيّ على ذلك من خلال الاستشارة الإلكترونية الشعبية التي نُظمت في بداية العام والتي كانت فاشلة [530 ألف مشارك لبلد يبلغ عدد سكانه 12 مليون نسمة]. ومع ذلك، يصرّ الرئيس على أنّه كان استفتاء ناجحا. أو هناك دائما في النّهاية تفسير يقدّمه لهذه الخيبة بأنّها مؤامرة. هذه “مؤامرات” تمنع الأشخاص المجذوبين من القدرة على التّعبير عن إرادتهم حقًّا. وما المؤامرة إلاّ بُعد أساسي في تفكير قيس سعيد، لها صلة قرابة بنظرية المؤامرة السّائدة بين بعض القوميين العرب.

 

هل الطلاق حتمي بين “الحقيقيين” و”المتخيلين”؟    

                                                             

أعتقد أنّ قيس سعيد له عدوان رئيسيان: الأوّل نفسه والعدوّ الثاني “الشعب”. هو عدّو نفسه لأنّه رجل يتماهى في مخيّلته مع استعارة الإمام المنقذ. تلك الاستعارة التي نسجها الفيلسوف “أشعيا برلين” وميّز من خلالها بين الثعالب والقنافد. أمّا الثعالب فهي كائنات قادرة على الاهتمام بالعديد من المجالات والقيام بأفعال كثيرة من أجل اصطياد القنفد، دون وجود رابط قوي للغاية بين هذه المجالات المختلفة الّتي تعرفها، في حين يربط القنفد كلّ شيء برؤية مركزية، نظام واحد يُفهم بموجبه كلّ شيء ويشعر به. أي أنّ القنافذ لديها مبدأ تنظيم فريد، ولا تعرف إلاّ شيئا واحدا ألا وهو التكوّر لحماية نفسها. وهذا هو حال قيس سعيد، الذي لديه مبدأ تنظيمي واحد، ينطلق من الواقع. ويمكننا أن نرى بوضوح أنّه يصطدم باستمرار قسوة الواقع. ويتعلق الأمر هنا بكلّ وعود الرّفاهية والعدالة وتوزيع الثروة … التي لا تعرف تجسيدا.

وأود أن أقول، وأنا أستعير صيغة التّعبير من كاتب آخر هو “مايكل أوكشوت” إنّ الرّجل لا يمتلك “خيال الكارثة”. إنه مقتنع بأنّه مع دستوره الجدي س جميع يتمكن من إيجاد حلول لتجاوز كلّ الصعوبات وأن تونس غنية بما فيه الكفاية، وأنه يكفي استعادة أموال الفاسدين حتى يتم حلّ جميع المشاكل. تلك العدالة ستتحقّق عندما يتخلّص الناس من القضاة الفاسدين … إلخ. وفي غياب “خيال الكارثة”، من الممكن تمامًا أن يرتطم بالجدار. وهذا الجدار هو شعبه، هذا الشعب الذي ليس كما يتخيّله.

 

وفي هذا السياق، ماذا سيحدث لإرث الثورة التونسية؟ 

                                                        

قيس سعيد هو حلقة واحدة فقط في سلسلة من الأحداث التي تميّز الثورة التونسية. هذا لم ينته. وتتوافق قيس سعيد مع لحظة من لحظات هذه الثورة، وهي على ما يبدو لجماعته لحظة تجدّد، ولكنّها في الواقع لحظة تراجع. فقد اشتكى “توكفيل” في عام 1830 من أنّ الثورة الفرنسية لم تصل بعد إلى الشاطئ. ويمكن أن نقول نفس الشيء على الثّورة التّونسية بأنّها لم تصل في عام 2022 إلى الشاطئ السّلام. لكن لا داعي للنّديب والعويل. بل على العكس من ذلك، هناك سبب يدعو إلى الطمأنينة، إذ يوجد داخل المجتمع التونسي عدد معين من الجمعيات المدنية الحاملة لمبادرات تغيير العلاقات الاجتماعية كلّما اقتضت الحاجة لذلك.

 

الرابط الأصلي للمقال:

https://www.lemonde.fr/afrique/article/2022/07/24/tunisie-kais-saied-pose-les-jalons-d-une-orientation-ideologique-de-type-nationaliste-arabe_6135964_3212.html?fbclid=IwAR3uMfclh5nyiK5agENd5Mn-ZPgYLYzpVno11OL07DjCkxnm6BX_o6Mjwq0

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP