الجديد

هشام المشيشي رئيسا للحكومة: “استبشار” .. “ترقب حذر” و”آمال معلقة”

المهدي عبد الجواد

طلع الدّخان الابيض في ساعة متأخرة من ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر جويلية، ليُعلن علة تعيين  هشام المشيشي وزير الداخلية في حكومة الياس الفخفاخ المستقيلة رئيسا للحكومة، وتم تكليفه بحسب النصوص الدستورية بتكوين فريق حكومي يعرضه على مصادقة البرلمان لنيل الثقة في أجل لا يتجاوز شهرا واحدا غير قابل للتجديد من تاريخ التكليف. ورغم أن السيد هشام المشيشي غير غريب على أجواء الادارة التونسية وعلى التسيير الحكومي والاداري، إذ تحمّل مسؤوليات عديدة مديرا للديوان اكثر من مرة ومراقبا ومدققا فان تعيينه أثار موجة غير مسبوقة من الاستبشار العام لدى عموم المواطنين، تجلى في ما دوّنه العشرات من نشطاء فضاءات التواصل الاجتماعي، وما قدموه من دعم “معنوي” له، وما عقدوه من آمال فيه لتحسين طبيعة الحوكمة.

  • الرئيس المكلّف .. حزب الإدارة

لم يكن مرور  هشام المشيشي بوزارة الداخلية منذ مارس الماضي سهلا، فالرجل يشتغل ككل أبناء الإدارة التونسية دون بحث على “الشهرة” التي صارت سهلة زمن الوسائط الرقمية، التي خلقت نجوما عبر الصور وثقافة “البوز”، هذه الفترة القصيرة التي تميزت بطول الحجر الصحي، شهدت نجاحات أمنية كبيرة، واصلت فيها الأسلاك الأمنية ومختلف الإدارات، عملياتها الاستباقية في مكافحة الإرهاب ومقاومة مظاهر الإجرام والعنف، في تواصل لما شهده أداؤها من تحسن لافت وقفزة نوعية منذ سنة 2016، ويُحسبُ للسيد الوزير انه واصل في توفير الأجواء المناسبة للعمل الأمني وحسّن في مناخات الثقة العامة في وزارته، وأبعدها على التجاذبات السياسية والتأثيرات الحزبية.

لعلّ ذلك كان سببا كافيا لعدم إدراج اسم  هشام المشيشي في قائمات الترشيحات الحزبية، إذ بدا للكثيرين رجلا صارما لا يخضع للضغوط او يتأثر بالتوازنات الحزبية، وليس له في عوالم الأعمال او لوبيات المال ولا في تضارب المصالح، لان الرجل مستقل فعلا على كل انتماء حزبي، غير الانتماء “لحزب الإدارة” الكبير، وهو الحزب الوطني الواسع الذي ضمن في الحقيقة تواصل إشتغال مؤسسات الدولة وضمن ديمومة مرافقها العامة.

لا يعرف الكثيرون طبيعة التكوين الذي يتلقاه خريجي المدرسة القومية للإدارة، ويعتقدون ان كبار موظفي الدولة التي ينتمي اليهم  المشيشي هم مجرد موظفين إداريين، والحال ان تكوينهم عميق متنوع وشامل لمختلف الاحتياجات والوظائف الإدارية. وعدد الدكتور نزار البركوتي احد خريجي المدرسة وأساتذتها حاليا ما يتلقاه طلبتها من تكوين يجمع الجوانب النظرية والتجريبية، إذ يتلقى خريجو المدرسة تكوينا شاملا رئيسيا في مبادئ الحوكمة العمومية، الاقتصاد والمناهج الكمية والمحاسبة العمومية والتدقيق المالي، هذا علاوة على تكوين في العلوم السياسية والاقتصادية ومقاومة الفساد و المالية والقوانين الجبائية والقانون الإداري وخاصة إدارة الأزمات والمالية العمومية.

والاهم من كل ذلك ان تكوين خريجي المدرسة القومية للإدارة يقوم رئيسيا على المقاربات التجريبية حتى يتم توجيه الخريجين الى التعاطي العملي مع مستلزمات العمل الإداري وحل الأزمات وتفكيك الوضعيات التي تعترضهم عند مباشرة العمل، ومدرسة تونس هي التي تضمن سنويا ضخ عشرات الكفاءات في مختلف إدارات الدولة. ومما تقدم لا نعتقد ان أحدا ممن تقدم لرئاسة الحكومة له مثل هذه الخبرات النظرية والعملية أكثر من السيد الرئيس المكلّف.

  • الرئيس المُكلّف .. ثقة الرئيس

يستمدّ الرئيس المكلّف جزءا هاما من رصيد الثقة من الثقة التي يضعها الناس في  رئيس الجمهورية، ولأكون دقيقا من انعدام الثقة في الأحزاب والنّخب السياسية التقليدية. فترشيحات الأحزاب ظلت في الحقيقة في أغلبها مُفتقدة لأي خيال إبداعي، ولم تُراع باي شكل من الأشكال طبيعة الفجوة التي تتوسّع كل يوم بين الأحزاب وعموم المواطنين، ومخزون الثقة المنعدم فيها. وظلت نفس الأسماء المكرورة تُستعادُ يُزيّنها “الفتية الذهبيون” ذوي الجنسيات المزدوجة وربطات العُنق الانيقة، لقد فرح الناس بالسيد المشيشي لانه لا ينتمي لاي حزب، بمعنى انه في “الانطباعات” العامة، غير مُدنّس بأمراضها وقيمها القائمة على ثقافة الغنيمة والصراع على المناصب. زد على ذلك انه ابن المصعد الاجتماعي ومن عمق الريف التونسي ومدرسة الدولة الوطنية.

المشيشي بقدر ما انطلق بهذا المنسوب من الآمال الكبيرة، تحرّكت ضده آلة تشويه داخلية وخاصة خارجية، فبعد حملة سريعة من التشويه التي طالت السيد الرئيس المكلّف تعلقت أساسا بالتشكيك في كفاءاته واخلاقه، سارعت بعض “ابواق” الدعاية في قنوات تلفزية خارجية الى التشكيك في اختيارات السيد الرئيس وفي مدى كفاءة السيد الرئيس المُكلّف، وتكفل روّاد التواصل الاجتماعي بحملات للرد عليهم.

استبشار مواطني رافقه بعض حذر حزبي، فاغلب الأحزاب تنتظر شروع السيد الرئيس في مشاورات تشكيل الحكومة، للحكم عليه. ثمة انتظار لفلسفته في تكوينها، فهل سيدفع في اتجاه حكومة كفاءات مختلطة بين كفاءات مستقلة وسياسية ام سيكتفي بحكومة كفاءات مستقلة ام ستكون حكومة سياسية؟ وأي الأحزاب سيدعوها  هشام المشيشي لتأثيث ائتلافه الحكومي؟ وما هي أولويات هذه الحكومة وطبيعة برنامجها للإنقاذ الاقتصادي والإنعاش المالي؟

  • مخاوف…وآمال

كلها أسئلة سنعرف الإجابة عليها سريعا، وسنعرف طبيعة هذه الحكومة. التي نتمنى ان لا تكون حكومة انتقالية جديدة تُمهّد لانتخابات سابقة لأوانها. فثمة مخاوف حقيقية من تصادم مع البرلمان من جهة، وثمة إمكانية لتكون حكومة إنقاذ تضمن هدوءا سياسيا وتوافقا وطنيا حول مراجعة القانون الانتخابي واستكمال المحكمة الدستورية وهيئة الانتخابات، لتتحول إلى حكومة تضمن إجراء انتخابات سابقة لأوانها إذا حصل أي طارئ.

ينطلق هشام المشيشي مزودا بالكثير من عناصر النجاح والقوة، تكوين جيد ومعرفة دقيقة بحال الدولة وأجهزتها مسنودا من الإدارة التي نُدرك انها ستتجنّد لإنجاح نفسها من خلال نجاح احد ابنائها، ولتثأر من كل عمليات الشيطنة والتأثيم التي طالتها في العشرية الأخيرة، كما ينطلق مسنودا من السيد الرئيس وما له من ثقة شعبية كبيرة، وينطلق مدفوعا بآمال عريضة يُعلقُها عليه التونسيون وخاصة أبناء المناطق الداخلية.

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP