الجديد

“واقعة 25 جويلية” و ما بعدها: أزمة الدولة الوطنية .. ثورة 14 جانفي 2011 وجدل “التواصل والقطيعة” .. فشل تيار الاسلام السياسي

منذر بالضيافي

لا أفشي سرًا، بأن المرحلة الراهنة في تونس صعبة ومعقدة، وان المجتمع التونسي بكل فئاته وشرائحه، يعيش حالة قلق مركبة، نفس حالة القلق تعيشها الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، وهو وضع زادت في تعميقه الازمة الصحية الكونية ( وباء الكورونا)، وتسارع نسق منسوب التحولات التقنية ( الانفجار الالكتروني)، وكذلك التغيرات الجيوسياسية المتسارعة والمتلاحقة في الاقليم وفي العالم.
كلها عناصر ومعطيات، لا يمكن التغافل عنها، او التقليل من اهميتها، في مقاربة الشأن الجاري في تونس، بعد “عشرية الثورة”، ومسار “الانتقال الديمقراطي” الذي نقدر أنه أصبح من الماضي، ويحتاج الى ما يشبه “المعجزة” للنفخ فيه من جديد، بعد أن كانت كل التقديرات تشير الى ان تونس قد دخلت “النادي الديمقراطي”.
لكن غياب المنجز الاقتصادي والاجتماعي، وتفرد تيار الاسلام السياسي بقيادة “المسار” وتوجيهه وفق نواياه في “التمكين” لمشروعه الاخواني، الذي قوبل برفض واسع من قبل النخب وكذلك المجتمع، سرع بعزلة هذا التيار، الذي برز كجسم غريب على الدولة، وهو ما سهل إسقاطه وطي صفحته .

أردت التذكير بجملة من العناصر، التي اعتبرها ضرورية لفهم ما حصل والقادم أيضا، وهى عناصر على أهميتها  نلاحظ أنها غائبة  في الكثير من محاولات تفكيك وتحليل المشهد التونسي اليوم،  التي يهيمن عليها في الغالب  الالتصاق بالآني وب “السياسوي” الضيق، المرتبط بالصراع الحزبي، و بالصراع حول السلطة، وحول “التموقع” مع  المستجد في محاولة لتطويعه لمصلحة هذه الجهة أو تلك، هذا فضلا على ان الكثير منها ( نقصد التحليلات المتداولة) تفتقد للعمق النظري والثقافي، وبالتالي  غير مسلحة بالمفاهيم والبراديغمات، والمنهجية البحثية، وهي كلها ادوات ضرورية واساسية، في الفهم والتحليل وتوقع السيناريوهات المستقبلية.

 بالعودة للشأن السياسي الآني، ننصح بالعودة لمسار التحولات في الداخل والخارج وفي الاقليم، ولا الاقتصار على ربط كل ما يحصل بالعشرية الاخيرة، مثلما هو معاين في جل ما نسمع وما نقرأ في اعلامنا، اما البحث والدراسة الأكاديمية فهي تكاد تكون غائبة بل منعدمة، ما يجعل من مجتمعنا غير مدروس، وهو ما سيؤخر الاهتداء الى الحلول، حتى لا نقول يجعلها مستحيلة وبالتالي يساهم في تأبيد الازمة، ويجعلنا عاجزين عن احداث التغيير المطلوب والمنشود، ونتلذذ بعجزنا عن الفهم والتحليل والتغيير، ونسلم حينها بالأمر الواقع.

 من خلال متابعة التعليقات والكتابات حول ” واقعة 25 جويلية” وما بعدها، نلاحظ انها لم تغادر دائرة التعاطي معها، ضمن مسار الصراع حول السلطة، الذي ليس بجديد في عالمنا العربي والاسلامي، ولم تسلم من ويلاته بلادنا ، منذ تأسيس الدولة الحديثة ( اعني دولة الاستقلالية)، وهذا البعد من الفهم مهم، فما حصل منذ ثلاثة اشهر، هو ايضا يندرج ضمن الصراع حول السلطة، خصوصا في ظل الحضور القوي والمؤثر للمكون السياسي الاسلاموي ( الاخوان المسلمين – حركة النهضة)، التي خططت منذ نشأتها للانقلاب على المشروع المجتمعي لدولة الاستقلال، و” التمكين” لمشروعها السياسي العابر للحدود والمرتبط ب “الأممية الاخوانية”.

نتفهم التفسير “السياسوي” لقرارات الرئيس قيس سعيد، لكن ما نريد الاشارة اليه هو ضرورة تجاوز اللحظة الراهنة المرتبطة بالعشرية الاخيرة، الى اطار ارحب وهو ازمة الدولة القطرية وتهرمها ، وعدم  قدرتها على تجديد نفسها، وفشلها بالتالي في تأمين انتظارات العامة ، بعد عجز منوالها التنموي على التوزيع العادل للثروة، ما ساهم في ارتفاع منسوب التفقير و التهميش في “الداخل / الاقاليم”، وفي “احياء الصفيح” حول المدن الكبرى ( خاصة العاصمة تونس وصفاقس ثاني مدينة في البلاد).

عبر هذا الفشل، عن نفسه في مناسبات وأحداث كبرى، لعل ابرزها احداث جانفي 1978 (الصدام بين السلطة والمركزية النقابية) ، واحتجاجات 1984 التي عرفت ب “ثورة الخبز”، والتي مهدت لانتقال السلطة من بورقيبة الى وزيره الأول زين العابدين بن علي، بعد سنوات طوال من “الحرب الباردة” بين أجنحة السلطة حول خلافة “الزعيم بورقيبة”، صراع اضعف الدولة وأدخل اقتصادها في وضع انكماش شبيه بالوضع الاقتصادي الحالي، ما سرع بإسقاط “حكم بورقيبة”، ما يكشف على أن البعد الاقتصادي مهم في التحولات السياسي ببلادنا، وذات الأمر سيتأكد مع الثورة على نظام بن علي، اذ وصل المنوال التنموي الى الاختناق مع ما صاحبه من تنامي لمظاهر الفساد.

لكن انتقال 1987،تم  ضمن منظومة الحكم، وبالتالي كان انتقال من داخل السلطة، وحمل امراضها السابقة، برغم رفع شعار “التغيير” و “العهد الجديد”، لذلك نجم عنه عجز النخب عن تجديد نفسها، والتأقلم مع التحولات والانتظارات، فكان ان اطل موسم الاحتجاجات وكان ابرزها احداث الحوض المنحني ( 2008)، قبل سنتين من سقوط نظام بن علي، بعد تمرد اقاليم الداخل المهمشة ( سيدي بوزيد، قفصة والقصرين واحياء صفاقس والعاصمة الشعبية)، فكانت ثورة جانفي  2011.

ثورة الهامش، التي كانت شعاراتها الاساسية اجتماعية ( الحق في التنمية والتشغيل …)، ولم يكن لها مطلب سياسي واضح ومهيمن ( المطلب الديموقراطي كان تقريبا غائبا)، كما لم تكن لها قيادات معلومة، لكن تم تحويل وجهتها من قبل ” نخب الحضر”  وفق آليات ومنهجية ومقاربة النظام الذي سقط راسه فقط.

وهنا لابد من الاشارة الى ان اللجان الثلاثة، التي قادت المرحلة الانتقالية الاولى، التي تلت الثورة كانت من اقتراح الرئيس بن علي، قبل سقوطه وبعثها ورعاها وزيره الاول محمد الغنوشي، ثم تعهدها احد قادة ورموز النظام المخضرمين الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وبالتالي استمرت منظومة دولة الاستقلال، ولم تحصل ” القطيعة” المرجوة والتي عادة ما تصاحب كل ثورة. 

كما ان التيار الاسلامي، الذي كان حاضرا بقوة في العشرية الاخيرة، والذي لم يغادر دائرة الحكم والسلطة، كان هو بدره حزب تواصل لا قطيعة مع الخيارات الاجتماعية والاقتصادية لمنظومة الدولة الوطنية.

وفي ظل عدم امتلاكه لبرنامج للحكم، فان الاسلاميين خططوا لتوظيف الفرصة التي منحت لهم بالنشاط القانوني، و بالاندماج المجتمعي والسياسي الذي فرضته “الحالة الثورية”،  في التخطيط ل ” التمكين” عبر اختراق ممنهج  للإدارة ولأجهزة الدولة ، التي سرعان ما رفضت هذا التيار، و هي التي تعاملت معه كعضو غريب عن جسدها.

كما زادت اخطاؤه في التعامل مع المجتمع والدولة، في عزله مجتمعيا ولدى النخب، وبرز للعيان كطائفة و “جماعة”، ولعل هذا ما يفسر سقوطه السريع والغير متوقع بعد قرارات 25 جويلية.

وهو سقوط سيحكم على هذا التيار بالمزيد من العزلة والمحاصرة لسنوات طويلة، خصوصًا وانه في هذه المناسبة ليس نتيجة عنف مورس عليه من قبل الدولة وأجهزتها “الصلبة”، الذي كان يعطيه “مظلومية” يستثمر فيها للعودة واعادة “التموقع” خاصة في النسيج المجتمعي، بل انه في حال اليوم، قد كان خروجه من السلطة “مذل”، بعد تجربة حكم فاشلة وكارثية، وكان خروجا مصحوبا برفض مجتمعي كبير .

 لابد من التعاطي مع فهم “واقعة 25 جويلية” وما بعدها، ضمن السياق  المجتمعي والسياسي والثقافي الذي اشرنا اليه، لا الاكتفاء بالتفسير الذي وسمته ب “السياسوي” فقط، والذي مداره الصراع حول السلطة، وان كان هذا البعد او المعطى لا يمكن التغافل عنه، خصوصا وان الاداء السياسي للرئيس قيس سعيّد، وخصوصا بعد قرارات جويلية كشف، عن ” شره” مبالغ فيه للسلطة والحكم، واعادة انتاج نظام “رئاسوي” عبر تقويض كل “المنجزات السياسية” للعشرية الأخيرة، وتجاوز ذلك للتبشير بنظام سياسي “جماهيري”، يلاقي رفض واسع من قبل أكثر المتحمسين لقرارات 25 جويلية قبل خصومه.

 لكن ما يجب التنبيه اليه، ان الشعارات التي يرفعها الرجل، والتي يصنفها خصومه والمختلفين معه ضمن خانة ” الشعبوية “، وفي هذا تعبير عن كسل ذهني وفكري يرتقي للعجز عن فهم اسباب ما حصل في سياقها التاريخي لدولة الاستقلال، فالذي لابد من الانتباه اليه في التعاطي مع “ظاهرة قيس سعيد”، وخاصة الشعبية التي من حوله ، والمتأتية لا من الايمان بكونه يمثل  “البديل” أو “الخلاص” من ازمة الدولة الوطنية، وفشل عشرية الثورة و سقوط مشروع الاسلام السياسي. 

بل هو مجرد ردة فعل متفاقمة، نتيجة تراكم الفشل قبل وبعد الثورة، وهو الذي يفسر تنامي الحقد الطبقي، الذي تحول الى انقسام مجتمعي حاد جدا.، يتغذى من الخطاب السياسي “الشعبوي”.

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP