الجديد

اليوم، انتخابات رئاسية شديدة الخطورة في الجزائر !

تونس- التونسيون- 
فتحت صناديق الاقتراع اليوم الخميس 12 ديسمبر 2019 في الجزائر للتصويت  في انتخابات رئاسية لاختيار خلف للرئيس بوتفليقة ، انتخابات يرفضها قطاع واسع من الشارع الجزائري. واستنادا إلى النتائج، قد تجرى دورة ثانية في الأسابيع المقبلة. ويتنافس خلال هذه الانتخابات خمسة مرشحين، يعتبرهم الحراك الجزائري أبناء “للنظام السابق”.ويصعب توقع عدد الناخبين الذين سيدلون بأصواتهم من أصل 24 مليون ناخب، إلا أن غالبية المراقبين يتوقعون امتناعا واسعا عن التصويت.
غياب استطلاعات الرأي ومراكز اقتراع خارج البلاد “شبه خالية”
في غياب استطلاعات الرأي في الجزائر، من الصعب توقع عدد الناخبين الذين سيدلون بأصواتهم من أصل 24 مليون ناخب، في بلد عرف تقليديا بتدني نسب المشاركة، إلا أن غالبية المراقبين يتوقعون امتناعا واسعا عن التصويت.
وأعطت مراكز الاقتراع في القنصليات الجزائرية في الخارج، حيث بدأت عملية الاقتراع السبت، لمحة إلى ما يمكن أن تبدو عليه انتخابات الخميس: إذ إنها كانت شبه خالية فيما هتف متظاهرون أمامها محاولين التأثير على العدد القليل الذي جاء ليصوّت.
ويقول مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة “فيريسك مابلكروفت” الاستشارية أنطوني سكينر “لا يمكن لأي من المرشحين الخمسة التأمل في أن يعتبر شرعيا” من جانب المحتجين و”ستتمّ مقاطعة التصويت على نطاق واسع”.
ونفذ المرشحون الخمسة، عبد العزيز بلعيد وعلي بن فليس وعبد القادر بن قرينة وعز الدين ميهوبي وعبد المجيد تبون، حملة انتخابية، انتهت منتصف ليل الأحد، متوترة وشديدة التعقيد، في ظل أجواء من القمع المتصاعد.
ووجد المرشحون صعوبة في ملء القاعات حتى الصغيرة منها خلال تجمعاتهم التي منع كل معارض عنها وجرت تحت حماية شديدة من الشرطة. ومع ذلك واجهتهم مظاهرات معادية أثناء تنقلاتهم.
ويتهمهم المحتجون بأنهم يؤيدون “النظام” من خلال ترشحهم ويأخذون عليهم دورهم في رئاسة بوتفليقة، فبينهم رئيسا وزراء ووزيران في حكوماته.
زخم الحراك لم يتراجع
ولم يتراجع زخم الحراك الاحتجاجي المناهض للنظام الذي بدأ في 22 فبراير/شباط، ولا يزال معارضا بشدة للانتخابات التي تريد السلطة بقيادة الجيش، أن تجريها مهما كلّف الثمن. ويتنافس خلالها خمسة مرشحين، يعتبر المحتجون أنهم جميعا من أبناء “النظام”.
ويندد المتظاهرون بـ”مهزلة انتخابية” ويطالبون أكثر من أي وقت مضى بإسقاط “النظام” الذي يحكم البلاد منذ استقلالها عام 1962 وبرحيل جميع الذين دعموا أو كانوا جزءا من عهد بوتفليقة الذي استمرّ عشرين عاما وأُرغم على الاستقالة تحت ضغط الشارع في أبريل/نيسان.
انتخابات شديدة الخطورة 
في قراءة لانتخابات الجزائر بينت الصحف الفرنسية عدم حماسة الجالية الجزائرية  للمشاركة بالانتخابات الرئاسية. وتحدثت صحيفة “لاكروا”  عن “انتخابات شديدة الخطورة في الجزائر” وقد أوردت في أحد مقالها تساؤلات الباحث “هيثم اميره-فرنانديز” عن قدرة “السلطة على استنباط سيناريو يوحي بشيء من الثقة للجزائريين وعن إمكانية انتاجها مخططات أخرى غير القمع”.
حملة انتخابية مستحيلة 
من هتها خصصت “لوموند” ملفا كاملا للموضوع، اشارت الى خطورة استمرار القطيعة بين العسكر والشارع. “اهو إنكار للواقع ام ان نظرة الجيش للأمور تحمل في طياتها” و فق تساءل كاتب المقال “مجيد زروقي”، وأشار الى “مكونات مواجهة عنيفة، يخشاها كثيرون في الجزائر”.
كما  نقلت “لوموند” صعوبة الحملة الانتخابية لا بل استحالتها في ظل إصرار الحراك الشعبي على مقاطعة صناديق الاقتراع. “الخطاب الرسمي يظهر” حسبما قال رئيس حزب ال “جيل جديد” المعارض، سفيان جيلالي، ل “لوموند”، “تصميما على فرض الحلول التي ارتآها العسكر بالقوة ولكن ماذا عن قدرته على تخطي العقبات التي وضعت أمامه؟ هذا ما سنراه في الأيام المقبلة” وهي أيام قد تكون “الأخطر في حياة الجزائر منذ بداية الحراك” خلصت “لوموند”.
انتخابات يرفضها الجميع 

ونشرت الباحثة في مركز كارنجي دالية غانم مقالا تحت عنوان: “انتخابات يرفضها كثر”، استهلته بطرح سؤال: ليس السؤال المطروح، هل ستُجرى الانتخابات؟ فقد يكون إجراؤها أمراً مسلَّماً به، نظراً إلى أن القيادة السياسية-العسكرية لاتستطيع أن تخسر ماء الوجه من جديد بعد إلغاء الانتخابات مرتَين في السابق. السؤال المطروح هو، ماذا سيحدث بعد 12 كانون الأول/ديسمبر؟

وتابعت غانم مشيرة الى أن النظام الجزائري يتسم بقدرته على الصمود، لكنه يواجه اليوم عدداً من الخيارات. فهو بإمكانه تجاهل مطالب الشعب والتعويل على إصابة الحركة الاحتجاجية بالإنهاك؛ أو يمكنه اللجوء إلى تدابير يفرضها عن طريق الإكراه لأن الاحتجاجات لاتُظهر أي مؤشرات انحسار. في المقابل، قد يعتمد مَن هم في السلطة مقاربة جديدة ويطلقون حواراً جدّياً مع الحركة الاحتجاجية، بدلاً من محاولة فرض موافقة مصطنعة وغير مشروعة من خلال اللجوء إلى القوة أو الانتخابات.

كما أشارت صاحبة المقال الى ان النظام لم يتمكّن من التعاطي كما يجب مع التحديات الجديدة التي تطرحها الحركة الاحتجاجية التي كان قد انقضى، بحلول 22 تشرين الثاني/نوفمبر، 40 أسبوعاً متواصلاً على انطلاقتها. ينتمي المحتجّون إلى بيئات ثقافية مختلفة عن تلك التي يأتي منها قادتهم السياسيون. ففي حين ترفع الحركة الاحتجاجية لواء القيم مابعد الحداثية، مثل الحرية والتنوع والشفافية والكرامة، لايزال النظام يحاول إقناع الناس بأن الانتخابات هي السبيل الوحيد للمضي قدماً والإثبات الأول على الديمقراطية.

وبين الكاتبة أنه تُحيط الشكوك على نطاق واسع بمَن هم في السلطة، ويُعيد الرأي العام النظر في الثقة التي محضها للسلطات ومؤسساتها على مدار عقود من الزمن. ومن المطالب التي يُصرّ عليها الجزائريون حاجة المواطنين إلى أن يكون لهم تأثير متزايد على القرارات المهمة، مثلاً رفض الجزائريين لقانون جديد عن المحروقات لأن مَن يعملون على إقراره هم مسؤولون سابقون في عهد بوتفليقة. ويطالب الجزائريون بديمقراطية عامة ويرفضون المنظومة التي لم تكن تتيح حتى مجالاً للنقاش داخل الندوة البرلمانية. ولهذا ظهر، منذ شباط/فبراير الماضي، عددٌ كبير من المجالات العامة حيث يستطيع الأشخاص مناقشة الأفكار وتبادلها بشأن رؤيتهم للمرحلة الانتقالية.

وخلصت غانم الى انه و لهذه الأسباب مجتمعة، ترفض غالبية الجزائريين المشاركة في مهزلة انتخابية ترى فيها مسعىً لتثبيت دعائم النظام. لكن هذا لايعني بالضرورة أنه لن تكون هناك مشاركة شعبية في الانتخابات. حتى في ظل الظروف الراهنة، يستطيع النظام التعويل على المؤسسات الحكومية والآلية البيروقراطية لتعبئة الناخبين، وهو لايزال يمتلك قاعدة اجتماعية في أوساط فلول جبهة التحرير الوطني الحاكمة وغيرها من الأحزاب المقرّبة من النظام، مثل التجمع الوطني الديمقراطي. فهذه الأحزاب، وعلى الرغم من ضعفها، مقرّبة تقليدياً من مؤسسات الدولة وتعتمد عليها، ولايزال بإمكانها تعبئة المناصرين، ولو على نحوٍ متواضع.

أي شرعية الرئيس المقبل؟

وتطرقت باحثة كارنجي في مقالها الى أن هناك عامل الخوف. فالنظام قادرٌ دائماً على التعويل على المواطنين الذين يتأثرون بخطابه المطبوع بنزعة الارتياب (البارانويا)، والذي يدّعي من خلاله أن أي تأخير في الانتخابات سيؤدّي إلى الدخول في “نفق مظلم اسمه الفراغ الدستوري“. لهذه الغاية، بإمكان النظام أن يعتمد أيضاً على وسائل الإعلام لترويج خطاب الخوف.

ولكن على الرغم من وجود هؤلاء الداعمين التقليديين للنظام، تُشير الأجواء السائدة في المشهد السياسي الراهن إلى أن نسبة الاقتراع في الانتخابات الرئاسية ستكون متدنّية جداً على الأرجح. لن تولّد الانتخابات ديناميكيات تفضي إلى قطيعة نهائية مع المنظومة السياسية الحالية. بل على العكس، ستسعى المنظومة إلى تجديد نفسها من خلال إدخال وجهٍ معروف من وجوه النظام السابق، سواء كان تبون أو بن فليس، إلى القصر الرئاسي. وقد وصف عدد كبير من الجزائريين الذين تحدثتُ معهم مايجري بأنه “تمديد لحقبة بوتفليقة من دون بوتفليقة”.

وخلصت كاتبة المقال الى أن سوف يصبح للجزائر رئيسٌ يعاني من فقدان الشرعية، ما سيُعرّضه إلى ضغوط هائلة، إذ إنه سيجد نفسه عالقاً بين المواطنين الذين رفعوا سقف مطالبهم وغيّروا نظرتهم إلى المؤسسات والنخب التي تحكمهم، من جهة، والجيش الذي أوصله إلى السلطة، من جهة ثانية.

وفي غياب الشرعية، لن يتمكّن الرئيس من رفع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تلوح في الأفق. ومن أجل أن يحقق الرئيس نذراً ولو يسيراً من الشرعية، عليه أن يتفاوض مع الحراك الشعبي مباشرةً بعد الانتخابات. ولكن كي يحدث ذلك، يجب أن يختار الحراك الشعبي شخصيات من صفوفه لتمثيله والتفاوض باسمه. والتحدي الأساسي بالنسبة إلى الحراك سيكون تحديد نقطة الوصول والسبيل إلى بلوغها. بعبارة أخرى، ماهي مقوّمات “النصر” بالنسبة إلى الحراك؟ إنه سؤال محوري لأنه ليس باستطاعة أي حركة احتجاجية أن تستمر إلى مالانهاية. فإذا لم تُحدّد أهدافاً قابلة للتحقيق، قد يلجأ النظام إلى مزيد من القمع أو يستغل الانقسامات داخل الحركة الاحتجاجية للإجهاز عليها.

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP