منذر بالضيافي يكتب حول: التغيرات المناخية: اكثر من ظاهرة طبيعية .. تحول اجتماعي وحضاري ( مقاربة سوسيولوجية )
كتب: منذر بالضيافي
بدأت قصتي مع التغييرات المناخية ” المتطرفة”، منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، حين أطردنا الجفاف من القرية الهادئة وفرض علينا هجرة جماعية نحو المدن المجاورة و نحو العاصمة تونس، الوعي بما حصل هو محور كتاب يصدر قريبا تحت عنوان: ” مع التحولات .. من القرية إلى الشبكة”، وهو مقاربة سوسيولوجية لسيرة التحولات الكبرى.
يمكن مقاربة موجة الحر الحالية التي تعيشها تونس هذه الايام من منظور سوسيولوجي باعتبارها ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل ايذاناً بتحول اجتماعي شامل، سيعيد تشكيل أنماط العيش والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والسياسات العمومية.
لقد تجاوزت التغيرات المناخية مرحلة “المشكلة البيئية” لتصبح ما يسميه عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك “مجتمع المخاطر”، حيث لم تعد المخاطر استثنائية، بل أصبحت جزءا من الحياة اليومية، وعابرة للحدود، وتمس الجميع وإن كانت آثارها لا تتوزع بالتساوي. فالفئات الهشة، وسكان الأحياء الفقيرة، والعمال الذين يشتغلون في الفضاءات المفتوحة والشاقة، وكبار السن، هم الأكثر الفئات تعرضا لموجات الحر والجفاف.
ومن زاوية أخرى، تكشف هذه التحولات حدود النموذج التنموي الذي قام لعقود على الاستغلال المكثف للموارد الطبيعية دون اعتبار لقدرة البيئة على التجدد. لذلك فإن الأزمة المناخية – التي تحولت لتأخذ شكلا اكثر تطرفا- هي أيضا أزمة حضارية وأزمة نمط إنتاج واستهلاك، وليست مجرد أزمة طبيعية في علاقة بدرجات الحرارة.
لذلك فان التحولات المناخية – موجات الحر – هي بصدد رسم او إعادة تشكيل للنشاط الاقتصادي و للحياة الاجتماعية نفسها وبرمتها.
فهي ستحدث تغير ا كبيرا في: مواعيد العمل، وأنماط السكن، واستهلاك المياه والطاقة، والسلوك الغذائي، كما ستدفع إلى هجرات داخلية من المناطق الأكثر تضررا، وتزيد من حدة التفاوتات الاجتماعية، بل قد تصبح مصدرا للتوترات والصراعات حول الموارد، وخاصة الطاقة و الماء.
وفي السياق التونسي، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق الاستعداد للتحولات. فالمطلوب ليس فقط خطط طوارئ لمواجهة موجات الحر، وإنما إعادة التفكير في السياسات العمومية المتعلقة بالتخطيط العمراني، وإدارة الموارد المائية، والفلاحة، والصحة، والنقل، والتعليم، انطلاقا من فرضية أن المناخ الذي عرفناه خلال القرن الماضي قد اصبح من الماضي و لن يعود.
ومن منظور سوسيولوجيا التحولات الكبرى ( مجال انشغالي البحثي منذ واقعة الكوفيد )، فإن التغيرات المناخية ليست حدثا عابرا، بل هي أحد المحركات الأساسية لولادة عالم جديد.
فهي، إلى جانب الثورة الرقمية والتحولات الجيوسياسية والذكاء الاصطناعي، تعيد رسم خريطة المجتمعات والدول.
ولذلك فإننا مطالبون بالتعاطي بجدية مع التغير المناخي، وأنه اصبح واقعا لابد من التكيف العقلاني و الذكي معه. وذلك عبر اعادة التفكير و التخطيط في الطريقة التي سنعيد بها تنظيم مجتمعاتنا للتكيف مع عالم أكثر حرارة، وأكثر ندرة في الموارد، وأكثر هشاشة.
أخيرا، ان ما يهمني ليس قراءة الحدث، بل قراءة التحولات، ليس وصف الوقائع، بل فهم البنى العميقة التي تنتجها، وتفكيكها، واقتراح السبل الكفيلة بالتكيف معها.



Comments