خليفة بن سالم يكتب: “من سبتة إلى كييف .. أوروبا في مواجهة حصار متعدد الجبهات”
خليفة بن سالم
أثارت موجة النزوح الجماعي لآلاف المغاربة نحو مدينة سبتة، الواقعة تحت الاحتلال الإسباني، على أمل الوصول إلى أوروبا الفعلية، وليس إلى الأراضي المغربية المحتلة، موجة واسعة من التحليلات والقراءات.
وقد انصبّ معظمها على تفسير دوافع هذا الهروب الجماعي من بلد تشير العديد من المؤشرات الاقتصادية إلى أنه يعيش إحدى أفضل مراحله من حيث النمو وتحسن بعض المؤشرات الكلية. هل يتعلق الأمر بسوء توزيع الثروة؟ أم بالفقر المخفي خلف واجهات الأرقام الرسمية؟ أم بغياب الآفاق الاقتصادية والاجتماعية؟ أم أن الأمر يعكس ثقافة راسخة لدى قطاعات واسعة من شعوب القارة الإفريقية ترى في أوروبا الملاذ الأخير للفقراء والمهمشين والعاطلين عن العمل؟
في الواقع، لن نأتي بجديد إذا قلنا إن جميع هذه العوامل تتداخل لتفسير هذه الظاهرة. غير أننا نختار اتخاذ هذا الحدث مدخلًا للحديث عن سؤال آخر أكثر أهمية: إلى أين تتجه أوروبا نفسها؟ فالقارة العجوز تواجه منذ سنوات سلسلة من الأزمات المتراكمة: شيخوخة سكانية متسارعة، وتراجعًا في الوزن الجيوسياسي، وانحسارًا لنفوذها التاريخي، خاصة في إفريقيا، إلى جانب ارتهان متزايد للمظلة الأمنية والسياسية الأمريكية، بما جعلها تبدو في كثير من الأحيان وكأنها فقدت جزءًا مهمًا من استقلالية قرارها الاستراتيجي.
وفي الوقت نفسه، تحولت أوروبا، بما توفره من حريات وضمانات اجتماعية، إلى وجهة جاذبة لموجات متواصلة من الهجرة النظامية وغير النظامية، وهو ما أحدث تحولات عميقة في بنيتها المجتمعية، وأثار نقاشات حادة حول الهوية والاندماج، وأسهم في صعود غير مسبوق لتيارات اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية.
أما في المجال الاقتصادي، فقد كشفت أزمة الطاقة حجم هشاشة النموذج الأوروبي، بعدما ظلت القارة لعقود تعتمد على الغاز الروسي أو على مصادر طاقة خاضعة بدرجات مختلفة للنفوذ الأمريكي، وهو ما جعل أمنها الطاقي رهينة للتجاذبات الجيوسياسية. ثم جاءت جائحة كورونا لتكشف مواطن ضعف غير متوقعة في أنظمة كانت تُقدَّم باعتبارها الأكثر تطورًا في العالم، حيث بدت دول مثل إيطاليا عاجزة عن احتواء الأزمة في بداياتها.
كما كشفت موجات الحر القياسية التي عرفتها أوروبا هذا الصيف هشاشة بنيتها أمام التحولات المناخية، حتى أصبحت بعض مناطقها تعيش ظروفًا كانت إلى وقت قريب تُنسب إلى دول العالم النامي. غير أن كل هذه الأزمات لا تمثل سوى جزء من المأزق الأوروبي الأكبر، والمتمثل في استمرار الحرب الأوكرانية. فالدعم الغربي لكييف لم يتوقف، رغم فتور الحماس الأمريكي في بعض المراحل، خاصة مع مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأكثر تحفظًا تجاه استمرار الانخراط في الحرب.
ومع ذلك، بقيت أوروبا متمسكة باعتبار الصراع جزءًا من المواجهة الاستراتيجية مع روسيا. لكن يبدو أن موسكو لم تعد تراهن على مراجعة الغرب لمواقفه، وهو ما يفسر تصعيدها العسكري الأخير، وتكثيف هجماتها على كييف، إلى جانب تهديدها باستهداف مصانع السلاح، ومستودعات الذخيرة، وشبكات الطائرات المسيّرة، وكل ما يمثل امتدادًا للدعم الغربي لأوكرانيا.
وإذا استمر هذا المسار، فإن أوروبا قد تجد نفسها محاصرة بين أزمات متزامنة: صيفًا بحرائق ودرجات حرارة قياسية، وضغوط هجرة متزايدة من الجنوب، وشتاءً بأزمات طاقة واحتمالات تصعيد روسي قد يعيد استخدام الغاز والنفط كورقة ضغط سياسية.
وفي المقابل، فإن أي انخراط أوروبي أوسع في الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران قد يهدد أيضًا إمدادات الطاقة القادمة من الخليج، بما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الأوروبي.
إنها تحديات مرشحة للاستمرار لسنوات، وتفرض على أوروبا مراجعة عميقة لسياساتها وتحالفاتها. وأولى هذه المراجعات تتمثل في استعادة قدر أكبر من استقلالية القرار الأوروبي، وإعادة بناء علاقة أكثر براغماتية مع روسيا، بعيدًا عن منطق القطيعة الدائمة، فضلاً عن تبني مقاربة جديدة تجاه الهجرة الإفريقية، تقوم على الاعتراف بأن أوروبا نفسها كانت، عبر تاريخها الاستعماري وسياساتها الاقتصادية، أحد أبرز العوامل التي أسهمت في إفقار أجزاء واسعة من القارة الإفريقية.
لقد أصبحت أوروبا اليوم تواجه ضغوطًا غير مسبوقة من مختلف الاتجاهات: من ثلوج سيبيريا في الشرق، إلى حرارة إفريقيا في الجنوب، ومن موجات الهجرة المتصاعدة إلى صواريخ الحرب في أوكرانيا. وهو حصار متعدد الأبعاد قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ القارة العجوز، مرحلة لن يكون عنوانها التوسع والهيمنة، بل إدارة الأزمات وإعادة تعريف موقع أوروبا في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.



Comments