الجديد

الأزمة..المخلّصون..وأوهام الخلاص 

خالد شوكات

كان القرنان الثامن عشر والتاسع عشر مجالا لظهور اكثر من “مهدي” في العالم العربي الاسلامي، اذ ظهرت الدعوة الشيخية لصاحبها الشيخ احمد الاحسائي، ومنها ستظهر البابية والبهائية لاحقا، وبرزت في السودان دعوة محمد المهدي المستمرة كتأويل من داخل الاسلام الى يوم الناس هذا.

وظهرت في الهند الأحمدية وهي نوع من المهدية أيضا، ومنذ ابن تومرت قبل قرون، وكلما تأزمت الامة وفقدت ثقتها بنفسها وتدهورت أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية واختل توازنها السياسي، تداعى عقلها الجماعي الى قبول دعوات المهديين وحركاتهم التبشيرية، باعتبارها نظير الدعوات “الخلاصية” عند المسيحيين واليهود، حيث يكاد “المهدي” يكون “المسيح المخلّص”.

فالازمة قد تعقدت وبلغت مداها في ذهنية ونفسية العامة، على نحو يصعب ان تجد لها الاطروحات الكلاسيكية حلّا، ولن يفلح الا مخلِّص أو وكيلا عنه، مهدي أو تجلٍّ له، مؤيد من السماء مباشرة او بشكل غير مباشر، عساه يقوده شعبه وأمته الى شاطئ الامان، هكذا يصبح اعتقاد غالبية المواطنين. هناك صحيفة أسبوعية اتخذت من عبارة “مسيحانية” عنواناً رئيسيا لغلافها “تونس على أبواب جَهَنَّم”.

وما دمنا على أبواب جهنم فالخيال الجماعي والفردي ايضا لن يرى “حلول الارض” مقنعة، فقد فقدت هذه الحلول كل قدرة على الاقناع ولن تبقى سوى “حلول السماء” مثلما نسب الى رئيس الحكومة الايطالي، عندما بدا ان السلطات في روما عاجزة عن مواجهة تداعيات فيروس الكورونا خلال الموجة الاولى قبل اشهر، وأصبحت المستشفيات ضيقة على اعداد الذين يحتاجون خدماتها بشكل عاجل.

وعلى هذا نحو تدفع وسائل الاعلام طيلة عقد من الزمان وبشكل يومي المخيال العام لتقبل فكرة ان تونس اصبحت حالة ميؤوسا من علاجها، بوعي منها او بدون وعي، مما حوّل البيئة النفسية الى “بيئة خلاصية” بامتياز، وحرّف فضاء الفعل السياسي من “العقلانية” المفترضة إلى ضرب من “الشعوذة” يقوم على ترويج بضاعتها “متحيلون” منتحلون للصفة أو مدّعون للطهرانية و”مخلّصون” مزوّرون حتماً.

المخلّصون الشعبويون او الفاشيون، يزعمون امتلاك حقيقة ما، ويدعون الناس الى النجاة الجماعية من خلال الالتحاق بمشاريعهم الخلاصية، والمواطنون لديهم صنفان، صنف تطهر من اثامه السياسية بنيل بركة المنقذ او المنقذة، وصنف اخر يستحق ان تنهال عليه اللعنات، ولن يتحقق الخلاص الا بانتصار “الاخيار” على “الأغيار” و”المباركين” على “الملعونين”..

وهناك في هذه المعارك الخلاصية اشباح ومؤامرات وغرف مظلمة يستعين المخلصون على مواجهتها بالصدق والاخلاص والطهر المزعوم، ولما لا الدعم الرباني، حتى تعود تونس لما يجب ان تكون عليه، مثلما يدّعون، خالصة لارادة الشعب الذي تطهّر من الطبقة الملعونة الفاسدة، او خالصة للوطن الذي تطهّر من الفئة المجرمة التي لا مكان طبيعي لها سوى السجن او المنفى.

كنت قد كتبت قبل اشهر عن ديمقراطيتنا الناشئة التي أصيبت بامراض الشيخوخة، كما لو كانت ديمقراطية عريقة قوية مستقرّةٌ، فما البال ان أضيف الى أمراض الشيخوخة هذه، أمراض المجتمعات ما قبل العلم، حيث تحلُّ في العقل الجماعي محدّدات الشعوذة والطوطمية والمسيحانية والخلاصية والمهدوية، بدل محدّدات التحليل العقلاني والاعتدال والوسطية..

فان قّدر لهذه الديمقراطية الفتّية ان تنتصر على كل هذه الأمراض الخطيرة المستعصية عادة، فستكون حقا ديمقراطية صلبة فاعلة سيتجاوز تأثيرها حدود الوطن الى المجال العربي والإسلامي والانساني برمته.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP