الجديد

حركة “النهضة”: “من الجماعة الى الحكم”، الاسلاميون والثوة – ما بعد اسلامية / 8 من 30/

منذر بالضيافي
هناك إجماع من قبل كل الباحثين، على أن ما حدث يوم يوم 14 جانفي 2011هو ثورة، وذلك بالاستناد إلى كل التعاريف المتداولة حول مفهوم الثورة. يعرف المفكر العربي الكبير طارق البشري الثورة على النحو التالي: “جرى العرف أننا نقيس الثورة بحجمها وانتشارها واستمرارها والطلبات التي تضعها ، هذا مقياس، وهناك المقياس الماركسي أي أن تخرج من نظام إقطاعي إلى نظام رأسمالي ومن نظام رأسمالي إلى نظام اشتراكي مرتبطا بمراحل التاريخ الكبرى. وفي تقديري أن الثورة ببساطة تقاس بحجم التغيرات الهيكلية الكبيرة التي تحدثها في المجتمع وأقصد بالتغيرات الهيكلية النتائج المترتبة على مطالبها وفعالية تلك المطالب على صعد الحياة المختلفة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا”، وحال تطبيق مثل هذا التعريف على ما حدث في تونس، نجد أنفسنا إزاء ثورة فاعلة بكل المقاييس.
ما بعد-إسلامية
من خلال العودة للشعارات التي رفعتها الحركة الاحتجاجية في تونس، التي انطلقت في البداية من المناطق الداخلية (الهامش) وفق تعريف سمير أمين، ثم تحولت إلى ثورة بعد وصولها للعاصمة تونس وبقية المدن الكبرى (المركز).
يمكن الإشارة إلى بعض الخاصيات التي ميزت هذا الحراك الشعبي. ومنها أساسا أنها بلا قيادة وبلا إيديولوجية. فأبرز الفاعلين فيها هم “أجيال ما بعد- إسلامية” على حد تعبير عالم الاجتماع الفرنسي أولفي روي ، وهم من فئة الشباب لذلك وصفت “بثورة الشباب”. وهي الأجيال الجديدة التي تم توجيهها وتهميشها بصفة إرادية خلال كامل فترة حكم العهد السابق.
ما جعل منها أجيالا لا تهتم كثيرا بالايدولوجيا، وبالعمل السياسي أصلا، بما يعنيه من انخراط في الأحزاب واهتمام بالشأن العام. ولم يكن لها ارتباط -ولو عاطفي- بالإيديولوجيات الكبرى سواء كانت قومية/عروبية أو ماركسية أو إسلامية. وبرز ذلك “من خلال الشعارات التي كانت كلها براغماتية وواضحة ولا تتحمل أي تأويل (“ديقاج”- “ارحل”).
حرص المحتجون على التعبير – وفي المقام الأول – عن رفضهم للدكتاتورية والفساد والمطالبة بالديمقراطية، بطريقة بدت “عفوية” وبدون قيادات أو زعامات تقليدية على خلاف ما هو متعارف عليه في تاريخ الثورات، وبدون تأطير وهذا سيطرح لاحقا موضوع “مأسسة الديمقراطية”، خاصة وأن الدكتاتورية خلفت فراغا سياسيا وإيديولوجيا كبيرا، باستثناء وجود النقابيين – القيادات الوسطي والقاعدية – والإسلاميين الذين أقصوا من المشهد السياسي خلال كامل فترة العشريتين الأخيرتين من حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ما جعل مساهمتهم في الثورة غير متأكدة عند انطلاقتها، وفي كل مراحلها، باستثناء مشاركات أفراد أو حتى بعض القيادات، لكن بشكل فردي وليس في اطار تنظيمي.
تبلور الحضور الإسلامي في الثورة، بعد هروب بن علي وسقوط النظام، حينها انظم الإسلاميون إلى الحركة الاحتجاجية. وكانت شعاراتهم ورموزهم القيادية حاضرة بقوة خاصة في اعتصام القصبة2، الذي كان وراء إسقاط حكومة الغنوشي الثانية –الوزير الأول الأخير في عهد بن علي والذي أعتبر بقاؤه استمرارا للنظام السابق- وفرض “أجندا الثورة” عبر الاستجابة لمطلبها الرئيسي، والمتمثل في الدعوة لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي. المجلس الوطني التأسيسي
هذا المجلس الذي ستوكل له إدارة المرحلة الانتقالية وكذلك كتابة الدستور، والتأسيس للجمهورية الثانية.
دافع الإسلاميون على ضرورة الإسراع بتنظيم الانتخابات، بوصفها الخيار الوحيد لعودة الشرعية. وربما لقناعة لديهم بأنهم الطرف السياسي القادر على الفوز في الانتخابات، وهو ما أشارت إليه كل عمليات سبر الآراء التي تمت قبل 23 أكتوبر2011، وأكدته نتائج الانتخابات التي كرست صعود الإسلاميين، وتصدرهم للمشهد السياسي، والوصول إلى سدة الحكم، لأول مرة في التاريخ السياسي الحديث لتونس.
جاء صعود التيار الإسلامي، معاكسا لما ذهبت إليه بعض الدراسات السويولوجية، التي أشارت إلى أن الحركة الاحتجاجية لم “تستدعي الإسلام مثل سابقاتها” . الذي رأي فيه قادة الحركة الاسلامية بأنه يعبر عن “اختيار لدي الإسلاميين بعدم فرض لونهم الفكري على الثورة، واختيارهم مبدأ العمل المشترك مع كل القوي، على أساس مبدأ الوفاق، تمهيدا للمشاركة في السلطة لا الاستفراد بها، واستبعادا منهم لخطورة “محاولة إسقاط تيار ديني على حدث لم يلعب فيه ذلك التيار دورا يذكر” مثلما نبه الى ذلك العديد من المتابعين في الداخل والخارج. وهذا لا يعني أبدا أن المتظاهرين لائكيين، لكنهم لا يرون في الإسلام إيديولوجيا سياسية قادرة على أن تكون بديلا للنظام السابق.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP