الجديد

رفض لحكم "النهضة" !

منذر بالضيافي
تعلن اليوم الأربعاء، 9 أكتوبر 2019،  الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، عن النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، التي جرت يوم الأحد الفارط 6 أكتوبر الجاري، والتي أعطت تقدما لحزب “النهضة” الاسلامي ولمجموعات يمينية قريبة منه ( ائتلاف الكرامة وحزب الرحمة)، نتائج تأتي في سياق مشهد سياسي ومجتمعي تغلب عليه مظاهر “التوتر” بالنسبة للأول (الحقل السياسي)، و “القلق” و “الحيرة” بالنسبة للثاني (الحقل المجتمعي).
ما يعني ذلك من تأثير متوقع على الاستقرار في البلاد في مناخ عام يوصف بكونه “هش”، بسبب تردي الوضع الاقتصادي وتنامي الغضب المجتمعي، فضلا عن محيط اقليمي ودولي تغلب عليه مظاهر عدم الاستقرار، مرده تصاعد منسوب المخاطر الأمنية، في علاقة خاصة بالخطر الارهابي، الذي يهدد العالم والمنطقة التي نحن فيها خصوصا.
و يتوقع أن يتغذى هذا الوضع أكثر، من النتائج التي أشرنا اليها، وهو ما برزت مقدماته من خلال بداية “التشكيك” في نزاهة العملية الانتخابية، في ما يشبه التهديد بالمرور الى “عدم القبول بالنتائج”، وهو سيناريو من شأنه – لو حصل – أن يدخل البلاد في “دوامة” يصعب الخروج منها، ستكون تكلفته على حساب الاستقرار الأمني والاجتماعي، وعلى مصير ومستقبل مسار الانتقال الديمقراطي برمته، وهذا ما يدرك “عواقبه” الجميع في الداخل وفي الخارج.
للإشارة، وبرغم الحديث عن وجود “خروقات”، أقرتها تصريحات مسؤولي هيئة الانتخابات، الذين لم يستبعدوا الذهاب نحو اتخاذ اجراءات “حازمة”، من مثل اسقاط بعض القائمات، وهو ما أشار اليه عضو مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل العزيزي في تصريح اعلامي “بأن الهيئة قد تضطر إلى تطبيق الفصل 143 من القانون المتعلق بالانتخابات والاستفتاء الذي يتيح للهيئة إمكانية إسقاط جزئي أو كلي لقائمات انتخابية إذا ما ثبت ارتكابها جرائم انتخابية تؤثر على النتائج”.
ونشير الى أن الحديث عن “تزوير” أو اخلالات كبيرة ومفضوحة أثناء العملية الانتخابية، لم يتم التعبير عنه من قبل القوى الرئيسية، من أحزاب مشاركة ومنظمات ومجتمع مدني، ولا أيضا من الهيئات والمراكز الدولية، التي قامت بمتابعة ومعاينة الانتخابات.  على غرار مركز كارتر لذي أشاد “بإدارة الانتخابات التونسية لإجرائها انتخابات برلمانية جيّدة، وأعرب عن قلقه إزاء تدني نسبة الإقبال على التصويت وتراجع ثقة العموم في مؤسسة البرلمان لتحقيق أهداف ثورة 2011.”.
الى حد الان وفي انتظار التأكد من وجود “خروقات”، من شأنها أن تؤثر على النتائج المعلنة، فان ما يحصل من تصريحات في بعض وسائل الاعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي، هو أقرب الى “رفض سياسي” لفوز التيار الاسلامي، وبالتالي رفض لتولي “النهضة” والجماعات القريبة منها حكم البلاد خلال المرحلة القادمة.
من هنا نفهم الدعوات التي صاحبت تسريبات النتائج التي كشفت عنها شركات سبر الآراء، عند الخروج من مكاتب الاقتراع، والتي دعت الاسلاميين الى تحمل مسؤوليتهم والحكم بمفردهم، تلا ذلك تصريحات لكتل وأحزاب مهمة مثل حزبي “التيار الديمقراطي” و “حركة الشعب”، عبرا فيها صراحة عن رفض الحكم مع النهضة واختيارهم “المعارضة الجدية”، وهو موقف ردت عليه قواعد الحركة بتشنج.
كما عبرت قوى أخرى مثل “الحزب الحر الدستوري” (الكتلة البرلمانية الثالثة) و “قلب تونس” ( الحزب الثاني من حيث عدد المقاعد) عن رفض المشاركة في حكومة يقودها “الاخوان” في اشارة لحزب حركة “النهضة”، الذين سبق لهما وأن اتهما حركة “النهضة” اثناء الحملة الانتخابية بالمسؤولية عن “الارهاب” و “تسفير مئات الشباب لبؤر التوتر” وأنها ايضا المسؤولة عن حالة الفشل الاقتصادي وهي الطرف الرئيسي في الحكم خلال الثلاث سنوات الأخيرة.
في ذات السياق، برز موقف “لافت” لحزب حركة “تحيا تونس”، الشريك الرئيس للنهضة في الحكم منذ ثلاثة سنوات، والذي يقوده رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، تضمن تلميحات وان كانت ما تزال في حاجة الى الكثير من الدقة والوضوح، فيها اشارات الى امكانية رفض الحركة للمشاركة في حكومة يشكلها الاسلاميين، وهو موقف يتبناه عدد من قادة الحزب من أبرزهم النائب مصطفي بن أحمد، ولا يستبعد أن يكون محل اجماع من قبل قيادة الحزب، في محاولة لا لاستعادة التموقع داخل العائلة الديمقراطية بل أيضا لقيادتها في ظل حالة الضعف والتفكك التي تعيشها، وهذا لا يكون ال عبر أخذ مسافة عن الحليف السابق.
من جهة أخرى، نلاحظ أن موقف المنظمات الوطنية، يبدوا اكثر وضوحا في التعاطي مع تداعيات نتائج انتخابات الأحد 6 أكتوبر الفارط، وهو ما عبر عنه بيان رباعي الحوار الوطني (ممثلو الرباعي المجتمع اليوم هم نور الدين الطبوبي عن الاتحاد العام التونسي للشغل و سمير ماجول عن الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وجمال مسلمي عن والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان  وابراهيم بودربالة عن الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين  ) أمس الثلاثاء في ثاني اجتماع له، حيث دعا الى “الإسراع بتشكيل الحكومة نظرا للظرف الدقيق الذي تمر به البلاد خاصة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتحديات الأمنية الراهنة”.
كما سجل “وجود عديد الخروقات والتجاوزات في الدور الأول للانتخابات الرئاسية وأثناء الانتخابات التشريعية” مطالبا الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بـ”اتخاذ الإجراءات الضرورية وتدارك الخروقات والتجاوزات ووضع الأسس والنظم الكفيلة بمنعها “.
في تناغم مع موقف الرباعي وبلهجة فيها “ضغط” على حركة “النهضة” قال الناطق الرسمي باسم الاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري، إن “صعود بعض الأطراف السياسية المعروفة بخطابها العنيف اثر الانتخابات التشريعية سيكون له تداعيات وخيمة على الحريات في حال تشريكها في الحكم”.
واعتبر الطاهري أن تشريك قوى ذات خطاب متطرف في الحكم ينذر بالعنف وستنتج عنه أزمة شاملة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، مضيفا إن “بعض القوى ، تنتهج خطابا معاديا للحريات والحقوق المدنية”.
كما اتهم من وصفها ب”القوى المعادية للحريات” باعتماد خطاب “عدواني”، وباستغلالها للحريات في تونس من أجل محاولة السطو على الحرية وخلق الاستبداد، ملاحظا أن تونس تواجه حاليا مخاوف حقيقية من المس بالحريات بعد صعود هذه القوى في الاستحقاق التشريعي وفوزها بمقاعد بمجلس نواب الشعب المقبل، وفق تقديره.
وأفاد “سامي الطاهري” في سياق آخر، بأنّ ملاحظي المنظمة الشغيلة خلال يوم الاقتراع للانتخابات التشريعية رصدوا خروقات أثرت على نتائج التصويت وكذلك مناوشات بين مناصرين لمترشحين متنافسين.
مما تقدم من مواقف، نلاحظ أن حركة “النهضة” أصبحت معزولة سياسيا، وبالتالي فان انتصارها في التشريعية، دون أغلبية وازنة ومؤثرة وامكانية تحالفها مع كتل يمينية محافظة قريبة منها،  سيجعلها في مواجهة “مأزق” يصعب عليها الخروج منه.
ما جعل قياداتها في “حيرة” وهم يرون شبح اعادة انتاج مخرجات الحوار الوطني لسنة 2013 ماثل أمام أعينهم، وليس لهم هامش مناورة كبير  في ظل “عزلة داخلية” وأيضا اقليمية ودولية.
فكيف ستتصرف “النهضة” للخروج من “عزلتها” ؟ وكيف ستشكل حكومتها وبرئاسة من ومع من ستتحالف ؟ وهل أن الحركة تريد فعلا أن تحكم أم أنها تريد الحكم من وراء الستار على غرار ما حصل خلال العهدة السابقة ؟

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP