الجديد

في تلاعب الاعلام بالانتقال الديمقراطي..!؟

 خالد شوكات

خصصّ مركز دعم التحوّل الديمقراطي وحقوق الانسان (منظمة شبه إقليمية مقرّها تونس) عدد مجلّته الأخير/السادس “دعم”، لمعالجة قضية أراها واحدة من اخطر واهم القضايا ذات الصلة بالانتقال الديمقراطي، ان لم تكن القضية الأكثر تأثيرا فيه، وقد احسن المركز الاختيار، لكنّهُ سيكون ابرز ضحاياه، اذ لن تجد المجلّة رواجا اعلاميا مستحقا، ولن تصل الا الى عدد محدود من القرّاء الذين لا حول لهم ولا قوّة “زي حالاتي” على حد قول اخواننا المصريين، خصوصا وان البلدان الثلاثة التي هي محل عناية المركز مصر، فضلا عن تونس وليبيا.

أعود الى لبَّ القضية المطروحة فأقول -وانا إعلامي وصحفي في الأصل – انها احدى “ورطات الانتقال الديمقراطي” الحقيقية التي لا يستطيع طرف او حتى بلد ان يزعم وجود حل ناجز وناجع لا، فالانتقال الديمقراطي “متسامح” حتى مع ألدّ خصومه وأكثرهم عداء له، ولربّما ترك لهم – على غرار ما جرى في تونس- أخطر الأسلحة الموروثة من النظام السابق ليحاربوه لاحقا بها، بل لعلّهم يفتكون به وينهون تجربته تماما باستعمال هذه الأسلحة، التي ازدادت فتكا وقدرة على التدمير لأن استعمالها قد تزامن مع حلول سوقها وازدهار رواجها، اذ لم يسبق للإعلام ان توفّر على هذه القوة مثلما هو عليه الان.

إن إلقاء نظرة بسيطة على الخارطة الإعلامية التونسية اليوم، اي زمن الانتقال الديمقراطي، سيكتشف دون اي جهد أن أهم واخطر وسائل الاعلام وأوسعها انتشارها هي بيد لوبيات وجماعات المصالح المرتبطة بالنظام القديم، وان الاعلام البديل الذي ظهر بعد الثورة فشل فشلا ذريعا ولم يتمكن من الصمود والمقاومة وتساقطت قلاعه الصغيرة الناشئة الواحدة بعد الاخرى، وان هناك ثلاثة او أربعة مؤسسات إعلامية، رأسمالها معروف في صلاته بمراكز النفوذ المعادية للانتقال الديمقراطي، قد استغلت الحرية والديمقراطية وسعة صدر الدولة الجديدة لكي تشوّه وتلحق الاذى وتزعزع الاستقرار وتنكل بالنخب والاحزاب والشخصيات ذات المرجعية الديمقراطية اشنع تنكيل، وان تتلاعب بعقول المواطنين وتقلب الحقائق وفقا لأجندات راهنت باستمرار على فشل التجربة واعادة الامور نحو القديم، وبوجوه تزعم التقدمية والحداثة ضربت كل المشاريع التقدمية والحداثية، وبحجة الأزمة المعيشية هاهي تدفع البلاد اليوم نحو الفاشية والشعبوية دون خجل او حياء. لا أستطيع أبداً ان أنسى كيف رقص برنامج شهير في راديو ذو مرجعية “تقدّمية حداثية” وردح اصحابه على “كتاب لم يقرأوه وأقنعوا المستمعين بانه كتاب في مدح السلطان وهو في الأصل كتاب في النقد والمراجعة والتوثيق”.

لقد تمكن هؤلاء “المهنيون جدا” من قلب الحقائق وتزويرها و محاولة اغتيال صاحب الكتاب معنويا، دون ان تطالهم المحاسبة القضائية. هم يعرفون ان القضاء ان وجد وقتا، لن يعاقبهم ان علّقوا على كتاب لم يقرأوه او اغتالوا شخصا كاتبا لانهم لم يكلفوا انفسهم عناء دعوته لمناقشته في كتابه، وهذا غيض من فيض كما يقال، من الاف الالاعيب المشروعة التي نفذها الاعلام المخاتل، استهدفت جميع من يتحرك في الساحة بمصداقية، وباستغلال مهين لحرية الاعلام والتعبير، وبكل “مهنية مزيّفة” و”ورع كاذب”.

تلك قواعد اللعبة اذا ما مورست في ظل أزمة اخلاقية مستفحلة عادة ما تكون طبعا من طبائع مراحل الانتقال الديمقراطية، التي ترث “إنساناً” من زمن الاستبداد يحمل جميع الرذائل كما قال عبد الرحمن الكواكبي. وهل كان بالمقدور ان يُفعل شيء مختلف، لست ادري، وهل كان مستوجبا إصدار قانون “للعزل الإعلامي” على غرار “العزل السياسي”؟ هناك من يتبنى هذا الطرح من الديمقراطيين على اي حال، ولكن ماذا نفعل بركن “المصالحة الوطنية” وهي أساس وميزة للانتقال الديمقراطي قياسا الى غيره من انواع التغيير، وماذا نفعل بحرية الاعلام وحرية التعبير وحرية المعتقد وحرية الضمير وجميعها يَصْبّ في اتجاه السماح والتجاوز. ولكن هل يمكن معالجة هذه القضية بمعزل عن نتائج التجربة نفسها، والى ماذا قادنا هذا التمشي المتصالح والمتسامح الذي تبنيناه يا ترى؟.

لقد تلاعب الاعلام بالانتقال الديمقراطي كما أراد، وما من ضامن ان هذا التلاعب سيفضي في النهاية الى نهاية التجربة نفسها، ساعتها قد ينسحب أولئك الذين أتوا للتعليق السياسي من عالم التعليق الفني والرياضي سالمين الى مواقعهم الأصلية ولن يبكوا كثيرا هذا الملك الذي ضاع جراء الشطط في استعمال الحق والمبالغة في ممارسة السلطة، ذلك ان الاعلام سلطة ما بعدها سلطة، فان لم يكن ثمّةَ قضاء يحمي اعراض الناس وحرماتهم منها، كان استبدادها ابشع من اي استبداد اخر.

القصّ واللصق وإخراج الكلام عن سياقه وتسخير “الكرونيكور” بحجّة انه ليس صحافيا ليمرر ما يعجز الصحافي ومن ورائه باعث القناة وصاحب الباتيندا عن قوله صراحة، واساليب اخرى يطول شرحها وليس المقام هنا لبيانها، اضحت ألاعيب مكشوفة، لكن لا رادع لها، وهكذا تمضي بِنَا الأيام دون نجد لحظة للنقد او المراجعة، وليخرج المواطنون ربّما ذات يوم قريب، وهم المعنيون بالديمقراطية اكثر من غيرهم، ليتمنوا بل ويطالبوا جَهْرًا بعودة الاستبداد، وقد يفعل الاعلام الحر بالأحرار ما عجز الاستبداد ان يفعله بهم، ذلك انني اعرف شخصيا – وأظنكم تعرفون ايضا ايها القرّاء الاعزاء – ان بعض رموز المعارضة الديمقراطية سابقا قد عرفوا على ايدي اعلام ما بعد الثورة من الهوان ألوانا واضعاف ما عرفوه على ايدي الاعلام ما قبلها..

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP