الجديد

موت السياسة .. و “دكتاتورية” مدرسي القانون !

منذر بالضيافي

هيمنت الممارسة “السياسوية”، وكذلك الجدل القانوني، على الحياة السياسية ما بعد انتفاضة 2011، ما نجم عنه اهمال للمسألة الاقتصادية والاجتماعية، لتغرق البلاد في أتون أزمة اقتصادية، أعادت معها شبح الافلاس وأزمة هيكلية في المالية العمومية، كما قتل الاهتمام المبالغ فيه بالسياسة السياسة.

وترجم ذلك من خلال اعلان الرئيس قيس سعيد، في 25 جويلية الماضي، عن دخول البلاد في مرحلة استثنائية، أنهت مع اقرار الأمر 117 في سبتمبر 2021، ما سبقها ونعني هنا طبعا مسار “الانتقال الديمقراطي”، الذي انطلق بعد 14 جانفي 2011.

وعادت المخاوف من عودة “الدولة التسلطية” لتطل من جديد برأسها، مخاوف تغذت من ادارة الرئيس لشؤون البلاد، وتحديدا من تفرده المطلق بالحكم، مع وجود ضبابية حول العودة  للمسار الدستوري والمؤسساتي عبر التسريع بانهاء الفترة الاستثنائية.

هذه المرحلة، التي طالت برغم اعلان الرئيس قيس سعيد عن “خارطة طريق”، لكنها طويلة وحولها الكثير من الشكوك، التي تنامت مع تصاعد منسوب الثقة بين الرئيس سعيد، و بقية مكونات المشهد السياسي، وحتى مع الخارج الذي عبر في أكثر من مناسبة، عن “قلقه” الذي وصل حد عدم رضاه عن الادارة السياسية لقيس سعيد، مثلما نقل في تصريحات دبلوماسيين غربيين وكذلك في الاعلام الأمريكي والأوروبي.

وبرغم شدة الأزمة، تواصل “النخب السياسية” حكما ومعارضة “الترف السياسي” عبر الاستمرار في “الجدل القانوني” حول شكل الحكم وطريقة الانتخاب، وبذلك تواصل الطبقة السياسية اعطاء الأزمة بظهرها وكأنها غير معنية بما آلت اليه الأوضاع من انهيار شمل كل المجالات.

حالة ترافقت مع تنامي القلق المجتمعي، بفعل تردي الأوضاع المعيشية، وهي أوضاع مرشحة للأسوأ، بسبب الأزمة الاقتصادية في الداخل، وغياب رؤية وبرنامج للانقاد وضعف الأداء الحكومي، وكذلك الظرف الدولي، بعد سنتين من وباء الكورونا والحرب الأوكرانية، التي رمت بظلالها على الاقتصاد والاستقرار العالمي، خاصة وأنها تهدد الأمن الغذائي العالمي، وستكون الدول الفقيرة – ومنها تونس- الأكثر تضررا.

و مع اعلان الرئيس، وبشكل منفرد واستباقي، عن ان نظام الاقتراع على الأفراد، هو الذي سيعتمد في الانتخابات التشريعية المقبلة، التي لو قدر لها ان تقع، عاد من جديد ” الجدل البيزنطي”، بين “فقهاء القانون” ومدرسي كليات الحقوق، وعاد معه ما وصفته في اكثر من مناسبة ” بدكتاتورية القانونجية”.

الذين في غالبيتهم يركزون على البعد الشكلاني للقانون، ولا يحاولون وضعه في السياق الثقافي والسيوسيولوجي و السياسي، فضلا على ان هذا الجدل الذي أصبح فاقدا للمعنى، تحول الى مناسبة لتصفية الحسابات بين اساتذة ومدرسي كليات الحقوق.

كما انه وفي حالة الرئيس، الذي يقود منذ اكثر من ثمانية اشهر البلاد لوحده ولا صوت يعلو فوق صوت ” الحالة الاستثنائية “، يمثل له اختيار هذا النظام الانتخابي ( الاقتراع على الافراد)، فرصة لتصفية حساباته مع الاحزاب ومزيد تهميشها، وايضا طريق يساعد على تنزيل ” مشروعه السياسي”، الذي يعرف ” بالنظام القاعدي”، الذي اصبح الشغل الشاغل لسيادته منذ وصوله لقرطاج، بل انه ام الاولويات لديه.

وهذا ما يفسر اصراره على ان الاستشارة الالكترونية المثيرة للجدل ، التي جاءت مخرجاتها – ومن باب الصدفة – كلها متطابقة مع تصورات السيد الرئيس ، ومبشرة بميلاد ” عهد جديد”، يقطع مع كل العهود السابقة له، ليكون صاحبه في موعد مع ” تاريخ جديد” لتونس.

بالعود للجدل “القانونجي”، اقول واشدد انه يجب ان يكون منسجما مع المزاج المجتمعي العام، وهذا برز مثلا في وجود قابلية للنظام الرئاسي، وهذا المزاج العام الذي اتحدث عنه هو سابق للاستشارة ولوصول سعيد للحكم.

اما القانون الانتخابي،  فهو محل خلاف ويجب ان يخضع لحوار عقلاني واسع، وليس في اطار لجنة مضيقة.

اخيرا، لابد من التأكيد على  ان المشكل في تونس، ليس في شكل النظام السياسي ولا ايضا في القانون الانتخابي، بل انه في النخب التي تصدرت المشهد السياسي وما تزال، في الحكم وفي المعارضة.

فليس هناك نظام سياسي مثالي، فكل نظام لا يخلو من سلبيات وحسنات، لكن يبقى المشكل في الفاعلين الذين سينزلونه في الواقع، ويعطوه فرصة التطبيق، بعيدا عن المضي في استسهال “التجريب”، الذي لن يزيد الحياة السياسية الا ضعفا وتشتتا، وبالتالي يكرس مزيد عدم الاستقرار السياسي و المجتمعي.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP