الجديد

كتب- منذر بالضيافي: من الحرب إلى التفاوض: إيران تحول الصدمة العسكرية .. إلى رصيد سياسي و ديبلوماسي

منذر بالضيافي

كشفت الحرب على ايران التي شنتها  عليها في 28 فيفري الماضي، كل من الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل، أن الحروب ذات الرهانات الكبرى، لا تُقاس النتائج فيها فقط بحجم الدمار العسكري، وإنما أيضا بقدرة الدول والأنظمة على امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب موازين القوة والمعنى بعد الضربات، القدرة على الصمود واستنزاف العدو، وهذا ما يمكن المجازفة بالقول أن طهران قد نجحت فيه لحد اليوم، وهي التي خبرت مثل هذه الاستراتيجية في حرب الثمانية سنوات مع العراق.

ومن هذه الزاوية تحديدا، تبدو لكل المراقبين – الخصوم قبل المقربين- أن إيران بصدد إدارة مرحلة ما بعد المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية بمنطق يتجاوز رد الفعل العسكري المباشر نحو معركة النفس الطويل والتفاوض المركّب.

فبرغم حجم الضربات التي تعرضت لها، خاصة في الساعات الأولى للحرب – اغتيال المرشد وعدد من القيادات الوازنة- لم يظهر إلى حد الآن أن النظام الإيراني دخل مرحلة اهتزاز داخلي حاسم، كما لم تنجح الحرب في ضرب الاستقرار الاجتماعي بصورة تؤدي إلى انفجار داخلي واسع، رغم وجود مؤشرات تململ وحراك اجتماعي وسياسي سبقت الحرب بسنوات. بل إن ما حدث، إلى حد بعيد، هو إعادة إنتاج لما تعرفه المجتمعات والدول أثناء الحروب الخارجية، حيث يتراجع منسوب الصراع الداخلي مؤقتا لصالح نوع من الالتفاف الوطني حول الدولة والسيادة، ويكون هذا أكثر بروزا في دولة ذات “ارث قومي وامبراطوري” مثل ايران، لم يكن على ما يبدوا حاضرا في واشنطن وتل ابيب وهم يأخذون قرار الهجوم على طهران.

في المقابل، وبعد 40 يوما من الحرب المكثفة، وما تلاها من أيام طويلة من حالة الترقب – ماراطون مفاوضات طويل و مرهق –  تبدو طهران وكأنها اختارت استراتيجية “امتصاص الصدمة” بدل الانجرار إلى مواجهة شاملة مفتوحة. فهي تدير التفاوض مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب  Donald   Trump ببرودة واضحة، ولا تعير اهتماما كبيرا لخطابه التهديدي المتكرر، إدراكا منها أن جزءا مهما من هذا الخطاب موجّه أساسا للاستهلاك الانتخابي والإعلامي داخل الولايات المتحدة.

ولعل الأهم من ذلك أن إيران تحاول تحويل عناصر الضغط الجيوسياسي إلى أوراق تفاوضية، وعلى رأسها ورقة مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الاستراتيجية للطاقة والتجارة العالمية. فالتسريبات الأخيرة حول استعداد إيران لإعادة فتح المضيق بعد التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، تعكس أن الملف لم يعد مجرد قضية عسكرية، بل أصبح جزءا من هندسة التفاوض الإقليمي والدولي.  

وفي الوقت نفسه، تعمل طهران على إعادة صياغة خطابها الإقليمي، خاصة تجاه دول الخليج، عبر رسائل طمأنة سياسية وأمنية، في محاولة لتخفيف منسوب القلق الخليجي من جهة، ومنع تشكل جبهة إقليمية موحدة ضدها من جهة أخرى. كما تستفيد إيران من شبكة علاقاتها المتماسكة مع الصين و روسيا، بما يمنحها هامشا أوسع للمناورة الدبلوماسية والاقتصادية.

في هذا السياق، يبدو المفاوض الإيراني أقل استعجالا للوصول إلى تسوية سريعة، وهو الذي تشكل سياسيا ونفسيا، رسميا وشعبيا، على مدى أكثر من أربعة عقود من العقوبات والحصار والضغوط الغربية. لذلك تتعامل طهران مع عامل الزمن باعتباره جزءا من أدوات القوة لا عبئا عليها.

في المقابل، أخذ الضغط يتحول تدريجيا نحو الإدارة الأميركية نفسها. فاستمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” أصبح مكلفا سياسيا واقتصاديا وإعلاميا لواشنطن، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية النصفية، وتصاعد الانتقادات داخل الإعلام الأميركي، وحتى داخل بعض الأوساط المحافظة التقليدية الداعمة لترامب.

ولعل أحد أبرز مؤشرات هذا التحول، هو تنامي التباين بين الرؤية الأميركية وبعض حلفائها التقليديين، سواء في أوروبا أو في الخليج. فالكثير من العواصم الخليجية باتت تنظر بقلق إلى أي مشروع مواجهة مفتوحة قد يهدد الاستقرار الاقتصادي والطاقة والتوازنات الإقليمية، أكثر مما يحقق حسمًا استراتيجيا واضحا.

ومن هنا يمكن فهم الموقف السعودي الرافض لمحاولات ربط مسار التفاوض مع إيران بفرض توسيع اتفاقيات أبراهام كشرط سياسي مسبق. فإدارة ترامب حاولت الدفع نحو مقاربة تقوم على إعادة تشكيل المنطقة وفق منطق التطبيع الإجباري وإعادة هندسة التحالفات الإقليمية بصورة فوقية ومستفزة أحيانا، وكأن المنطقة مجرد ملف انتخابي أو صفقة سياسية جاهزة.  

غير أن الرياض، مثل بقية عواصم الخليج، تبدو أكثر ميلا اليوم إلى مقاربة براغماتية تقوم على أولوية الاستقرار الإقليمي وتخفيف التوتر، بدل الانخراط في مشاريع استقطاب حاد قد تفتح المنطقة على احتمالات انفجار أوسع. كما أن ربط أي تفاهمات إقليمية بملف التطبيع مع  اسرائيل، في ظل استمرار الحرب والتوترات الكبرى في المنطقة، بدا للكثيرين طرحا غير واقعي سياسيا وشعبيا.

في العمق، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو “نصر حاسم” لأي طرف، بقدر ما تتجه نحو إعادة رسم توازنات جديدة تقوم على إدارة الصراع أكثر من إنهائه.

ليبقى السؤال: من يملك القدرة الأكبر على تحمل الزمن الطويل وإدارة التعقيد الإقليمي والدولي بأقل الخسائر الممكنة ؟ ومن يكسب معركة الارادات لا معركة الصواريخ ؟

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP