أوروبا في قلب التحولات: احتجاجات العنف وأزمة عالم لم يولد بعد
خليفة بن سالم
هل علينا أن نأخذ ما يجري في أوروبا من احتجاجات اتخذت طابعا عنيفا مأخذ الجد، على أن أوروبا مقبلة على تغيرات كبرى، أم هي أحداث عابرة كغيرها من الأحداث التي مرت بها في عقود و سنوات مضت ؟
هي أسئلة مشروعة و منطقية من وجهة نظر تحليلية، على اعتبار وأن أوروبا الغربية مثلت تاريخيا مرجعية فلسفية وعلمية وسياسية لدى نخب عديدة في العالم شرقا وغربا، وان احداثها تنعكس ضرورة على النخب وحتى الجموع خاصة في المجتمعات القريبة منها، أو التي لها روابط تاريخية معها، بها يفعل التلاقح الحضاري أو الهيمنة الاستعمارية أو غيرها من وسائل التأثير والتأثر.
ومع ذلك لا نرى أبدا – وهذه وجهة نظرنا – أن ما يحدث في أوروبا هذه السنوات سيؤثر في الآخر الحضاري أو الجغرافي، لأن ما يحدث هو في حد ذاته نتيجة لتراجع القارة العجوز، تراجع اوضاعها الاقتصادية ، و بالمثل نفوذها العسكري ، واكثر من كل ذلك لم تعد نماذجها في الحوكمة والسياسة والقيم ذات مصداقية لدى الشعوب الاخرى .
بل صار جزء مهم من نخب الشعوب المتطلعة لتجديد انماط حكمها لا ترى في أوروبا الغربية نماذج حكم مغرية ! ومع ذلك فلن محاولة فهم هذه الاحداث تظل عند نفس الاسئلة التي تسعى لربطها بالأزمات المعيشية أو بالصراعات الطبقية أو بتنامي عدد المهاجرين.
ونعتقد انها اسئلة تحمل في طياتها نفس الأجوبة، على أن متابعة هذه القراءات والتحاليل كشفت عن ثلاث مواقف وتأويلات جد مختلفة.
أولها ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من ان المهاجرين واساسا المسلمين سينهون مستقبلا شيئا اسمه فرنسا ومن بعدها أوروبا !. وهو موقف ليس خاصا بترامب وانما لدى جزء مهم من النخبة في أوروبا، ولو أن تصريح ترامب فيه تزكية ضمنية لقوى اليمين المتطرف .
أما القراءة الاخرى التي استمعنا إليها فهي تعتبر أن وراء الاحداث تحريك استخباراتي روسي لتأديب فرنسا على دعمها لزلينسكي، وهي فكرة في اعتقادنا سطحية وإستسهال للوقائع، التي تحمل في طياتها أبعاد أعمق من ان تحركها ايدي مخابرات أو جوسسة، وان كان ما يحدث في الضفة الاخرى من أوروبا، أي بين روسيا واوكرانيا ليس بعيدا عن فرنسا و باقي دول أوروبا الغربية ، والتي يبدوا أنها فشلت في “ابتزاز” روسيا او فرض الهزيمة عليها أو تحجيم دورها أو حتى ارباكها .
بل ان كل اجراءات أوروبا ضد روسيا لم تعطي أكلها ولم تهزم روسيا، بل على العكس تماما بدل محاصرة روسيا صارت أوروبا محاصرة، من الداخل بشعوبها وكل خوف أوروبا اليوم هو تحالف ترامب مع بوتين .
تحالف – لو كتب له الحدوث- فانه سيؤدي لمزيد تهميش دور أوروبا في السياسات الدولية وٱخرها ما يحدث في مضيق هرمز !
أما القراءة الثالثة، فتقول ان ما يحدث في أوروبا ليس بعيدا عن ما يحدث في الشرق الاوسط، أو ما يحدث مع إيران أو ما حدث في فنزويلا أو في افريقيا وغيرها، وكأن العالم على اعتاب حرب عالمية، على أن هذا القول كان عليه ان يحدد مفهومه للعالم اليوم لأن العالم القديم مركزه كانت أوروبا والحرب العالمية كانت بالأساس حربا اوروبية، أما اليوم فالعالم جغرافية ممزقة على اكثر من واجهة ثقافية وحضارية و اقتصادية.
و إن كانت هذه الجغرافية ممزقة فإنها في نفس الحيز الزماني متباعدة، فنحن في رقعة جغرافية واحدة متعددة و زمان بأزمنة مكثفة، تعلن نهاية كل مخرجات نهاية الحرب العالمية الثانية.
وبذلك نقول لسنا بصدد عالم في طور الاحتضار وآخر بصدد الظهور ، وإنما نحن إزاء عالم مات ودفن وانتهى، ولا وجود لحد الآن لبوادر عالم بديلا عنه.



Comments