خليفة بن سالم يكتب :اجتماعات الحلف الأطلسي… لقاءات من الماضي؟
خليفة بن سالم
إلى وقت غير بعيد، كانت اجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) محطة يتابعها العالم بأسره، مترقبًا ما يصدر عنها من قرارات كبرى كانت ترسم مصائر دول، وتحدد اتجاهات حروب، وتؤثر في مستقبل أنظمة وحكومات. أما اليوم، فلا يبدو أن الاجتماع المنعقد في تركيا يحظى بالزخم ذاته أو بالاهتمام الذي اعتاده العالم.
فما الذي تغيّر؟
يجتمع قادة الحلف، لكن من دون أن تستقطب اجتماعاتهم اهتمامًا دوليًا واسعًا، بل إن قطاعًا متزايدًا من المحللين الغربيين بات ينظر إلى الناتو باعتباره مؤسسة تنتمي إلى مرحلة تاريخية مضت، وأنه أحد موروثات الحرب الباردة التي تجاوزتها التحولات الجيوسياسية الكبرى، بينما لا يزال الحلف أسير منطقها القديم.
ويبدو اجتماع أنقرة أقرب إلى لقاء بروتوكولي منه إلى قمة تصنع القرار. ولا يمكن فهم هذا المشهد إلا في سياق التحولات التي شهدها النظام الدولي، ولا سيما منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
فسياسات ترامب الخارجية، وطريقة إدارته للأزمات الدولية، وجهتا ضربة إلى مفهوم التحالفات التقليدية الذي قام عليه الناتو لعقود. ولم يكتف الرئيس الأمريكي بإضعاف ثقة الحلفاء بالحلف، بل جعل كثيرًا من دوله هدفًا مباشرًا لضغوطه السياسية والاقتصادية، في إطار رؤيته القائمة على احتكار القرار الأمريكي في قضايا الحرب والسلم.
وقد تجلى ذلك بوضوح خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، ثم في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، حيث اختارت واشنطن التحرك بصورة منفردة، متجاوزة حتى الحد الأدنى من التشاور السياسي مع حلفائها الأوروبيين، رغم طبيعة التحالف الاستراتيجي الذي يجمعهم.
وفي الملف الإيراني تحديدًا، دخل ترامب الحرب منفردًا، من دون العودة إلى شركائه داخل الحلف. وحين واجهت إدارته تعقيدات الميدان، طلب دعم الحلفاء بمنطق الآمر لا بمنطق الشريك، وهو ما أثار استياء عدد من العواصم الأوروبية، التي رأت في ذلك انتقاصًا من مكانتها داخل التحالف. وزاد هذا التوتر مع تلويح ترامب أكثر من مرة بإعادة النظر في التزام الولايات المتحدة بعضويتها في الناتو.
وتعامل ترامب مع الأزمة الإيرانية بعقلية رجل الأعمال الذي يسعى إلى تعظيم أرباحه الخاصة. فبينما استفادت الولايات المتحدة من اضطرابات أسواق الطاقة، لم يحقق الرئيس الأمريكي مكاسب سياسية موازية، بل تكبد خسائر داخلية أمام جزء من ناخبيه والرأي العام الأمريكي.
وانعكس هذا النهج أيضًا على علاقاته بحلفائه في الخليج العربي، الذين وجدوا أنفسهم أمام قرارات أمريكية مصيرية تمس أمن المنطقة، من دون أن يكون لهم دور فعلي في صياغتها، وهو ما عزز شعورًا متزايدًا بأن واشنطن باتت تدير الملفات الإقليمية بمنطق المصالح الأمريكية الخالصة.
أما الاختبار الأكثر دلالة على تراجع دور الناتو، فكان الحرب الروسية الأوكرانية. فقد أخفق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في دفع الحلف إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، رغم كل رهاناته على توسيع الانخراط الغربي في الحرب. وتوالت مؤشرات هذا الإخفاق، وكان آخرها تراجع حضوره السياسي في اجتماعات الحلف، بما يعكس فتورًا متزايدًا في الحماس الغربي لاستمرار الحرب بالوتيرة نفسها.
وخلال السنوات الماضية، جرّبت كييف مختلف الأوراق: من توثيق التحالف مع إسرائيل، إلى الاستثمار في المخاوف الأوروبية من روسيا، وصولًا إلى التعويل على الدعم الأمريكي غير المحدود. غير أن النتيجة جاءت مختلفة؛ إذ لم ينجح الغرب في عزل موسكو، بينما وجدت بعض الدول الأوروبية نفسها تواجه تحديات متزايدة، سواء في علاقاتها مع واشنطن أو في تراجع نفوذها داخل إفريقيا.
وفي ظل هذا التراجع النسبي لدور الناتو، يبرز سؤال جوهري: ماذا تبقى من مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية على النظام الدولي؟
لقد بدا التوسع الإمبراطوري الأمريكي، إلى وقت قريب، غير مسبوق في التاريخ المعاصر، لكن المؤشرات الحالية توحي بأنه اصطدم بواقع دولي جديد، يتشكل حول محور روسي ـ صيني أكثر تماسكًا، فرض على واشنطن قدرًا أكبر من التشاور مع موسكو وبكين، بعدما كانت تنفرد بإدارة الملفات الدولية.
كما أن إيران، رغم كلفة الحرب، نجحت في إرباك الحسابات الأمريكية، وفرضت نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الحرب والهدنة. وفي المقابل، تبدو أوكرانيا اليوم أقل قدرة على حشد التعاطف الدولي الذي حظيت به في بداية الحرب، بينما يكتفي الناتو بدور المتابع أكثر من كونه الفاعل، في ظل تراجع الحماسة الأمريكية لتحمل كلفة تحالف باتت واشنطن تنظر إليه بوصفه أكثر عبئًا من كونه مصدر قوة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يشهد العالم أفول الناتو فعلًا، أم أن الحلف يعيش مرحلة إعادة تعريف لدوره في نظام دولي يتجه بثبات نحو التعددية القطبية؟



Comments